يتحدث الخطاب الصهيوني بشقيه الديني والسياسي عن عقدة الإضطهاد التي رسخت في الفكر اليهودي عبر العصور وترجمت في شكل سلوك عدواني انتقامي ولم تكن سياسة الإبادة الجماعية أو Genocide سوى أحد مظاهر هذا السلوك، ويعتبر إرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل الحالي من أبرع الملتزمين به لأنه جعل من هذه السياسة محورا أساسيا في التعامل اليومي مع الشعب الفلسطيني الأعزل. إذن نحن أمام ظاهرة خطيرة إذا لم يدرك العرب أبعادها ومخاطرها ستكون العواقب وخيمة لأنها سوف تصيب الصورة القومية للعرب من ناحية وستكون حتما وصمة عار في جبين هذا العالم المتحضر الذي نعيش فيه من ناحية آخرى. وتتجسد هذه الظاهرة في تعرض الشعب الفلسطيني وبشكل يومي لعملية إبادة منظمة من قبل إسرائيل وتتم بأيدي شارون وعصابته حيث نصبح أمام مخطط مدروس يستهدف بالدرجة الأولى تصفية الكيان الفلسطيني بكل ما تحمله كلمه (تصفيه ) من معان. سياسة منهجية ولعل الرصد الدقيق لمعطيات الأحداث اليومية على ساحة الصراع في الشرق الأوسط يمكن أن يقودنا إلى فهم أعمق لسياسة الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل تلك السياسة التي لم تعد كما يروج الاعلام الإسرائيلي والصهيوني رد فعل على عمليات المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة ولكنها ترتبط ـ كما أوضحنا ـ بخطوات محددة سلفا في تقديري أنها تتم على خمسة مستويات وفي آن واحد نحاول توضيحها على النحو التالي: المستوى الأول: تصعيد مستمر لعمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات ورموز السلطة الوطنية الفلسطينية وكوادر منظمات المقاومة وفصائلها المختلفة العاملة على الأرض مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) ومنظمة الجهاد الإسلامي. ومن تحليل عمليات الاغتيال التي تمت مؤخرا يتضح أن ثمة تنسيقاً بين قوى الأمن الإسرائيلي مثل الجيش وجهاز الاستخبارات (الموساد) وعملاء لهم داخل المناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة الوطنية. كما يتضح أيضا أن إسرائيل تستخدم تكنولوجيا متطورة سواء في رصد الأهداف المراد تصفيتها أو في التنفيذ ويؤكد ذلك توجيه صاروخ من مروحية إلى أحد مقار حركة حماس في مدينة نابلس بالضفة الغربية مؤخرا مما أدى إلى استشهاد ثمانية فلسطينيين من بينهم قياديون ومدنيون وأطفال. المستوى الثاني: قيام الحكومة الإسرائيلية بتحريض المستوطنين خاصة في المناطق المتاخمة للأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية على قتل الفلسطينيين بلا تمييز أو مبرر وبشكل قد يبدو أحيانا عشوائيا. ونذكر في هذا الصدد قيام جماعة تنتمي لحركة يهودية متطرفة بإطلاق النار على مدنيين فلسطينيين كانوا في طريقهم لحضور حفل عرس الشهر الماضي. واللافت للنظر أن عملية الاغتيالات تستهدف الأطفال الذين يشكلون مستقبل الكيان الفلسطيني فمن الملاحظ أن نسبة الأطفال حوالي الـ (30%) من عدد الشهداء الفلسطينيين الذين تجاوزوا (800) شهيد منذ إندلاع إنتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 2000م. كما أن آلاف الأطفال الذين لم يقدر لهم الاستشهاد في المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين اليهود أصيبوا بعاهات دائمة مدى الحياة نتيجة إطلاق النار عليهم حيث أكد المراقبون ومراسلو وكالات الأنباء في الأراضي الفلسطينية أن معظم الإصابات خاصة بين الأطفال كانت في القلب أو الرأس!! المستوى الثالث: تزامن مع أعمال آلة القتل وتوسيع دائرة الاغتيالات المنظمة والعشوائية هدم المنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة بلا سابق إنذار على رؤوس ساكنيها بالإضافة إلى تجريف الأراضي الزراعية وإقتلاع الأشجار المحصولية في مقدمتها أشجار الزيتون وتدمير الطرق التي تربط مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني والقصف المباشر للبنى التحتية للقضاء على الحياة اليومية للفلسطينيين!! المستوى الرابع: تواكب مع هذا المخطط استفزاز المشاعر الدينية بالاعتداء المتعمد على المقدسات والسجل طويل في هذا المقام وكان آخرها المحاولة الفاشلة لوضع حجر لما يسمى (بالهيكل الثالث) المزعوم في ساحة المسجد الأقصى المبارك. وفي تصويري أن الاستفزاز المستمر سوف يخلق حتما فرصا للصدام ومن ثم يحاول الإسرائيليون خاصة الجماعات اليهودية المتطرفة إيجاد المبررات والذرائع لتنفيذ مخطط التصفية بشكل أو بآخر. المستوى الخامس: تمنع السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين في الخارج من العودة إلى ذويهم وديارهم في الضفة والقطاع بحجج أمنية لتمارس نوعا آخر من حصار الشعب الفلسطيني الذي هو أصلا محاصر داخل وطنه ولاشك أن هذا السلوك التعسفي يساهم على نحو ما في مخطط التصفيه وهكذا نجد من خلال قراءة متأنية لتطورات الأحداث المتصاعدة أن هذه المستويات الخمسة للمخطط الصهيوني الخاص بالإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني تصب في إتجاه واحد هو العمل على تصفيه الكيان الفلسطيني سياسيا واقتصاديا وبشريا. تكريس الإبادة ويمكن القول إن هناك عوامل موضوعية تساعد على تكريس سياسة الإبادة الجماعية يمكن حصرها في ثلاثة: العامل الأول ـ التخاذل العربي: لاشك أن هناك أسبابا عديدة تشكل في مجملها ظاهرة (التخاذل العربي) ويضيق المجال لتناولها جميعا لكن تحديدا أرى أن عدم وجود تصور عربي واضح وموحد لكيفية التعامل مع العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني من جهة وترك الأمور بطريقة (إتكاليه) تجرى وفق ما تراه الجماعة الدولية المكبلة (بالفيتو الأمريكي) من جهة أخرى تعتبر مدخلا مبدئيا لفهم الظاهرة. ويكفي الإشارة إلى عدم وجود تقدير حقيقي لخطورة ما يقترفه الإسرائيليون من جرائم حرب الإبادة الجماعية ضد ابناء الشعب الفلسطيني وأنه أي التمادي في إرتكاب هذه الجرائم يمثل خروجا غير مسبوق على قواعد العرف والقانون الدوليين بل يتناقض مع مبادئ الشرائع السماوية التي تحض بني البشر على التراحم والتعاون وحماية الإنسان من عوامل القهر والهلاك. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: إلى متى سيستمر التخاذل العربي؟ هل سيستمر حتى يدوس شارون بقدميه على عزة وكرامة العرب بعد أن ينفذ مخططه الإجرامي في إبادة الشعب العربي الفلسطيني؟ إن إجابة التساؤل متروكه لأصحاب القرار في وطننا العربي!! العامل الثاني ـ الصمت الدولي: رغم أني لا أفضل استخدام المنهج التآمري في التحليل إلا أني أكاد أشعر بخيوط مؤامرة (عالمية) ضد الشعب الفلسطيني تنفذ بأياد صهيونية وتستند على ما يمكن تسميته بالصمت الدولي وغض الطرف عما يرتكب من جرائم بشعه ضد الإنسانية في فلسطين وبشفافية شديدة يمكن القول إن العالم المتحضر الذي يتباهي (بعولمته) ويرفع شعارات التقدميه والديمقراطية يسهل للقتلة اليهود عملية تنفيذ مخطط الإبادة ولعلنا نتساءل هل الجرائم التي ترتكب ـ علناـ في فلسطين أقل بشاعة من تلك التي ارتكبت في رواندا وبورندي والبوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو؟! وإجابة التساؤل أتركه للضمير العالمي إذا كان هناك ضمير!! العامل الثالث.. تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح أثبتت إنتفاضة الأقصى أن الحجارة هي السلاح الفاعل في المواجهة غير المتكافئة بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال الإسرائيلي ومعها قطعان المستوطنين اليهود. وإذا بحثنا عن أسلحة فعالة غير الحجارة فلن نجد لأن السلام مع إسرائيل قد سلب الفلسطينيين حقهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم وجردهم ـ بموافقة دولية ـ من أي سلاح حديث يكفل لهم الحماية لدرجة أن السلطة الفلسطينية أصبحت تطلب اليوم حماية العالم من الهمجية الإسرائيلية. وهكذا لم يعد يبقى في أيدي الشباب الفلسطيني غير الحجارة وهي أيضا مع إستمرار المواجهات قد تتعرض للنفاد أو المصادرة إذا ما تمكن الجيش الإسرائيلي من ذلك!! بعبارة أخرى إن الوضع الحالي قد جعل من الفلسطينيين شعبا أعزل قدره أنه يواجه ترسانة حربية مدججة بأحدث الأسلحة الأمريكية. ومن الطبيعي أن تسهل هذه المعادلة في حسابات القوة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على أرييل شارون ومن معه تنفيذ سياسة الإبادة الجماعية. ورغم ذلك إنني على يقين أن الشعب العربي الفلسطيني لن يبادر ـ بإذن الله ـ لان الخبرة التاريخية قد علمتنا أن إرادة الشعوب لا تقهر فمنذ عصور الفرس والروم إلى الحملات الصليبية والتتار وحتى عصر الاستعمار الأوروبي كانت الغلبة دائما للشعوب المقهورة مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات! خلاصة القول .. إذا كانت الحماية الدولية كما يقال وسيلة لإنقاذ الشعب الفلسطيني من خطر الإبادة فإنها ستكون قاصرة إذا تحول دورها إلى (المراقبة) فقط فالمراقبون يفترض أنهم لا يحمون أي طرف من الأطراف ولكنهم يراقبون الوضع على الارض أن كل ما أخشاه أن يأتي العالم بمراقبين ـ بعد موافقة إسرائيل ـ لمراقبة الفلسطينيين وحماية الإسرائيليين وتمكينهم من إرتكاب المزيد من الجرائم!! بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب واعلامي مصري