في ذروة تصاعد «ارهاب الدولة» الصهيوني المدعوم أمريكيا بشكل كامل وصريح، أصبح الحديث عن «مراقبين» دوليين أو حتى أمريكيين، وكأنه البلسم الشافي والخيار الوحيد لمواجهة حرب الابادة الشارونية ضد الشعب الفلسطيني. ورغم الضباب الكثيف الذي مازال يلف موضوع «المراقبين»، سواء من حيث المرجعية أو الدور وحدود المهمة، فضلا عن ربطه بموافقة وقبول المعتدي، فان أطرافا كثيرة، وخاصة من العرب، تصر على ابقاء جميع الخيارات والبدائل الأخرى غائبة، أو مغيبة بمعنى أدق. لقد جرب العرب جميع الوسائل السلمية، واعتمدوا «السلام» خيارهم الأوحد على مدى السنوات العشر الماضية، ورغم ذلك لم يزدد الاسرائيليون إلا تماديا في الغطرسة والعدوان، وتجاوزوا كل الخطوط والحدود إلى حرب ابادة جماعية ممنهجة استخدمت فيها كل وسائل القتل والتدمير والارهاب، وبشكل يومي سافر على مرأى ومسمع من العالم كله. وربما توقع البعض، في خضم المحاكمات الدولية لمجرمي الحرب في البلقان وفي افريقيا، ان يكون لأركان «النظام الدولي الجديد» موقف أكثر جدية وحزما ازاء الجرائم الصهيونية ومرتكبيها ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى. لكن النتائج جاءت مخيبة، فكل ما استطاعت «قمة الكبار» أن تتوصل إليه هو قرار كسيح بارسال «مراقبين»، وليس قوة حماية، وربطوا ذلك بموافقة من يفترض أو يجب أن يكون هدف المراقبة وهو «إسرائيل». بل أكثر من ذلك، فإن زعيمة هذا «النظام الدولي» لم تكتف بالصمت واللامبالاة تجاه الوضع المشتعل في المنطقة، فراحت تبرر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها قوات الاحتلال وحكومة شارون، حسبما جاء على لسان نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وفي تصريحات علنية متلفزة!! كل ذلك، على ما يبدو، لم يقنع أصحاب قرارنا السياسي العربي ببطلان المراهنة على «أحادية القطب» و«أحادية الخيار»، وبالتالي البحث عن خيارات بديلة، أو بمعنى أصح استخدام الخيارات والامكانيات المتاحة والكثيرة التي لا تحتاج إلى بحث أو تنقيب! وإذا سلمنا باستبعاد الخيار العسكري، رسميا على الأقل، فكيف يمكن تبرير عدم استخدام الخيارات الأخرى السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وهي خيارات مؤثرة في الأطراف الدولية والاقليمية المعنية، ولا تكلفنا الكثير، خاصة إذا اتخذت ضمن سياسة موحدة ومواقف مشتركة؟! إن تغييب مثل هذه الخيارات، كحد أدنى، يعني ترك الحبل على الغارب لعدوانية شارون والتوسع في جرائمه، وهذا في النتيجة معناه تشجيعه على هذه الجرائم إلى حد المشاركة فيها. فهل يرضى صناع السياسة العربية أن يصل تصنيفهم إلى هذا الحد؟! عبدالله إسحاق