كان أول ما شعرت به في الطائرة هو الانخفاض في الضغط الجوي ثم بدأت اسمع هدير نيران الدبابات. سرحت بنظري في النافذة عبر الوادي فشاهدت قبة الصخرة المتلألئة بالذهب فوق المدينة القديمة. كان الظلام قد خيم على المكان منذ ساعات، لكن الحرب الفلسطينية الاسرائيلية اصبحت الآن صوتاً مألوفاً في القدس. قصف بيت جالا له طقوسه الخاصة، مسلحون فلسطينيون يبدأون بإطلاق النار على مستعمرة جيلو اليهودية، فترد عليهم الدبابات الإسرائيلية ـ لكن صباح الأمس شهد أعنف المعارك بالبلدة منذ قرابة العام. بالطبع على المرء هنا ان ينسى ان «جيلو» هي الكلمة العبرية لـ «جالا» وان المستوطنة بنيت بصفة غير شرعية على اراضي اهالي بيت جالا الفلسطينيين، لأن الاسرائيليين يحبون ان يقدموا ما يحدث بعبارات بسيطة مفادها ان «الارهابيين» الفلسطينيين يطلقون النار على الاسرائيليين في ضواحي القدس. قبل ساعات فقط حاول الاسرائيليون قتل مهند ديرية، وهو احد اعضاء قوة الـ «17» الفلسطينية في رام الله. هل كانت محاولة قتل ديريّة المحفّز لاستئناف الهجمات الفلسطينية على مستعمرة جيلو؟ ام انه من المفترض ان الردّ الفلسطيني على ذلك تمثل في اطلاق قذائف هاون على احدى المستعمرات اليهودية في غزة؟ واذا كان الامر كذلك، فماذا كان القصد من الهجوم الاسرائيلي بالمروحيات على مخفر للشرطة الفلسطينية في بلدة رفح بقطاع غزة. وهكذا فإن مثل هذه الحروب الأهلية تحافظ على زخمها تلقائياً. فالأحداث العنيفة في كل من اسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة تحدث بوتيرة يصعب معها جداً فهم من يردّ على ماذا وهو امر مبهج لكل السياسيين ـ الذين يعتمدون على الذاكرة القصيرة لاتباعهم ـ ولعنة لجميع المراسلين الصحفيين. وما ان وصلت الى رام الله امس لكي القي نظرة على رماد سيارة ديريّة ـ حيث حقق الاسرائيليون اصابة دقيقة مباشرة من مخيم عسكري ضخم ومستوطنة غير شرعية على قمة هضبة مجاورة ـ حتى جاء الرد الفلسطيني. عضو من حماس؟ او من الجهاد؟ مع او بدون شريك؟ لكن في اول هجوم من نوعه في اسرائيل منذ بدء الانتفاضة، انطلق شاب فلسطيني يقود سيارة سوداء بسرعة من امام احدى القواعد العسكرية الرئيسية في تل ابيب وفتح النار على مجموعة من الجنود الاسرائيليين كانوا يغادرون القاعدة لاستراحة الغداء. هذا الشاب، شأنه في ذلك شأن الاسرائيليين، كان يحاول ان يقتل اعداءه. وقد جرح الشاب المسلح عشرة رجال قبل ان يصيبه جندي اسرائيلي بعيار ناري في الرأس لتصطدم سيارته بعمود انارة. واضيفت هذه الحادثة كبند احصائي جديد من الحرب لكونها أول محاولة اغتيال بالأعيرة النارية يقوم بها الفلسطينيون داخل اسرائيل خلال 12 شهراً. وفي طريق العودة في رام الله، اغلق الاسرائيليون الطريق لعدة ساعات. لاسباب «امنية» بالطبع. لكن الأرجح ان هذا الاجراء كان بمثابة رد اسرائيلي ووسيلة للمضي اكثر في اذلال الفلسطينيين المضطرين للتوسل والتماس الاعذار ومحاولة الشتم حتى يشقوا طريقهم بين مناطق بلادهم. وعند احد المواقع تتبعت قافلة من الجرارات الزراعية تسلك طريقاً جانبياً مروراً بحقول من الطين والصخور المتكسرة وصولا الى طريق القدس على الجانب الآخر لنقطة التفتيش الاسرائيلية. ولان الاسرائيليين يمثلون هذه الارض منذ 34 عاما فهم يعرفون موقع الطريق الجانبي عن ظهر قلب. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: اذا كانوا قلقين الى هذا الحد بشأن «الأمن» فلماذا لا يغلقون الطريق الجانبي؟ لان طابور المواطنين الغاضبين الذين يتصبب منهم العرق في سياراتهم التي تشبه الافران كان نوعاً من العقاب الجماعي الذي يخدم غاية خاصة به؟ والاذى المتعمد مستمر في اسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك هجوم صاروخي على المقر الرئيسي للشرطة في قطاع غزة وتبادل غزير لاطلاق النيران، وهجوم قام به مسلح فلسطيني جارحاً عدة اشخاص قرب وزارة الدفاع في تل ابيب، ويبدو ان الحكومة الاسرائيلية لاتزال تتصرف من تصورها انها كلما ردّت بقوة أشد، كلما اصبح حل المشكلة اسهل. لكن العكس هو الصحيح في واقع الامر. ثمة شيء محيّر حول فشل السياسيين الاذكياء في فهم الاساسيات، فاسرائيل تنتهج الان سياسة اغتيال مناوئيها ـ أو عمليات «القتل المستهدف» كما يحلو للحكومة الاسرائيلية ان تدعوها لكننا لا نرى سبباً لعدم تسمية الاشياء بأسمائها الصحيحة، فالقوات الاسرائيلية مستعدة لقتل الاشخاص الذي يشكلون حسب اعتقادها ـ خطراً على الدولة. وفي ظاهر الامر، قد يبدو ذلك منطقياً، فتخلصك في اولئك الذين يتسببون بأسوا المشاكل ـ من حيث الظاهر يخلصك في المشكلة بحد ذاتها. فلماذا تعبأ بتفاصيل تافهة مثل الشرعية؟ من نواح معينة، فإن هذا المنطق شبيه بمنطق سياسة «اضرب لتقتل» التي اتبعت في إيرلندا الشمالية في الثمانينيات من القرن المنصرم. افضل ما يمكن ان يقال عن هذه السياسة انها تنطوي على عيب اخلاقي. فإذا اقترف شخص جريمة ما، يجب تقديمه للمحاكمة، والقتل ليس الطريقة المثلى لتصفية الحسابات بالنسبة لحكومة تقول انها ديمقراطية. وفضلا عن ذلك فمن الواضح بل والمؤلم ايضا ان احتمال تعرض الابرياء للاذى لا يقل عن احتمال تعرض المذنبين. والمدنيون في حقيقة الامر هم «الضرر الجانبي» المحتوم، حسب التعبير العسكري الاسرائيلي الذي اختير بعناية لتخفيف بشاعة مثل هذا الواقع. وفي الهجوم الصاروخي الذي استهدف مقرات حماس في نابلس، كان هناك طفلان بين الضحايا. لكن، حتى لو أغمضنا الطرف عن المعيار الاخلاقي، فان سياسة الاغتيالات هي سياسة حمقاء ولا معنى لها. فالاسرائيليون يصرون دائماً على ان عليهم الدفاع عن أنفسهم، وسمعنا الناطق الرسمي باسم الحكومة الاسرائيلية يقولم قبل ايام: «اي بلد يجد نفسه في مثل وضعنا سيتصرف بنفس الطريقة». لكن هل يعتقد قادة اسرائيل حقا ان قتل الزعماء المتشددين طريقة ناجعة لابطال مفعول المقاومة؟ ان العنف يشبه الافعى الخرافية ذات التسعة رؤوس والذي ينبت لها رأسان جديدان مكان كل رأس يقطع. وكذلك الامر عندما يقتل الاسرائيليون احد قادة الجماعات المسلحة سيخرج مكانه اثنان بدل الواحد. فالقتل المتعمد يضاعف الغضب الجماهيري الذي يمكن التنبؤ بنتائجه وعاجلاً أم اجلاً لابد لهذا الغضب ان يتفجر. وعندما يهدد الفلسطينيون بالثأر لقتلاهم، فمن المنطقي ان اي سياسي اسرائيلي عاقل يجب ان يأخذ تهديداتهم على محمل الجد. وهكذا فإن قادة اسرائيل، برفضهم للحلول الوسط، يعرضون حياة مواطنيهم، وليس حياة الفلسطينيين وحدهم للخطر فرغم ان عملية السلام في الشرق الاوسط تبدو متهالكة الآن، لكن لايزال هناك اسباب عقلانية تستدعي من كلا الجانبين عدم القضاء على جميع طموحات التغيير. وعلى الفلسطينيين ايضا ان يفهموا ان قتل الاسرائيليين اينما وجدوا سوف يجعل الامور اسوأ للجميع. إن كلا الطرفين يشعران الآن بالآلم لكن هذا ليس سبباً لإدارة الظهور لامكانيات التسوية. انه سبب لجعل كل طرف يسعى لفهم مخاوف الطرف الآخر. ضابط اسرائيلي رفيع المستوى وصف سياسة الاغتيالات التي تتبعها حكومته قائلا: «اذا جاء رجل لقتلك، فاخرج له مبكرا واقتله اولاً». قد يبدو هذا السطر مقنعا على نحو يفوي للبعض، لكنه يفشل في مواجهة الواقع إذا أن اشقاء وابناء واصدقاء الرجل القتيل سيتضاعف تصميمهم على قتل القاتل. واذا ارادت اسرائيل اضعاف التأييد للقتل، عليها ان تقوم بخطوة في هذا الاتجاه، لكن اصرار شارون على رفض خيار استدعاء مراقبين دوليين ورفض الحلول الوسط «لا الان ولا في المستقبل» على حد قوله، امر مؤسف حقاً. فالحلول الوسط ـ ايقاف توسع المستوطنات على سبيل المثال ـ لن تكون انهياراً بل خطوة شجاعة من جانب حكومته. ويتعين على كلا الطرفين ان يدركا، في يوم ما ان التسوية والشجاعة ليستا نقيضين بل وجهين لعملة واحدة. عن روبرت فيسك في «اندبندنت»