تقترب انتفاضة الاقصى من نهاية عامها الأول في وقت يتزايد فيه الارهاب الصهيوني وتتنوع اشكاله يوما بعد يوم بدءاً بتضييق الخناق على الشعب الفلسطيني ومحاصرة المدن والقرى الفلسطينية الى قصف منازل الفلسطينيين العزل، وصولا الى عمليات الاغتيال التي يقوم بها العدو الصهيوني ضد قادة وكوادر الانتفاضة الفلسطينية والتي تزايدت في الآونة الاخيرة بشكل لافت للنظر ووسط هذا المشهد الدموي الذي يرسمه الصهاينة في فلسطين امام سمع وبصر العالم اجمع تتزايد يوميا الدعوات الى ضرورة توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الاعزل الذي يتصدى بمفرده وبمقاومة نادرة لآلة الحرب الصهيونية الهائلة. وتستند المطالبة بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني الى اسس كثيرة اخلاقية وقانونية وسياسية نظرا لخطورة وبشاعة الجرائم التي يرتكبها الصهاينة والاثار التي تترتب عليها ليس على الفلسطينيين فقط وانما على المنطقة بأسرها بل وعلى الامن والسلام العالمي ككل. مهمة عاجلة ومن هنا تبدو امام المجتمع الدولي مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل، وهي العمل بجدية واخلاص لوقف العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وتوفير حماية دولية فعلية لهذا الشعب، ان هو اراد فعلا لعملية السلام في الشرق الاوسط ان تستمر، كما يبدو بشكل خاص الدور الذي يتوجب على الامم المتحدة ان تقوم به في هذا الاطار على اعتبار انها المنظمة الدولية المخولة عالميا للتعامل مع الازمات الدولية والعمل من اجل الحفاظ على الامن والسلام في العالم، خاصة وان هدف حفظ السلم والامن الدوليين جاء على رأس جدول اعمال الامم المتحدة وتمحور حوله نشاطها كله. اذ جاء في الفقرة الاولى من المادة الاولى لميثاق المنظمة الدولية ان قيام الامم المتحدة بمهامها المتعلقة بحفظ السلم والامن الدوليين يقتضي منها اتخاذ التدابير المشتركة الفعالة لمنع الاسباب التي تهدد السلم وازالتها. ومعنى ذلك انه يتعين على الامم المتحدة الا تنتظر اندلاع المنازعات او تحولها الى صراعات مسلحة لكي تتدخل بل يتعين عليها ان تقوم باتخاذ اجراءات وقائية لازالة الاسباب التي قد تؤدي الى التوتر والاحتكاك الدولي. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن الاستفادة من امكانات الامم المتحدة في ظل عجزها الشديد ورضوخها امام الضغوط الامريكية والصهيونية؟ فعلى الرغم من مشروعية مطالبة الفلسطينيين بتوفير الحماية الدولية لهم وحقهم القوي في ذلك نظرا للفارق الكبير في القوة بينهم وبين ما وفرته القوى الاستعمارية والامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة من امكانات عسكرية هائلة للكيان الصهيوني. وعلى الرغم من منطقية مطالبتهم بارسال مراقبين دوليين الى الاراضي الفلسطينية اعتقادا من القيادة الفلسطينية ان ارسال مثل هؤلاء المراقبين من شأنه ان يضع حدا للعدوان الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني او يحد على الاقل من انتشاره، الا ان السوابق الكثيرة لدور الامم المتحدة بالنسبة للقضية الفلسطينية لا تدعو الى التفاؤل كثيرا، حيث ان تجربة المراقبين الدوليين في مدينة الخليل تكفي لوحدها لتقديم الاجابة الكافية عن عقم دور الامم المتحدة في ظل وقوعها تحت هيمنة القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، كما تقدم مجزرة قانا التي ارتكبها العدو في لبنان 1996 والجدل الذي دار حول تقرير الامم المتحدة بشأنها وما آلت اليه هذه القضية التي اطاحت بأمين عام الامم المتحدة السابق الدكتور بطرس غالي دليلا كافيا ايضا على فشل هذه المنظمة الدولية في اداء دورها خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني وتفرعاته، زد على ذلك ان الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الداعم الاكبر للكيان الصهيوني تصر على الربط بين ارسال مراقبين دوليين وموافقة «طرفي النزاع» على ذلك وعبارة موافقة طرفي النزاع التي يستخدمها الاعلام الغربي تعني هنا موافقة الكيان الصهيوني الذي يجاهر علنا برفضه فكرة ارسال المراقبين الدوليين رغم تواضعها كوسيلة لوقف الجرائم الصهيونية. الاستخفاف الصهيوني والحقيقة ان العدو الصهيوني لا يرفض المراقبين الدوليين لان هؤلاء ان جاءوا الى الاراضي الفلسطينية سوف يقيمون الدنيا ولن يقعدوها، وانما محاولة منه للتهرب من اي ضغوط دولية قد تمارس عليه، وهو ما يفسر بوضوح محاولات الولايات المتحدة الحثيثة الرامية الى عرقلة عملية ارسال المراقبين الدوليين وتأخيرها قدر الامكان لاتاحة الفرصة امام الكيان الصهيوني لكي يفرض عبر القوة العسكرية ما عجز عن فرضه على طاولة المفاوضات. ولو عدنا الى موقف الكيان الصهيوني من المراقبين الدوليين ودور الامم المتحدة في المنطقة لوجدنا ان هذا الكيان ومنذ اقامته الباطلة في عام 1948 تعامل مع مراقبي الامم المتحدة باستخفاف كبير كتعامله مع قرارات هذه المنظمة الدولية وليس ادل على استخفاف الصهاينة بدور الامم المتحدة ومراقبيها ووسطائها سوى موقفها من الكونت برنادوت الذي قاد في عام 1948 لجنة الامم المتحدة للاشراف على الهدنة في فلسطين، اذ يعرف الجميع كيف اقدم هؤلاء الصهاينة على اغتيال الوسيط الدولي الكونت برنادوت فيما عجز مجلس الامن الدولي الذي انتدب برنادوت لمهمته عن القيام بأي اجراء ضد «اسرائيل» آنذاك. كما ان الصهاينة لم يحترموا ابدا الهدنة التي تم التوصل اليها في عام 1948 بينهم وبين العرب حيث سجلت الامم التحدة آلاف الخروقات الاسرائيلية لهذه الهدنة وعلى كافة الجبهات. والحقيقة التي لا يجوز التغاضي عنها هنا هي ان عجز الامم المتحدة عن اتخاذ اجراءات عسكرية فعالة لقمع العدوان او لفرض نوع التسوية المرغوب فيها من جانب اجهزة الامم المتحدة المختصة على اطراف النزاع، ادى الى استحداث آلية جديدة ومختلفة لم يرد بشأنها نص في ميثاق الأمم المتحدة الا وهي ارسال قوات تابعة للامم المتحدة الى ساحات القتال او الصراع المسلح ليس بغرض حل النزاع او حسمه عسكريا لصالح هذا الطرف او ذاك وانما لاغراض اخرى اهمها الاشراف على وقف النار بين المتحاربين ومراقبة حركة القوات او تنفيذ مجموعة من المهام الاخرى. وعلى الرغم من تحقيق الامم المتحدة بعض النجاحات في هذا المجال في بعض مناطق العالم ومنها الشرق الاوسط الا انها بقيت محدودة الفاعلية بالنسبة للصراع العربي الصهيوني بشكل خاص لاعتبارات كثيرة اهمها كما ذكرنا وقوع المنظمة الدولية تحت السيطرة الامريكية والصهيونية الامر الذي افقدها الكثير من مصداقيتها المطلوبة وعطل المهام التي اوكلت اليها. ومع ان الامم المتحدة اسهمت بدرجة كبيرة وخاصة منذ صدور اعلان تصفية الاستعمار عام 1960 في تمكين حوالي 70 دولة في الحصول على استقلالها والانضمام الى هذه المنظمة فيما بعد، الا انه لابد من الاعتراف بان دور الامم المتحدة اختلف من حالة الى اخرى وتوقف تحقيق هدف الشعوب المناضلة من اجل استقلالها على عدد من العوامل اهمها درجة اصرار الشعوب على هذا الاستقلال وحجم التضحيات المستعدة لدفعها ثمنا له، موقف الدول الكبرى من قضية الاستقلال وحجم المصالح العالمية المرتبطة بها، حجم التأييد الدولي ودرجة حماس الاغلبية داخل الجمعية العامة للامم المتحدة ومدى استعدادها لمقاومة الضغوط الواقعة عليها وهكذا نرى ان دور الامم المتحدة ونجاحها في بعض الحالات استند بشكل اساسي الى موقف الشعوب المناضلة لنيل حرياتها. الدور الغائب واذا ما سحبنا ذلك على الواقع الفلسطيني الحالي والنضال الذي يخوضه الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال واقامة دولته المستقلة على ارضه، استنادا الى حقه المشروع في تقرير مصيره بنفسه، نستطيع ان نقول انه وبالرغم من مشروعية المطالبة الفلسطينية بحماية دولية او حتى ارسال مراقبين دوليين، وهو امر اجمعت عليه معظم دول العالم ودعت اليه الدول الثماني الكبار في قمتها الاخيرة في جنوة، الا ان مثل هذه الحماية الدولية او ارسال مراقبين دوليين لن تتم الا من خلال تصليب واستمرار الصمود الفلسطيني الذي يحتاج بالتأكيد الى دعم عربي واسلامي فاعل، يهدف اولا الى مد الشعب الفلسطيني بكل اسباب القوة والصمود ثم ممارسة ضغوط فعلية على الولايات المتحدة التي تصر على عرقلة اية خطوة دولية من شأنها تعريض الكيان العنصري الصهيوني لضغوط المجتمع الدولي الذي بات يدرك واكثر من اي وقت مضى المخاطر الكبيرة التي سوف تجرها السياسة الارهابية الاسرائيلية ليس على المنطقة فحسب وانما على الامن والسلم العالمي، نظراً لاهمية منطقة الشرق الاوسط في المعادلات السياسية والاقتصادية العالمية. وهنا تبرز الحاجة الماسة لعقد قمة عربية طارئة، ليس من اجل الانعقاد فحسب وانما لتحميل الولايات المتحدة المسئولية عن الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني وعرقلة المشاريع الدولية الهادفة الى حل الصراع العربي الصهيوني استناداً الى قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمة هذه المشاريع ارسال مراقبين دوليين متعددي الجنسيات يكون لهم دور فاعل في مراقبة التجاوزات الاسرائيلية وليس دورا شكليا يهدف فقط الى وقف فعاليات الانتفاضة الفلسطينية التي اعادت الصراع العربي الصهيوني الى طبيعته الاساسية باعتباره صراعا بين الحق الفلسطيني الثابت والمقدس والاحتلال العنصري الصهيوني الباطل. واخيرا لابد من القول ان على الدبلوماسية الفلسطينية والعربية الا تقع في فخ يرسمه ويخطط له الصهاينة مع الامريكيين بدقة، وهو جعل فكرة ارسال مراقبين دوليين الى المنطقة وكأنه خشبة الخلاص التي ينتظرها الجميع. وانما هو مقدمة لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تضمن للفلسطينيين حقهم المشروع في تقرير مصيرهم واقامة دولتهم المستقلة، بعد كنس الاحتلال الصهيوني والمستوطنين الصهاينة، والا فإن المراقبين الدوليين الذين تطالب السلطة الفلسطينية بهم سيتحولوا الى اداة لفرض الامر الواقع وادامة الاحتلال الصهيوني، وهو ما يخطط له العدو والولايات المتحدة على السواء. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب واعلامي فلسطيني