في الطابق الارضي من مبنى سكني قاتم بالقدس توجد لافتة بنية باهتة فوق باب زجاجي تشير الى مقهى ومطعم صغير لعب دورا مهما في سياسات الشرق الاوسط والعمل الصحفي على مدى نحو 70 عاما. اسم المكان فينكس ومر به بالتأكيد كل مراسل اجنبي او دبلوماسي او جاسوس جاء الى المدينة منذ عام 1932 او جلس على احد مقاعد البار او طلب طبق الجلاش الشهير على احدى طاولاته الست الصغيرة. باستثناء هنري كيسنجر بالطبع.. اتصل رجاله بفينكس في عام 1975 ليقولوا ان وزير الخارجية الامريكي آت للعشاء لكنه يريد اخلاء المكان الا منه ومن حاشيته لكن دافيد روتشيلد مالك المكان رفض. وقال مولي ازريلي المالك الحالي للمكان وزوج ابنة روتشيلد «الكلمات تعجز عن وصف خليط الناس الذين ارتادوا هذا المكان على مدى السنين... اذا لم يكن فينكس موجودا لكانوا اوجدوه... فالشرق الاوسط يحتاج لمكان التقاء مثل هذا». وتوفي روتشيلد عام 1995 عن 86 عاما. وكان يقف خلف البار كل ليلة تقريبا منذ ان اشترى المكان من فينك الذي لم يعد احد يذكر اسمه الاول في عام 1945. عمل روتشيلد ساقيا في فينكس بعد فترة وجيزة من وصوله من موطنه بافاريا في عام 1933. وعندما اشترى المكان كان يعتزم جعله قطعة من اوروبا في الشرق الاوسط. ولم تتغير قائمة الطعام منذ اليوم الاول. وبلاط الارض الرمادي مازال هو نفسه والجدران تحتفظ بألوانها التي تشبه الشيكولاتة بالحليب والتي يعاد دهنها كل 15 عاما سواء كانت تحتاج لذلك ام لا. ويقال ان لدى فينكس افضل انواع الويسكي في المنطقة ويقول ازريلي ان لا نادل يمكنه العمل في هذا المكان الا اذا كان قادرا على عمل «كل خلطات الخمور المعروفة في العالم». ولم يعمل الكثيرون في هذا المكان كان منهم اسحق بورج الذي تقاعد العام الماضي بعد 50 عاما من القيام بهذا العمل وبعد ان بلغ 83 عاما من العمر وكان فعلا يستطيع مزج كل خلطات الخمور المعروفة في العالم. وكان بورج وروتشيلد يعرفان كل شخصية عامة سواء سياسية او دبلوماسية او اعلامية في الشرق الاوسط. وقوانين المكان سواء في الماضي او الان بسيطة فهي تقضي بضمان الخصوصية التامة لكل زائر رغم ضيق المساحة وتكدس اماكن الجلوس. هذا ما جعله مركزا لالتقاء الجواسيس خاصة في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين قبل اعلان دولة اسرائيل عام 1948. في تلك السنوات يقول ازريلي (61عاما) ان البريطانيين كانوا يجلسون على البار بجوار افراد الهاجاناه وافراد متنكرين من الجيش الاسرائيلي كل جانب يستمع بانتباه لكن بسرية بالغة. وأضاف ازريلي «الجاسوسية كانت مختلفة تماما عما هي عليه الان.. انها في هذه الايام تعتمد على اجهزة الكمبيوتر والاقمار الصناعية والقليل منها فقط هو ما يمكن القيام به في مكان مثل فينكس». واعتادت جولدا مائير على ارتياد المكان للعشاء عندما كانت رئيسة لوزراء اسرائيل وكانت تقف بصبر تنتظر دورها حتى تخلو طاولة. ورئيس الوزراء الاسبق بنيامين نتانياهو من الرواد الدائمين للمكان لتناول كأس في وقت متأخر من الليل. ومن رواد المكان كذلك دافيد روبينجر الذي مازال يعمل مصورا لدى مجلة «تايم» رغم انه تجاوز السبعين من عمره. تناول كأسه الاولى في المكان في ديسمبر عام 1946 بعد فترة وجيزة من انتقاله لفلسطين. ويؤكد خصوصية المكان بواقعة يرويها قائلا «ذات مرة في الستينيات كنت خارج البلاد وحضرت زوجتي الى المكان مع صديق مشترك.. وعندما عدت واصطحبتها للعشاء بعد نحو يومين حياها روتشيلد كأنه لم يرها منذ شهور... في نهاية الامر اضطررت ان اقول له انه لا توجد مشكلة لانني اعلم انها كانت هنا مع شخص منذ يومين». لكن العمل لا يسير على ما يرام في فينكس هذه الايام. فالانتفاضة الفلسطينية والكساد الذي تشهده اسرائيل كانا من العوامل التي ابعدت العديد من الرواد الدائمين. لم يعد لدى احد الرغبة في قضاء ليلة خارج بيته. العديد من المراسلين الاجانب منهمك في تغطية الانتفاضة فلا يتاح لهم الوقت للحضور كما كان الحال مثلا وقت حرب الخليج عام 1992 او حرب عام 1967. وقال اريك سيلفر مراسل «الاندبندنت» المقيم منذ فترة طويلة في القدس «لا اعتقد ان الجيل الحالي من المراسلين الاجانب مرتبط بفينكس كما هو الحال معي... انهم يرتادون المكان لكنهم لا يتعاملون معه كناد خاص يأتونه كل ليلة كما كان يفعل البعض من قبل». وأضاف «المشكلات في الشرق الاوسط تبدأ بالافتقار للتواصل.. في فينكس يمكنك ان ترى الناس يتحدثون ويستمعون وترى مستوى رفيعا من دبلوماسية المعلومات». رويترز