عندما يخبرنا المولى عز وجل بحقيقة اليهود في قوله تعالى (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود)، وقوله تعالي (هم العدو فاحذرهم)، فإنه سبحانه وتعالى يبصرنا بهوية أعدى أعدائنا وهم اليهود، بعد أن كشف لنا في العديد من آيات القرآن الكريم عن خصائصهم وطبيعة خلقهم وما تتسم به من دناءة وخسة ووحشية لا تمت للإنسان بصلة، ولذلك حتى نحذرهم ونتجنب التعامل معهم وهي حقيقة ملازمة لليهود في كل زمان ومكان، لا ولن تتغير أبدا، لأنهم نوعية من البشر توارثوا منذ البداية نزعة الشر وكراهية غيرهم من البشر وجبلوا على العدوان، وهو ما يفسر العقاب الالهي عليهم تخصيصا دون سواهم من شعوب الأرض في قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). وربما تفسر لنا هذه الحقيقة، العربدة الإسرائيلية الجارية حاليا في المنطقة العربية، والتي زادت حدتها منذ وصول شارون إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، والذي يذكرنا بشخصية (دراكولا مصاص الدماء)، فهو خير من يمثل الشخصية اليهودية، لهوايته في سفك الدماء عن إقتناع واقتدار. كما يفسر لنا أيضا طبيعة السياسة الإسرائيلية الحالية والتي تماثل (ثور هائج) إنفلت زمامه، ولا يجد على أي من الساحتين الإقليمية والدولية من يكبح جماحه، خاصة وأن (المصارع) ترك الحبل على الغارب، ووقف - بناء على تعليمات الثور- يتفرج عليه وهو يطيح بالجالسين في المدرجات، ويزداد جنونه وغروره كلما رأى الدماء تسفك هنا وهناك، ورغم ذلك فإن (المصارع) لايزال للأسف يعتقد مخطئا أن هذا الثور يمكن أن يهدأ ويجنح للسلم طواعية! البعد الديني لماذا يؤيد رؤساء أمريكا المزاعم الدينية الباطلة لليهود؟! يتساءل الكثير من المراقبين في العالم حول السبب وراء تأييد رؤساء أمريكا للمزاعم الدينية الباطلة لليهود حول حقوق تاريخية ودينية لهم ليس فقط في فلسطين، بل في كل البلدان العربية؟ وهو أمر لم يقتصر فقط على رؤساء أمريكا، بل معظم زعماء أوروبا أيضا، حتى وصل الأمر بهم ليس فقط الى السكوت على الممارسات الوحشية التي تمارسها إسرائيل ضد العرب في الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان، بل وتشجيعها في أحيان كثيرة، وهو ما يفسر إمتناع مجلس الأمن الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى عن إرسال مجرد مراقبين لمراقبة الأوضاع في الضفة وغزة، في حين نجدهم يسارعون في عام 1999 إلى إرسال قوات دولية من استراليا والولايات المتحدة وغيرها إلى إقليم تيمور الشرقية لمساعدة الإنفصاليين الكاثوليك هناك على الإنفصال عن أندونيسيا أكبر دولة إسلامية في العالم . وحقيقة الأمر أنه لايمكن بأي حال من الأحوال صرف البعد والمفهوم الديني عن واقع السياسات الإسرائيلية الحالية والتحيز الأمريكي والأوروبي والروسي المطلق لإسرائيل، فيما يتعلق بقضية الصراع العربي - الإسرائيلي الممتد منذ أكثر من خمسين عاما، ذلك أن اغفال هذا البعد الديني يبعدنا أميالا لا تعد ولا تحصى عن فهم وإدراك ما تصنعه إسرائيل حكومات وشعبا، كما يحرمنا من تفسير أسباب الإنحياز الأمريكي والأوروبي المطلق لإسرائيل. فلقد بدأ التمهيد لهذا الواقع الذي وصلنا إليه اليوم منذ قرون طويلة، عندما دسوا في توراتهم المحرفة مفاهيم دينية حول حقوق تاريخية ودينية لهم ليس فقط في فلسطين ولكن في معظم الدول العربية، كما نجحت اليهودية العالمية من خلال نفوذها المتعاظم في معظم بلدان العالم في ترسيخ الاعتقاد لدى الامريكيين والأوروبيين بأن اله اليهود (يهوه) أعطى اليهود وعدا بوطن لهم في فلسطين، وبحقهم في اعادة بناء الهيكل الثالث، وأن موعد ذلك قد حل ببداية الألفية الثالثة التي نعيشها حاليا، وأن اليهود ملزمون ببناء كنيس لهم داخل ساحة المسجد الأقصى قبل المباشرة في بناء الهيكل، وهو ما يفسر الخطوة الجريئة التي اقدموا عليها يوم 29 يوليو الماضي عندما حاولوا وضع حجر أساس للهيكل المزعوم داخل باحة المسجد الأقصى، وأن ذلك كله مرهون بما يسمى عقيدة (الهارميجدون) التي يؤمن بها حوالي نصف الشعب الأمريكي وعدد كبير من الأوروبيين. والهارميجدون جبل بالقرب من القدس، وطبقا لهذه العقيدة فإنه سيظهر عند هذا المكان المسيح (المخلص أو المنقذ) الذي سينشر العدل والأمن والاستقرار بعد نشوب معركة ضخمة مع أعداء اليهود - وهم المسلمون بالطبع - يموت فيها خلق كثير تقدرهم التوارة المحرفة بحوالي ثلثي العالم. التحول الصهيوني ولقد غير اليهود من طبيعتهم الاجتماعية في الأنزواء داخل (الجيتو) الخاص بهم، فعمدوا إلى الإنتشار في مختلف شرائح المجتمعات الأوروبية والأمريكية، ساعدهم على ذلك هيمنتهم على النظام المصرفي، والسيطرة على الاعلام، والنفاذ إلى الجامعات، فضلا عن دهاليز السياسة وكواليس الأحزاب، ومن ثم تمكنوا من النفاذ إلى مراكز صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة ومعظم بلدان أوروبا وروسيا. وكان من شأن ذلك أن يبرز ما أطلق عليه (المسيحية الصهيونية) والتي بدأت على أيدي (المسيحيين) المهاجرين من إنجلترا وإيرلندا على وجه الخصوص إلى أمريكا، وكانوا يركنون في ذلك عقائديا إلى (سفر الخروج) يقرأون فيه ويتمثلون آيات به، حتى توافقوا تماما مع العقيدة اليهودية التي تنادي بدخول الأرض الموعودة وإفناء القبائل التي كانت تسكن هذه الأرض، وإلى اليوم يحتفل الأمريكيون يوم الخميس الرابع من شهر نوفمبر كل عام بما يسمونه عيد الشكر Thank sgiving وهو اليوم الذي احتفل به الأباء المهاجرون بشكر الله على دخولهم الارض الموعودة لهم، وفيه يقرأ بعض فقرات من سفر الخروج الذي صار إنجيلا لهم . وقد اختلطت هذه المفاهيم الدينية الباطلة حول سفر الخروج بمفاهيم أخرى باطلة حول معركة (هارميجدون) التي سبق الإشارة إليها والموجودة في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، والتي تجعل للإسرائيليين وضعا خاصا، وهو ما أدى بداهة لاعتناق (المسيحيين) الأمريكيين النظرية الصهيونية التي ترى أنه لابد أن يسبق معركة هارميجدون قيام دولة إسرائيل، وإعادة بناء الهيكل. وبهذا لايمكن النظر إلى هذا كله كأمر يدخل في نطاق السياسة، بل هو شأن مستقر في (المسيحية الصهيونية)، والتي تتوافق تماما مع اليهودية الصهيونية في الاعتقاد بأن قيام إسرائيل وتوسعها من النيل إلى الفرات، وأن تكون عاصمتها القدس، وأن يقام الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.. إلى غير ذلك من الممارسات الإسرائيلية التي تجرى حاليا كل ذلك في اعتقاد هؤلاء (المسيحيين الصهيونيين) عمل من أعمال الرب ويجري بارادته، وهو من مقومات عودة المسيح الذي سينشر الرخاء والسلام في الأرض، فمن يستطيع أن يعارض هذا أو يقف في وجهه؟! بل أن من يحاول ذلك أصبح في مفهوم هؤلاء المسيحيين الصهيونيين معاديا لله، مخاصما للمسيح، الأمر الذي يضعه ضمن قوى الشر التي تحاربها قوى الخير في المعركة الأخيرة . مهمة المراقبين! ما الذي ننتظره من المراقبين الدوليين؟! لقد هلل كثير من المسئولين العرب كثيرا للتوصية التي صدرت عن قمة (جنوة) الأخيرة للدول الصناعية الثماني الكبرى التي عقدت أخيرا، بإرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة، واعتبروا ذلك انتصارا عظيما للقضية العربية !؟؟وحتى لا نخدع أنفسنا مرة أخرى، ينبغي أولا أن نتعرف على الشروط الإسرائيلية لإرسالهم. حيث تصر إسرائيل على أن يكونوا أمريكيين فقط، ومن رجال المخابرات وبمثابة دعم لرجال المخابرات الأمريكية المتواجدين حاليا في السفارة الأمريكية في إسرائيل. وقبل أن نسترسل في شرح الدور المنوط بهؤلاء المراقبين، فإن علينا أن نستعيد تجربة مماثلة لهم في جنوب لبنان. فهل أمكن للمراقبين الدوليين هناك أن يمنعوا إسرائيل من إرتكاب مسلسل جرائمها الوحشية ضد الشعب اللبناني عبر قرابة عشرين عاما مضت؟ بل هل أمكن لهؤلاء المراقبين أن يمنعوا القوات الإسرائيلية من إرتكاب مجزرة (قانا) ضد المدنيين اللبنانيين عام 1996 عندما أرادوا الاحتماء بمعسكر المراقبين الدوليين أنفسهم، فأبادتهم الطائرات الإسرائيلية داخل هذا المعسكر؟! أم نسينا ما فعله اليهود عام 1949 عندما اغتالوا علنا كبير المراقبين الدوليين نفسه (الكونت فولك برنادوت)؟! وهل منع المراقبون الدوليون المتواجدون في المنطقة منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي الإسرائيليين من ممارسة اعتداءاتهم المتكررة ضد الشعوب العربية في سنوات 1956، 1967، 1982 وحتى اليوم؟ فماذا نتوقع إذن من هؤلاء المراقبين الدوليين إذا ما قدموا إلى المنطقة؟ هل نتوقع منهم أن يحولوا دون قيام الطائرات والمروحيات والمدفعيات والدبابات الاسرائيلية بقصف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية؟! أم سيمنعوا القوات الإسرائيلية والمستعمرين من اقتحام مناطق الحكم الذاتي وشن الاغارات المسلحة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل؟! بل هل نتوقع أن ينجح هؤلاء المراقبون في كبح جماح حكومة شارون عن المضي في خطتها لاستئصال القيادات الفلسطينية؟ وهل سيمنع المراقبون جماعة (أمناء الهيكل) من تكرار إنتهاكاتهم للمسجد الأقصى تحت حراسة الجنود الإسرائيليين؟ أم سيتصدى المراقبون الدوليون للجرافات الإسرائيلية وهي تهدم المساكن وتخرب الأراضي وتقتلع مزروعات الفلسطينيين؟! أم سيحول هؤلاء المراقبون دون مضي شارون في خطته التي كشف عنها تقرير (فورين ريبوت) وأكدته بعض الصحف الإسرائيلية، والتي تستهدف شن حرب إقليمية واسعة تقلب الإستراتيجية، وتفرض معطيات جديدة تسهل على إسرائيل تنفيذ أهدافها بعيدة المدى؟ وإذا كانت قيمة المراقبين الدوليين ستنحصر في تسجيل المواقف من جانب الطرفين ورفعها إلى مجلس الأمن، ولتكون شاهدا على العدوان الإسرائيلي المتكرر على الفلسطينيين - وهو ما روج له بعض المسئولين العرب - فإن السؤال لايزال قائما حول قيمة هذا التسجيل وهذه الشهادة إذا مارفعت إلى مجلس الأمن فهل سيمنع ذلك من قيام إسرائيل بتكرار عداءاتها على العرب، وحتى مع افتراض صدور قرار يدين إسرائيل بذلك وهو أمر مستبعد في ظل الإنحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل، فما فائدة مثل هذه القرارات، وهل ستردع إسرائيل عن تنفيذ مخططاتها المرسومة، ومنذ متى كانت إسرائيل تحترم قرارات مجلس الأمن أو تنفذها؟! إن الرهان العربي على إرسال مراقبين دوليين إلى المنطقة هو رهان فاشل، لأنه من جهة لن يمنع إسرائيل من تنفيذ ما تريده، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، ومن جهة أخرى فإنه سيعرقل إنطلاق الإنتفاضة الفلسطينية لاستكمال أهدافها النهائية بالأسلوب النضالي، وهو الأسلوب الوحيد الذي يؤرق إسرائيل وتخشاه، وثبت نجاحه في جنوب لبنان عندما أجبرت المقاومة اللبنانية القوات الإسرائيلية على الرحيل من هناك، لذلك فهي تسعى إلى عرقلته في الضفة وغزة وتحييده. فهل يساعد العرب إسرائيل على ذلك بقبول مراقبين دوليين؟! بقلم: لواء ركن حسام سويلم ـ خبير استراتيجي مصري