لا شك في أن المطلب الفلسطيني المدعوم عربياً في استجلاب رقابة دولية يعتبر من التكتيكات السياسية الناجحة جداً، قياساً ببعض التكتيكات والتحركات الأخرى، التي لم تجلب إلا مزيداً من خيبات الأمل التي أدت في بعض الأحيان إلى انحسار العمل الانتفاضي الفلسطيني، وإن بمستويات متفاوتة بعض الشيء بين منطقة فلسطينية وأخرى. لكن أياً تكن التكتيكات ومستويات نجاحها وإخفاقها، يمكن القول أنه رغم الأحداث الدامية التي رأى البعض قياساً بنتائجها المدمرة أنها تجاوزت مطلب الرقابة الدولية، وأنه بات مطلوباً الآن العمل السياسي الجاد من أجل تطبيق القرارات الدولية دون قيد أو شرط، لا يزال هناك متسع من الوقت للعمل الدؤوب من أجل تحقيق هذا المطلب السياسي -الإجرائي، الذي إذا ما تحقق سيخلق وقائع جديدة غير التي كانت على الأرض. بكلام آخر إذا ما قيض لهذا المطلب، أي الرقابة الدولية، الفلسطيني والعربي ان يتحقق على الأرض في استقدام قوات رقابة فسيخلق قناعة عند كل الأطراف الدولية والإقليمية وحتى العربية، بأن هذه الخطورة ستكون العتبة الأولى نحو الاستقلال الفلسطيني. خاصة وأنها هذه المرة ستتجاوز شرعنة الخطوط الحمراء التي وضعت أوروبياً وأمريكياً حول أراضي السلطة الفلسطينية ليصبح استقلالاً كلياً ناجزاً باعتراف دولي عام، بالمنطقة (أ) وستفتح المجال رحباً للتقدم باتجاه مزيد من الخطوات باتجاه استقلال المنطقتين (ب) و(ج) من قبل أكبر ثمانية قوى عالمية على المستويين السياسي والاقتصادي والتي لا تزال تمتلك ولو بشكل متفاوت بينها، القدرة إذا ما توفرت الإرادة الصادقة على فرض شروطها السياسية على المسرح العالمي بشكل عام، كما جرى في أكثر من بقعة في هذا العالم. وأن كوسوفو لا تزال مثلاً حيا يحتذى، ويظهر مدى تأثير الفعل الدولي، إذا ما توفرت الإرادة والنوايا الصادقة كما أسلفنا بهدف خلق حالة من الاستقرار في المنطقة. لكن بالمقابل لا بد من الاعتراف أن النوايا الطيبة بمفردها لا يمكنها أن تؤدي إلى فرض شروط سياسية على الأرض خاصة وأن اسرائيل تستند برفضها إلى حماية وموقف الولايات المتحدة المرتهن لرؤيتها في آن معاً، لقبول رقابة دولية، وأعطيت سلفاً حق الفيتو على قبولها لرقابة دولية بفعل الضغط الأمريكي الكبير داخل مؤتمر جنوة الإيطالي. الفيتو الاسرائيلي وانطلاقاً مما تمتلكه اسرائيل من «فيتو» أو حق بالرفض أو القبول يصبح أمام الفلسطينيين مهمات جسام دون إغفال المطلوب عربياً من استخدام كافة وسائل الضغط السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي ورفع سوية مطالبها، فعلى المستوى الفلسطيني يتطلب الأمر للتوصل إلى إقناع اسرائيل صاحبة الفيتو، بضرورة استجلاب رقابة دولية ما يلي: أولاً: معاودة تأجيج مطالب الانتفاضة الفلسطينية بكل الوسائل المتاحة، عبر العمل على اشراك كافة الفئات والشرائح الاجتماعية الفلسطينية، واعتبار المؤسسات الأمنية الفلسطينية جزءاً من العمل الانتفاضي، وخلق وسائل وآليات جديدة لحماية ناشطي الانتفاضة والقيادات والكوادر ليتمكن الفلسطينيون من الاستمرار بانتفاضتهم إلى أعلى سقف ممكن، بما يجنب المناطق المأهولة الواقعة على خطوط التماس الدمار المنظم الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي، وان تتحول كل الجهود من اجل استهداف المواقع الإسرائيلية الأمنية والعسكرية، بغية فض الذرائع والمبررات الإسرائيلية والدولية المنحازة انحيازاً تاماً لممارسات اسرائيل الفاشية. وهذا لن يتأمن إلا بالعودة إلى خلق حالة، ولو بشكل نسبي، من توازن الرعب، الذي كان قائماً على أرض الواقع قبل الاتفاقيات الأمنية التي أبرمها جورج تينت رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية «السي. أي. إيه» بحضور ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين، والتي من شأنها أن تعيد التفكير مجددا بإقناع الأطراف الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة بهدف الحفاظ على مصالحها في المنطقة من القبول بمراقبة دولية ذات صلاحيات واسعة تؤمن حماية للفلسطينيين، ومن ثم العودة إلى طاولة التفاوض على أساس من الشرعية الدولية في الاستقلال والعودة وتفكيك المستوطنات بشكل كامل من أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ثانيا: التوقف وبشكل كامل عن الاجتماعات الثنائية والثلاثية الذي وضع اجندتها جورج تينت، وقبل ذلك اتفاقية واي بلانتيشن لأنها أثبتت فشلها، حيث استخدمت هذه الاجتماعات كسيف مسلط على رقاب الفلسطينيين، وشرعنة تصفية القيادات الفلسطينية، باعتبار أن هذه القيادات ضالعة بتنفيذ أو بتخطيط عمليات مسلحة ضد أهداف اسرائيلية. وهذا بدوره يملي ضرورة تجاوز تقرير ميتشل لانه اصبح كتاباً ابيض آخر بالنسبة للفلسطينيين، بعد كل التطورات الدامية على الأرض وتكشف المخططات الأمنية الإسرائيلية. ثالثا: العودة إلى فتح باب التوبة للبنى الأمنية المتعاملة مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، والتي خلقتها سنوات الاحتلال العجاف داخل التجمعات الفلسطينية، والتعامل مع هذا الملف الشائك والخطير بشكل سياسي تربوي، أي بشيء من الشفافية، وهذا من شأنه أن يصبح عاملاً ضاغطاً وقوياً على إسرائيل إذا ما استخدم بشكل صحيح وحذر ودقيق، لانه بكل تأكيد سيحد من نجاح مخططاتها الأمنية الموجهة ضد مؤسسات السلطة والقوى الوطنية والإسلامية. ولعل تجربة لبنان مع ملف المتعاملين قبل أكثر من سنة من الاندحار الإسرائيلي، كان عاملاً مهماً في دحر الاحتلال، بالتوازي بطبيعة الحال مع اتفاق تفاهم نيسان، الذي يتشابه مع المطلب الفلسطيني على أية حال بخصوص رقابة أو حماية دولية، والذي شرعن العمل العسكري ضد مواقع الاحتلال، وعدم الخضوع إلى الشروط الأمنية الإسرائيلية وبقاء التأكيد على ضرورة تسليم قائمة بقادة المستوطنات في الضفة الغربية، الذين نفذوا أعمالاً إجرامية بحق الفلسطينيين، والذين يقدر عددهم، حسب وجهة نظر السلطة الفلسطينية، بثلاثين إرهابياً، لإرساء حقائق جديدة على الأرض تتسم بالتوازي، بصرف النظر عن عوامل القوة والضعف وميزان القوى الضاغط لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. رابعاً: والاهم رفض الصيغة الأمريكية جملة وتفصيلاً لتمرير مشروع الرقابة الدولية، الذي أقرته قمة الثمانية في مدينة جنوة بإيطاليا، خاصة وأن كل الأحاديث الأمريكية تدور حول إمكانية نشر مراقبين أمريكيين مدنيين تابعين لوزارة الخارجية، وباعتبارهم صلة وصل بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، وحتى هذا الأمر متوقف على إمكانية قبول اسرائيل بهم، أولاً وأخيراً. وأن هؤلاء المراقبين إذا ما قبلت اسرائيل بهم، سيكونون ملحقين بالقوة العسكرية المنتشرة بين مصر وإسرائيل وفقاً لاتفاقية السلام بين البلدين. الضغط العربي وهنا لا بد من التساؤل المشروع والحذر في ذات الوقت، فإذا كان اتفاق نيسان اللبناني في عام 1996، قد احتوى على طرفين عربيين اللبناني والسوري على قدم المساواة مع الطرف الأمريكي والفرنسي والإسرائيلي ذاته، فأين موقع الطرف العربي في هذه التركيبة التي لم تختلف كثيراً عما نص عليه جورج تينت رئيس الاستخبارات الأمريكية ؟قبل الإجابة عن هذا التساؤل، يمكننا القول وبكل القناعة، أن الإرادة الدولية والرأي العام العالمي، وخاصة في أوروبا، بات يدرك أن ثمة انحيازا واضحا لا لبس فيه من قبل الولايات المتحدة لإسرائيل، بالمقابل الولايات المتحدة لا يمكنها أن تبقى على هذا الموقف طويلاً وأن طرح مؤتمر جنوة لهذه القضية بالذات هو رد حقيقي على الانحياز الأمريكي، لكن هذا الرد يتطلب موقفاً عربياً موحداً، وهذا الموقف يجب أن ينبثق عن جامعة الدول العربية، وأن يكون ملزماً للأطراف العربية باعتباره برنامجاً يجري التحرك العربي على أساسه عبر دبلوماسية عربية نشطة وضاغطة، وهذا الأمر يتطلب التالي: أولاً: باعتبار الجامعة العربية منظمة إقليمية، لابد من اشتراكها في أية مشكلات إقليمية، وأن تأخذ دورها على قدم المساواة أسوة بباقي المنظمات الإقليمية في هذا العالم، وهي بالأساس تكتسب شرعية قانونية ودولية وتستحوذ على ممثل لها في الأمم المتحدة والهيئات الدولية التابعة لها، فكما يحق للاتحاد الأوروبي التدخل في كل ما يخص أوروبا، فالجامعة العربية لها الحق الكامل في كل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط. دون التقليل من منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمتلك كل الحق هي الأخرى في مثل هذه القضايا، وهذا يملي على الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، كل على حده أو بشكل ثنائي الاشتراك بالرقابة الدولية باعتبارهما منظمتين إحداهما إقليمية والأخرى دولية. ثانياً: الضغط بعد ذلك من أجل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحرفيتها التي نصت عليها، والإقلاع عما كان يسمى باتفاق أوسلو كون شارون أسقطه، بل وتبرأ منه والى الأبد، باعتبار أنه جاء إلى الحكم أصلاً، حسب تصريحاته السياسية لوأد كل الاتفاقيات التي وقعت مع الطرف الفلسطيني، وبحضور عربي كثيف في الكثير منها. وأن بقاء الاستظلال باتفاقيات أوسلو بعد أن دفنت، تعبير عن غياب البرنامج العربي الموحد، والذي ينذر بالكثير من الويلات القادمة غير محسوبة النتائج. وهذا الأمر بدوره يملي ضرورة صب الجهد ليس في إقناع الأمريكيين هذه المرة بضرورة اتخاذ موقف متوازن، بل بتجميد كل الاتفاقيات التي أبرمت مع اسرائيل، كخطوة أولى للتخلي عنها بشكل كامل، أسوة بالموقف الإسرائيلي الذي تنصل من كل التزاماته مع الأطراف العربية، وهذا على ما يبدو بدأت تتضح معالمه في الموقف المصري الذي نقله وزير الخارجية أحمد ماهر إلى شمعون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي أثناء زيارته الاخيرة للقاهرة. هذا مع إخطار الولايات المتحدة الأمريكية، بكل ما يمت بمصالحها في المنطقة، والبحث عن أولويات جديدة ترتكز إلى أساس سياسي محض، وبما يؤمن للعرب مصالحهم الوطنية والقومية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية، متضمناً ذلك أمنهم الاستراتيجي. ثالثاً :عودة التذكير بكل الخيارات العربية وأعني تلازم الخيارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي لا تنفصم عراها كما يحاول البعض هذه الأيام الفصل الميكانيكي بينها وكأن القضايا الوطنية والقومية خاضعة لاجتهادات غيبية في علم السياسة ،دون تغليب واحد على الآخر، والانطلاق من القناعة الكلية أن الحق يفرض فرضاً ولا يوهب وهبة أو منة من أحد. ودون ذلك سيجري تلفيق ما يسمى بالرقابة الدولية، مع شيء من التعديلات والتجميلات الطفيفة، بحيث يجري إدخال طرف مثل الطرف الكندي، أو مشاركة دول صغيرة «تحتاج إلى أطلس جغرافي لمعرفة موقعها على الخريطة»، مع التذكير مرة أخرى بأنه لا يزال أمام الولايات المتحدة طريق طويل لإقناع اسرائيل بقبول نشر مراقبين غير أمريكيين. بقلم:عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني