كان العنوان الرئيسي الذي حمله عدد صحيفة «لوباريزيان» مؤخرا قصيرا وموجعا، وجاء العنوان في أعلى صورة شغلت صفحة بأكملها لفتاة في السابعة عشرة من عمرها تم العثور على جثتها في إحدى الغابات في اليوم السابق، كانت حروف العنوان الكبيرة السوداء تقول «الرعب». فقد أدت عملية بحث استغرقت احد عشر يوما شاركت فيها الشرطة الالمانية أيضا إلى توصل الشرطة الفرنسية إلى شاب فرنسي عاطل عن العمل يبلغ من العمر 23 عاما قال للشرطة إنه قتل الفتاة عن غير قصد عندما صدمها بسيارته على طريق ريفي.وكان يقود السيارة بسرعة أعلى من الحد المقرر وتحت تأثير الحشيش. وقد أصاب الهلع الشاب، فلجأ حينذاك إلى إخفاء الجثة في الغابة وأضرم فيها النار لاخفاء أي اثر يدل عليه. ووقعت الجريمة بعد أقل من أسبوعين من اختفاء ومقتل فتاة مراهقة في جنوب غرب فرنسا وفي أعقاب موجة من الروايات أظهرت التدهور الواضح للسلامة العامة في جميع أنحاء فرنسا. وفي حقيقة الامر، أصبحت الجريمة تمثل هاجسا بالنسبة للفرنسيين الذين بدأوا يخشون على سلامتهم العامة بصورة متزايدة. وتشير الاحصاءات التي أعلنتها الشرطة العامة الفرنسية يوم الاربعاء الماضي إلى أنه ربما يكون هناك ما يبرر مخاوفهم. وذكر التقرير أن معدل الجريمة زاد بنسبة 10 في المئة تقريبا في جميع أنحاء فرنسا في النصف الاول من هذا العام، مع زيادة في معدل الجريمة في الاماكن العامة بنسبة 11 في المئة، وزيادة قدرها 3.10 في المئة في الاعتداءات على الافراد وزيادة قدرها 3.12 في المئة في التخريب المتعمد للممتلكات العامة والخاصة عما كان عليه الحال خلال النصف الاول من العام الماضي. وقد انتاب القلق البالغ الفرنسيين لدرجة أنه في استطلاع للرأي أجرى قبل أسبوع من حديث الرئيس جاك شيراك الذي أذاعه التليفزيون بمناسبة يوم الباستيل، قال نصف من تم استطلاع رأيهم تقريبا أنهم يريدون منه بحث محاربة الجريمة، أكثر مما يريدون منه تناول عدم الامن الاقتصادي، أو مسألة اليورو أو الصعوبات القانونية الشديدة التي يواجهها. واضطر شيراك للاذعان، ودعا إلى سياسة تقضي بعدم التسامح مماثلة للسياسة التي فرضها العمدة رودولف جولياني في مدينة نيويورك، وهو ما دفع رئيس الحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ليونيل جوسبان إلى السخرية بقوله «أن مبدأ عدم التسامح ينطبق على رئيس الدولة بوجه خاص». وإذا طرحنا الملاحظات الساخرة جانبا، فإن الجريمة ستكون قضية أساسية في الانتخابات العامة والرئاسية التي سيشهدها الربيع المقبل، وقد تقدمت المعارضة اليمينية بالفعل على جوسبان وحلفائه من الجناح اليساري. وفي الربيع الماضي، فرض العمد اليمينيون في اثنتي عشرة مدينة كبيرة وصغيرة حظرا على التجول من الساعة الحادية عشرة مساء إلى الساعة السادسة صباحا بالنسبة للقصر الذين تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة عشرة ومادون ذلك والذين يعيشون في مناطق ترتفع فيها معدلات الجريمة. وقد انتقد الجناح اليساري هذا الاجراء بشدة واعتبره انتهاكا لا جدوى منه للحريات المدنية. ووصفه العمدة الشيوعي لسان-دينيس، وهي إحدى ضواحي باريس، بأنه «ذرا للرماد في عيون» الناخبين الفرنسيين، وأضاف قائلا، «إن النقاش حول الامن أمر غير معقول تماما بالفعل بدون إضافة أي شيء جديد إليه». ومع ذلك، فإن هذا الاجراء مقبول للغاية من جانب الفرنسيين. وفي عام 1997، الذي كان أيضا عام انتخابات، حاول عدة عمد من الجناح اليميني فرض حظر تجول مماثل، ولكن الادارات القضائية في مناطقهم رفضت ذلك لأنه يمثل تعديا على الحرية الشخصية. وفي ذلك الوقت، أوضح استطلاع للرأي أن 81 في المئة من الفرنسيين يوافقون على هذا الاجراء. كما أن حقيقة أن الجريمة في فرنسا أصبحت قضية دولية لم تساعد حكومة جوسبان. ففي أوائل يوليو الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الصينية نشرة نبهت فيها السياح الصينيين إلى «تقصير أو تأجيل زياراتهم لفرنسا في يوليو ـ أغسطس بقدر الامكان» بسبب تزايد معدل الجريمة فيها.وتكرر ذلك التحذير عدة أسابيع بعد ذلك من جانب عدد من الصحف الصينية التي تستهدف باريس بصفة خاصة. وذكرت صحيفة شبه رسمية تصدر في بكين أن اللصوص يهاجمون ضحاياهم في المطارات والمتاجر والمترو وفي المناطق السياحية -وفي حقيقة الامر في كل مكان في المدينة. ولم تقدم الاحصاءات التي أعلنتها إدارة شرطة باريس يوم الجمعة الماضي الكثير لدحض هذا التصور الكابوس. ففي النصف الاول من عام 2001، قفز معدل الجريمة في العاصمة الفرنسية بنسبة تزيد على سبعة في المئة، مع زيادة قدرها 45 في المئة في عمليات السرقة المصحوبة بالعنف وزيادة قدرها 25 في المئة تقريبا في الجرائم التي ترتكب في المترو. واعترف وزير الداخلية دانيال فايلان يوم الجمعة الماضي بأن الاحصاءات الخاصة بالجريمة «تثير القلق». وأشار إلى أن الحكومة سوف تنفق المزيد من الاموال على محاربة الجريمة وسوف تدفع بثلاثة آلاف شرطي إضافي إلى الشوارع، بعد أن أضافت 200،3 شرطي العام الماضي.وطمأن فايلان الفرنسيين قائلا «إننا لا نكتشف قضية الجريمة بسبب الانتخابات». ولكن من المؤكد أنه يدرك أن احتفاظه هو وزملاؤه بمناصبهم يعتمد على جعل الفرنسيين يشعرون بالامان مرة أخرى. د.ب.أ