أزمة الوجود وحرب 48 لم تنته بعد، عامل الزمن الذي كان في صالح اسرائيل أصبح أكثر توازناً الآن ـ يبدو أن الصورة في أوساطكم وكما يظهر من حديثك فيها التأييد والإقالة وتجاوز الخطوط وغير ذلك، فكيف يمكننا أن نصدق كلام الضباط الكبار في الجيش؟ ـ هذا صحيح، ولكن ضباط جيش الدفاع هم بشر أيضاً والصراع على مراكز القوى موجود في كل نظام هيكلي، والجيش ليس مستثنى من هذا. وحتى في عالم الأعمال الذي أتواجد فيه الآن وكذلك في صفوف السياسيين، كل شخص يبحث عن أصدقاء وأنت لا تستطيع التقدم بقواك الذاتية بينما يشكل الأصدقاء عنصراً مضاعفاً للقوة، أنا لا أعرف شخصاً واحداً في عالمنا السياسي استطاع التقدم دون مساعدة الأصدقاء. فأوري سافير ويوسي بيلين يتمتعان بكفاءات عظيمة وتلقيا الدعم من بيريز بحيث كانا في الثمانينيات ولديه المدللين، إنه أمر إنساني تماماً ولا أعتبره مرفوضاً، ويوسي ساريد بدأ حياته السياسية وهو يعانق بنحاس سابير، وكلهم أصدقائي. وبالمناسبة حدث الأمر نفسه في أوساط الليكود ايضا فلولا رعاية شامير ما كان بإمكان دان مريدور وروني ميلو وأيهود أولمرت اقتحام عالم السياسة. ـ كيف كان شعورك في حينه على ضوء المظاهرات العارمة التي اجتاحت اسرائيل أثناء المفاوضات؟ ـ التقيت زئيف زامبيتش صديق فريدمان واوري ارئيل من زعماء المستوطنين لعرض الخرائط عليهما وتحدثت مع رابين حول المظاهرات فغضب جداً وأحس بالايذاء لأنه كان مقتنعاً بأنه يفعل الصواب والتظاهرات تعبر عن نكران الجميل من جانب المتظاهرين، وأذهله عنف هذه المظاهرات والصرخات التي تصفه بالخيانة. واضطر رابين في بعض الزيارات أن يخرج عن طبيعته بسبب البيئة المعادية له، وكثير من الناس يقولون اليوم أن رابين ابلغهم بأشياء هنا وهناك، وهذا ليس دقيقاً بل يبدو لي بأنه ليس نزيهاً أيضاً، بل أشك أحياناً بأنها صدرت عن رابين أصلاً، وأنا أيضا كان بإمكاني التباهي ببعض ما قاله لي فقد رافقته ساعات طويلة ولكني لا افعل، ليس لأنه غير قادر على النفي أو إضافة أقوال أخرى ولكن لخشيتي من أن يكون ذلك غير دقيق فربما لم أفهمه حتى النهاية أو أنه أراد اختبار ردود فعلي في تلك اللحظة حول أمر من الأمور. ـ كرجل عسكري كيف كان شعورك تجاه من اعتبروا أولا يزالون يعتبرون أوسلو نوعاً من الخيانة للحلم الصهيوني، وكنت دائماً ضمن جهاز يحظى بالإجماع الوطني بينما أنت الآن في صف الذين لا يحظون بالإجماع الكبير بل المؤدي إلى الانقسام؟ ـ العسكر لا يتطرقون إلى هذه الأمور التي يعتبرونها من مهمات السياسيين فنحن لسنا من يحدد الطريق أو تقع عليه مسئولية إقناع الجمهور بالعملية السلمية. وبالنسبة لي أنا مقتنع بأن هذا هو الطريق الصحيح الذي ينبغي الاتجاه فيه بهدف تسوية نزاع عمره نحو قرن من الزمان، ولكني لم أعط وجهة نظري فيما يتعلق بالجانب السياسي للعملية ولم أشارك في الوفد الإسرائيلي كمستشار سياسي وانما كرجل عسكري يقوم بواجبه في جزء من المفاوضات ولم تكن لدي صعوبة مع الاتجاه الذي تم تحديده ولو كان لدي عكس ذلك لأبلغت المسئولين عني بعدم قدرتي على القيام بالمهمة. ـ موضوع آخر: هل تستطيع أن تشرح لي كيف أنهم لم يطلقوا النار على إيغال عامير فور إطلاقه النار على رابين، كيف يمكن أن يحدث هذا؟ أي أن يخرج القاتل حياً في حادث من هذا النوع؟ ـ هذا بالذات يمكن أن أفهمه، وعلى الرغم من أن كرمي غيلون مسئول الشاباك طرح مثل هذا التساؤل في إحدى المقابلات التي أجريت معه، أقول لأنهم أرادوه حياً للحصول على معلومات منه حيال وجود شركاء آخرين. وقد قيل في حادث اغتيال الرئيس كنيدي أن أورفي ازوالد، كان له شركاء ولم يتم القبض عليهم ومنذ ذلك الزمن ونظرية التآمر في أمريكا لم تتوقف. فصدرت عشرات بل مئات الكتب التي تقول أن رجالاً كباراً في الحكم كانوا وراء الحادث. والقي القبض على اوزوالد لكن هناك من قتله في سيارة الشرطة بينما تم اعتقال الذي حاول اغتيال الرئيس ريجان، ومع ذلك هناك أمر مزعج يتمثل في الطريقة التي تجول فيها قاتل رابين في المنطقة العازلة لمدة طويلة إلى درجة الاقتراب من رابين مسافة نصف متر، والذي حدث بعد ذلك مقلق أكثر حيث سادت البلاهة طوال هذه المدة وتمكن عامير من إطلاق ثلاث رصاصات قبل أن يعتقله أحد. ـ هل تعتقد بإمكانية نشوب حرب بين القوى في إسرائيل أو ربما حرب أهلية على غرار ما حدث في الولايات المتحدة مثلاً؟ ـ مقتل رابين والصدمة ثم الصحوة التي جاءت فيما بعد أدت في نظري إلى وقف العملية التي كان من شأنها أن تؤدي في النهاية إلى حرب بين الأخوة فانتخابات عام 1996 التي فاز فيها نتانياهو مكنت تيار اليمين من الفرصة الزمنية التي طلبها للعملية السياسية وفي نهاية الأمر فإن الذين أسقطوا نتانياهو كما حدث مع شامير في حينه وأدوا إلى تبكير الانتخابات هم المتطرفون في تياره، لكن أسباب مقتل رابين عميقة جداً، لذا يتوجب أو من المهم الاستفسار عن القضية حتى النهاية ومن جميع جوانبها، لست أدري كيف كان يمكن لهذه الحرب أن تتطور أو كيف تنتهي، ولكن الواضح لي هو انه كانت هناك إمكانية لتطور شيء كبير قد يحدث لنا. والخطر لا يزال قائماً، فعملية اخلاء واسعة لمستوطنات يهودية في مناطق تسلم للفلسطينيين أو السوريين أو وقوع اعتداءات قاسية قد يشعل فتيل الخطر مرة أخرى. ـ هل تعتقد بأن أوامر إخلاء المستوطنات أو تركها للفلسطينيين غير قانونية؟ ـ بكل وضوح لا. ـ حتى لو اعتمدت الأغلبية في الكنيست على أعضاء كنيست عرب؟ ـ لا أعتقد إطلاقاً بأن رئيس الحكومة سوف يكتفي بأغلبية عربية في الكنيست ولكن التصعيد بين اليمين واليسار من شأنه أن يتعاظم حتى في حال وجود أغلبية يهودية في الكنيست إزاء انسحابات كبيرة جداً ضمن إطار التوصل إلى تسوية. فالذي يتحدث عن خلافات بين علمانيين وأصوليين على أساس أنها خطر قائم لا يدري ما يقوله، والخطر يكمن في قطبية خاصة بالحلول المقترحة حيال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والذي كان يبدو أملاً كبيراً ذات يوم لا يبدو اليوم كذلك. فالفلسطينيون يتحدثون عن كامل الأرض التي احتلت عام 1967 وأنا أعتقد انهم يؤمنون بأن هذه مطالب غير واقعية. المستشار القانوني للحكومة قال أن قرار 242 لا ينطبق على الأراضي في يهودا والسامرة وكلما كان ما سيقدمه سخياً كان من الصعب عليه تمريره في استفتاء عام. وليس حزب الله فقط الذي يتحدث عن إعادة جميع الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين إلى إسرائيل وهذه المطالب من المستحيل مناقشتها بجدية، كما أن التصعيد على الحدود الشمالية يشير إلى أن الانسحابات لا تجلب معها بالضرورة سلاما. ـ هل يعتقد الرئيس السوري وقادة جيشه بأنهم قادرون بالمواجهة على إحراز ما هو أكثر، مثلاً انسحاب من الجولان بدون اتفاق كما حدث في جنوب لبنان بعد أن تبدأ مجموعات إرهابية؟ بمضايقتنا على الحدود مع سوريا؟ ـ الوضع هناك مختلف تماماً كما لا اعتقد ان هذا ما يفكر به الأسد بعد أن فشلت جميع محاولاته باستعادة الجولان عن طريق الحرب. ـ هذا كله يذكرنا مرة أخرى بكمين أوسلو من توجه إلى آخر وقوتنا تتقلص والفلسطينيون ليسوا أغبياء فهم ينتظرون الحصول على شريحة من الأرض وشريحة أخرى إلى أن يكون هناك ما نعطيه لهم - كما أنهم شاهدوا الصور الواردة من لبنان، وسيكون أمراً مؤسفاً لو أنهم فرضوا علينا ما طلبوه في كامب ديفيد ونحن نعلم جميعاً أن المفاوضات معهم بلا فائدة؟ ـ مشكلتنا الأساسية تكمن في الإسلام المتطرف الذي يملي على جزء كبير في الدول العربية ومناطق السلطة الفلسطينية علاقتهم بنا. وللأسف الشديد فإن جزءاً من العرب داخل إسرائيل يسيرون في ركابه. فالتطرف هو الذي يملي إرادته على كثير من التيارات والجهات في الشرق الأوسط. لكن سبيل أوسلو - كما قلت - هو السبيل الصحيح الذي ينبغي علينا السير فيه. وهو ينطوي على كثير من الصعوبات والعقبات. ولكن لا سبيل لنا غيره، ويجب أيضاً ألا نقضي على التطلع لتحقيق سلام مع سوريا وأنا لا أفضل المفاوضات في ظل النار فهي ليست الخيار الأفضل ومحظور علينا الموافقة على ذلك. فالاعتداءات الفظيعة التي حولت حياتنا إلى جحيم أثناء التفاوض مع الفلسطينيين في أعوام 1994 و1995 لم ترق لي. وحتى إذا كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للبقاء والوجود في منطقة الشرق الأوسط فإنه سيكون من الصعب علي القبول بها، ومع ذلك كله محظور علينا فقدان الأمل، فلو تعرضنا لحرب وحرب أخرى فلن نذهب إلى أي مكان آخر، وأتطلع إلى القيام بدور مهم في العملية مستقبلاً وربما يكون اكثر أهمية من كل المهمات العملية التي قمت بها في السابق. وكان هذا هو شعور كل من شاركوا بعملية أوسلو وعلى رأسهم شيمون بيريز ويوسي بيلين وأوري سافير فهم جميعاً دعموا أوسلو بدون تردد وبدعم كامل من رابين. ـ أنت باختصار لست يائساً وتفاؤلك لا يتوقف، العرب يزدادون كراهية لنا وأمواج اللاسامية واضحة في كل اتجاه بينما تتحدث عن السلام مع الفلسطينيين، هل زرت مؤخراً قرى عربية في إسرائيل وهل تعلم أن قسماً من هذه القرى أصبح مناطق لست أدري ما أقول؟ ـ يجب إيجاد طريق للدمج بين الفئتين من سكان البلاد ولا أتوقع كل ما هو جيد وطيب إذ يمكن أن يحدث لدينا ما يحدث في دول مختلفة مثل البلقان في قلب أوروبا، زرت قرية جِتْ قبل الانتخابات الأخيرة فوجدت هناك تجمعاً هائلاً من الأكاديميين العاطلين عن العمل وقد حدثني أحد المدرسين عن عملية تبادل تلاميذ عرب مع تلاميذ يهود في مدرسة بتل أبيب، توفر للتلاميذ اليهود عدداً كبيراً من العائلات المضيفة في حين لم يتوفر ذلك للتلاميذ العرب. نحن نعرف العرب عن طريق العمال البسطاء في محطات الوقود أو الكراجات والأسواق ولا نعرف العربي المثقف ومتى عرفناه ستتوفر سبل الحوار ولم ينضج الوضع لدى اليهود - في تقديري - لتقبل من يتوجب علينا العيش معه في منطقة واحدة إلى الأبد. ـ أعتقد ان لا تقرأ الخريطة جيداً، فالذي بدأ الحرب عام 1948 هم العرب والذين يسعون الآن إلى طردنا وانتزاعنا من أرضنا - تحت شعار حق العودة - هم العرب فعّم تتحدث أنت؟ ـ أتحدث عن التعايش بين الشعبين بسلام وينبغي عدم التوقف عن مثل هذا الحلم حتى في عصر اللامعلوم يتوجب علينا ألا نبعث برسائل توحي بالعجز كما أنه من المهم جداً أن نتحلى بالقوة وألا ينفد صبرنا. ـالفلسطينيون الآن يتلقون رسالة فقد شاهدونا ننسحب من جنوب لبنان في ظل نيران حزب الله فكيف يوافقون على أقل من انسحاب كامل من المناطق المحتلة عام 1967 إضافة إلى العمليات الانتحارية؟ التي نفذها فلسطينيون فمن يضمن لنا ألا يكونوا على وشك القيام بما قام به وفعله حزب الله في جنوب لبنان؟ ـ لا شك لدي بأن طريقة انسحاب جيش الدفاع من لبنان لم تكن مريحة لأي منا. لكن القرى الحدودية تعيش وضعاً صعباً وخانقاً فالأطفال يذهبون إلى مدارسهم بحافلات مصفحة كما أن حلفاءنا في جنوب لبنان تم التخلي عنهم وكثير منهم طلبوا اللجوء إلينا والسوريون هم الوحيدون الذين يواصلون احتفالاتهم وسوف يواصلون استنزافنا بوساطة حزب الله. لكن الأمر يتعلق برد السكان في كريات شمونا ومسغاف عام وسائر الأماكن وينبغي التضامن معهم. ـ حالياً ينبغي علينا التفكير بالإسلام المتطرف الذي لا حوار لنا معه؟ ـ كان الشيخ أحمد ياسين في السجن قد وصل إلى درجة كبيرة من الضعف والمرض وكان هناك من قال بأنه على وشك الموت ومن الأفضل ألا يموت في السجن الإسرائيلي خشية حدوث اضطرابات، وبعد الفشل الذريع الذي منيت به عملية اغتيال خالد مشعل في الأردن اضطررنا للإفراج عن رجلي الموساد اللذين اعتقلا في الأردن، فحصلت حماس على زعيمها مرة أخرى والذي هو في الحقيقة زعيم المعارضة الوحيد القادر على تحدي عرفات. وقادر على تجنيد الأموال وتغطية الاعتداءات بغطاء عقائدي. ـ من هي الجهة التي توجه إليها انتقاداتك في قضية مشعل، فالموساد فشل في ذلك مهنياً واللواء داني ياتوم رئيسه عمل مسئولاً كبيراً لدى باراك ولم يكن هناك خيار سوى الإفراج عن الشيخ ياسين للإفراج عن رجلي الموساد فماذا تقول؟ ـ لا يوجد هناك عدد كبير من الناس يعلم بوجود هيئة دائمة مكونة من رؤساء الأجهزة الاستخبارية العسكرية والموساد والشاباك والتي تناقش معاً العمليات المتوقعة. وأنا اعتقد بأن ياتوم رئيس الموساد آنذاك أبلغ الهيئة قبل انطلاق رجال الموساد لتنفيذ العملية ويبدو بأن أحداً لم يعارضه، الصعوبة كانت في التنفيذ والحديث القائم ليس موضوعياً ، الشيخ ياسين يمكن أن يكون معارضة عسكرية لعرفات كما يمكن أن يكون أحد المرشحين لتولي قيادة السلطة الفلسطينية في حال ترك عرفات للمنصة. وبسبب العملية السلمية وأيام رابين انخفضت قوة حماس، وكمنسق لعمليات الحكومة في المناطق اذكر لقاء مع رجل شاباك بالقرب من جنين قال لي فيه أنه في كل يوم تنخفض قوة حماس ويقل عدد أفرادها. أما اليوم فالوضع معكوس أي أن حماس تشكل حوالي 40% من سكان المناطق من مؤيديها وهذا أمر يدعو إلى القلق. ـ إذن ماذا تقترح علينا ، الخنوع في ظل نار متقطعة متوقعة ضدنا من الفلسطينيين من جهة وحزب الله وسائر التنظيمات المتطرفة والإسلامية من جهة أخرى؟ - أريد التأكيد على أن الإسلام المتشدد يتعاظم قوة كلما ازدادت نسبة الجمود في عملية السلام. أي أنه ينبغي قدر الإمكان إنهاء مفاوضات الحل الدائم وبذل كل الجهود في هذا الاتجاه بعدما أصبح المسار السوري شاغراً. وكذلك التقليل من تسليم أراض للفلسطينيين قبل التوقيع على اتفاقية دائمة، ذلك أن تسليم الأراضي دون إنجاز الاتفاق الدائم يزيد من خطر حماس التي تتحرك بحرية لنسف العملية السياسية. من جهة أخرى فإن السلطة الفلسطينية لا تبذل كل ما بوسعها دائماً لمنع العمليات العسكرية ولدينا مؤشرات ودلائل قدرتها على القيام بذلك ومن داخل مناطقها وفي كل المناطق. ولأجل ذلك يجب التعجيل في السماح للفلسطينيين بالإعلان عن دولتهم. إذ أن أخطار التصعيد تزداد مع غياب دولة ذات سيادة في الأماكن التي نتخلى عنها. وحقيقة منع وقوع عمليات عسكرية يخضع للحظ، وكما قلت فإن الشاباك يصعب عليه العمل داخل المناطق الخارجة عن سيطرتنا. إذ أنه يتوجب عليه الحصول على جميع المعلومات الاستخبارية من جبريل الرجوب وسائر أجهزة الأمن الفلسطينية، أي أنه في حال وقف التعاون معنا - وهذا ما يحدث دائماً - وفي حال تجميد المفاوضات فإن الشاباك الإسرائيلي سيواجه مشكلة. ـ إذن لدينا نسبة كبيرة من العجز والإعاقة في الشاباك والموساد يعرج لما أصابه من فشل في الأعوام الأخيرة، ليس في قضية مشعل فقط ـ كما أن رئيس الحكومة لا يصغى لرئيس الاستخبارات العسكرية، والعرب يلاحظون هذا كله بلا شك، ونسبة الإحباط تتزايد في الشارع الإسرائيلي بسبب قلق الكثير من اليهود على مصير المشروع الصهيوني فلم لا تقوم أنت بتجنيد نفسك لقيادة الموساد؟ ـ هذا الاقتراح كان ينبغي أن يطرحه رئيس الحكومة وليس أنت، ولكنني أوافقك الرأي وأقول بالفم الملآن أن قدرتنا على الردع قد ضعفت، من هنا تكمن أهمية عملية السلام مع سوريا كما أنه من المهم أن تنتهي المفاوضات مع الفلسطينيين باتفاق دائم كي لا نواجه إعلانات من جانب واحد. ـ يبدو الضعف واضحاً في كلامك؟ ـ إطلاقاً، فلا شك لدي بمدى القوة الهائلة لجيش الدفاع حتى لو أخذنا في الحسبان القيود السياسية والدبلوماسية التي تضع العراقيل على طريق الانتصار الساحق، لكن جيشنا يمتلك القدرة على حسم أية معركة. ولكن يجب التذكير بأن الثمن لن يكون سهلاً، أي أنني لست واثقاً من قدرة الجبهة الداخلية المدنية على تقبل الاحتواء والضربات، وهذا هو السبب الذي يدفعني إلى الرغبة في الوصول إلى سلام شامل مع العرب. وبطبيعة الحال فإن مصممي أوسلو أدركوا في حينه نقاط ضعف المجتمع الإسرائيلي في عصر لا تتوافر فيه عناصر التضحية والاندفاع نحو القتال كما كان الحال في الماضي. ـ ولكن هذا الضعف يلاحظه الآخرون أيضاً؟ ـ للأسف الشديد هذا صحيح، ولكن ينبغي الاعتراف بالحقائق وهي لا تشير على أن الاتجاه العام للمجتمع الإسرائيلي يتغير، فالأنانية والانغلاق ضمن معايير معينة هي الأكثر بروزاً اليوم لدى الفرد الإسرائيلي ولكن هناك ما يشير بوضوح إلى أن الزمن الذي اعتقدنا طيلة الوقت بأنه يعمل لصالحنا هو الآن أكثر توازناً، بل هو في الحقيقة يميل لمصلحة وفائدة من يحسن استخدامه بشكل أفضل. ـ كيف ترى المستقبل وما هي وجهة إسرائيل بالفعل فالعملية السياسية لن تجلب السلام، حتى المصالحة التي اعتقد صانعو أوسلو أنها ستحدث لم تحدث؟ ـ أعتقد بأن إسرائيل لم تتجاوز بعد عقبة «حقيقة وجودها والحرب» لم تنته بعد ضمن مفاهيم عديدة، وفي تقديري أنه يجب وضع هذه البديهية في الاعتبار عند كل فعل نقوم به، ويكذب على نفسه ويخدعها كل من يقول أننا اجتزنا هذه المرحلة فأنا أعرف الكثيرين الذين يعتقدون بأننا تخطينا مرحلة المواجهة وأن دولة إسرائيل أصبحت حقيقة قائمة في المنطقة ولكنني أقول هنا بأن الأمر سيكون تهوراً من جانبنا إذا اعتقدنا بأن أعداءنا الكثيرين قد قبلوا حقيقة وجودنا في هذا المحيط الإسلامي الهائل، فهناك جهات كثيرة في العالم العربي ومن مصر أيضاً التي تربطنا بها معاهدة سلام منذ أكثر من عشرين عاماً - ستبذل جهوداً جبارة لسنوات قادمة كي تتخلص منا. وربما لا يعجبنا الاعتراف بحقيقة أن العرب لا يحبوننا ولكن يجب علينا التسليم بذلك وعلينا عقد المعاهدات السلمية على أساس أنها تتم مع أعداء كما ينبغي أن نكون أقوياء ويقظين لسنين أخرى طويلة جداً. وعلى الرغم من هذا كله فإننا خطوة خطوة وبالتدريج يمكننا الوصول إلى جزر تقّر بحقيقة وجودنا وبالطبع ستكون جزراً صغيرة جداً وسط محيط عاصف من الكراهية والرغبة في محونا وإبادتنا. ـ ما هو رأيك في عرفات وقد التقيته عدة مرات؟ ـ كما هو معروف فقد التقيت عرفات أول مرة عندما رافقت رابين بعد تعييني منسقاً لعمليات الحكومة في المناطق، كان اللقاء صعباً وأحياناً أثار لدّي الغضب الشديد، وفي الماضي وكما هو حال الكثيرين اعتبرت عرفات إرهابياً أكثر مما هو مقاتل من أجل الحرية، وأدهشني في ذلك اللقاء اكتشافي بأنه رجل حكيم جداً وذكي ويعرف كيفية استخدام جميع الصيغ المقبولة في المجال الدبلوماسي كما اعتقد بأنه زعيم على مستوى عالمي وقد تمكن من بناء ذاته من قائد منظمة إرهابية إلى شخصية تذكرنا إلى حد كبير بزعماء أصبحوا رؤساء في دولهم التي قاتلوا من أجلها، وبالمناسبة فهو معجب بشخصية بن جوريون ويبدو لي بأنه سيسير على دربه. كما أظن بأنه يعمل مستقبلاً من أجل إعلان عن دولة فلسطينية مستقلة بدون انتظار اتفاقية كما فعل بن جوريون عام 1948 واعتقد أنه بعد ذلك إذا لم تحدث انطلاقة في المفاوضات مع إسرائيل سيبدأ حرباً تحريرية، ولا شك لدي بأنه يتوقع اعترافاً بدولته وإجماعاً شبه عام. ـ هذا أمر مخيف ومحبط أيضاً على خلفية ما يحدث الآن بعد الانسحاب العاجل من جنوب لبنان؟ ـ نعم هو كذلك إلى حد ما فسيناريوهات العام الأخير ليست مرضية أبداً وعرفات بالطبع شاهد مثلما شاهدنا صور انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان والهلع الذي دب في أوساط سكان المنطقة الشمالية، إنه يعرفنا بشكل جيد، بكل ضعفنا وحساسيتنا كما أنه يدري بكل ما يجري لدينا من تقولات وثرثرات بالإضافة إلى معرفته بعلاقات القوى الداخلية الحزبية. ـ كل ما تقوله يضيف إلى مخاوفي الكثير، والسؤال هو هل تفهم أنت ما أفهمه أنا دون أن ألتقي بالرئيس ولو لمرة واحدة. أي أنه على ما يبدو كان يريد ثني يد باراك حتى النهاية؟ ـ أريد في البداية أن أجمل بعض المقارنات قبل أن أجيبك في الأمر الذي يهمك. وهذه المقارنات ضرورية لكي تدرك بأن من يواجه عرفات على طاولة المفاوضات ينبغي عليه عدم الاستهتار بالخصم الجالس أمامه. أقولها بكل وضوح فعرفات سياسي مخادع جداً ولديه القدرة على الحسم وهو مفاوض ذكي وظريف وسريع البديهة كما ينبغي عدم الاستخفاف بتصميمه على تحقيق أقصى ما يمكن لشعبه. وأنه في تقديري تمكن من فهم مدى قيمة السلام لأبناء شعبه مع أنني لا أستطيع التأكيد على أنه تخلى عن نظرية المراحل فهو يدرك دون شك عدم وجود سبيل آخر لحل يؤدي إلى حكم مستقل لأبناء شعبه ومع ذلك يعتقد بوجوب حل المشكلات واحدة واحدة، إذ لا توجد هناك طريق حقيقية لحل شامل. والأهم هو ضمان بقاء المسائل الهامة لدولة إسرائيل في أيدينا وهناك من يعتقد بأننا قد وصلنا إلى أقصى درجات التنازل دون المخاطرة بحقيقة وجودنا وأن هذه النهاية بعيدة جداً عن الحد الأدنى الذي يمكن لعرفات الموافقة عليه. وسوف نتحدث عن هذا لاحقاً - لكنني لا أسقط هذا الاعتقاد نهائياً، وقد صرح بهذه الأقوال عضو الكنيست جدعون عزرا من الليكود ونائب مسئول الشاباك سابقاً في برنامج تليفزيوني. فإذا كان صادقاً فهذا يعني أننا بالفعل سوف نواجه مواجهات عسكرية أخرى. بل أخطر من تلك التي مرت. وأنه لمن المؤسف أن يحدث هذا الآن بعد أن قطعنا شوطاً طويلاً معاً، علينا بذل كل الجهود لإنهاء المفاوضات والتوصل إلى تسوية دائمة. وبهذه الطريقة فقط يمكن إحباط الأخطار العنيفة الأخرى والتي من شأنها إحداث الكثير من الخسائر. العسكر قادرون على الحسم على الجبهة لكن ماذا عن الداخل؟