توصيف الانتفاضة الباسلة يبدو اليوم توصيفا فيه الكثير من الاعتزاز الممزوج بحرقة كبيرة، ليس نتيجة الشهداء الذين يتساقطون دفاعا عن الوطن بل نتيجة الموقف الدولي وحقوق الإنسان التي تنادي بها (كما تدعي الولايات المتحدة وأوروبا). وبالطبع فالحرقة تطال الجميع من التقصير العربي الذي قد تبدو مبرراته الآن تختبئ بظلها العاري، بعد أن أصبحت حكومة شارون تهدد الوجود العربي وان كان تهديدها المباشر غير عام. وأمام مشهد الانتفاضة وما تعانيه من التقصير العربي والصمت الدولي من جانب، وحرب القصف اليومي على الفلسطينيين وحرب الاغتيالات المعلنة من قبل الحكومة الصهيونية، يبدو التساؤل عن قوات رقابة دولية ليس مشروعا فقط بل يتداخل مع صمت عالمي سواء من المنظمات الدولية أو الحكومات، وعلى رأس المنظمات هيئة الأمم المتحدة بكل مؤسساتها، وجمعيات حقوق الإنسان التي غابت بل تغيبت عما يحصل في الأراضي الفلسطينية من وحشية صهيونية صارت واضحة لكل فرد في العالم. إذن يبدو الصمت العالمي الآن وهو ما يهمنا هنا غاية من غايات الغرب الذي يدعي الموضوعية وينبهر بعض العرب بها، ولكي تتوضح الصورة لنر في البداية مشهد الاغتيالات المعلنة، فهو مشهد اعدام دون محاكم في دولة تدعي انها ديمقراطية أولا وينجذب الغرب لها بسبب تلك الديمقراطية وبادعائها انها لا تنفذ حكم الاعدام، ومن طرف آخر فان أية دولة ديمقراطية لابد لها من الالتزام بالقوانين العالمية واتفاقيات جنيف الخاصة بحقوق الإنسان وحماية المدنيين، فهل اسرائيل تمارس أي بند من تعاليم حقوق الإنسان أم انها تمارس تعاليم استعلائها التوراتي وخرافاتها الدينية؟! تحريك مخادع إن الواقع الواضح للعيان، وليس لعين العرب المتعاطفة حتما مع الفلسطينيين بل لعيون العالم ومنظماته الدولية، يوضح لنا ان اسرائيل لم تلتزم بأي قرار دولي حتى الآن ومنذ ان انشئت على أرض فلسطين، رغم اننا كعرب أصبحنا نطالبها بالالتزام بالقرارات الدولية التي كما يعرفها الجميع لا تعطي إلا جزءا يسيرا من حقوق الفلسطينيين. ورغم ذلك فالأمم المتحدة تغض الطرف بوقاحة عن جرائم اسرائيل. ولعل الحرب الحقيقية التي يخوضها العدو الصهيوني ضد الإنسان الفلسطيني قد حركت مشروع الحماية الدولية، ولكن هذا التحريك لم يكن من أجل الفلسطينيين فكل كلمة تطلق من الغرب بقطبيه الأمريكي والأوروبي ليست سوى جرعة مخدر لمصلحتها الخاصة أولا ولمصلحة اسرائيل ثانيا، وهذا لا يعني ان الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى حماية دولية بل انهم بحاجة حقيقية لها وليس إلى اعلام فيها وعنها. وللدخول في طبيعة الحماية الدولية لنر أولا كيف صور لنا أحد مساعدي المبعوث الأوروبي خافيير سولانا الأوضاع في الأراضي الفلسطينية عندما اجتمع مع قادة الفصائل الفلسطينية الـ (13) الذين يشكلون قيادة الانتفاضة، وبالطبع بعد اطلاعه على أرض الواقع، فقد قال: «اطلعت منذ وصولي على المعاناة الصعبة التي تعيشها مناطق قتال كثيرة في العالم، لكني لم يسبق لي وبصدق أن رأيت مثل ما يعانيه الشعب الفلسطيني، بل رأيت بأم عيني كيف يطلب من مليون فلسطيني في غزة أن يحافظوا على أمن 5000 مستوطن.. وان الخليل تقدم النموذج اللا انساني للمعاناة، فكيف يفرض 400 مستوطن حالة لا إنسانية على مدينة بكاملها جراء وجود جيش وأمن بأعداد ضخمة لحماية 400 مستوطن». طبيعة مختلفة والواضح من كلام الأوروبيين ان الحالة التي يعيشها الفلسطينيون هي حالة لا إنسانية أولا والذي يفرضها هو عدو الإنسانية الصهيوني، ورغم ذلك فان أوروبا التي طالبت بحماية دولية لم تفعل شيئا، ليس لانها لا تستطيع بل لانها لم تعد ترى مصلحة بذلك، فهي إذن تبيع الوهم للعرب قبل الفلسطينيين. وعندما طرح مثلا تعديل مهمة القوات الدولية في الجنوب اللبناني كان الطرح أمريكيا ولم تعارضه أوروبا، ولعل الطرح كان لا يريد فقط تخفيض القوات الدولية من 4500 إلى ألفي جندي وضابط، بل يريد في حقيقته أن يجعل الخط الأخضر حدودا دولية وهو خط مفترض، ولكن طرح تعديل مهمة القوات الدولية أرادت منه الولايات المتحدة تثبيت الواقع الحالي ضمن حدوده المفترضة لجعله دائما. وهذا بالطبع ينسحب على القوة التي تطالب بها السلطة الفلسطينية لتدخل كقوة حماية دولية، فهل تخشى اسرائيل من وراء ذلك أن تصبح المناطق التي تتمركز فيها هذه القوات هي مناطق حدودية؟! في الواقع إن اسرائيل يمكن أن يساورها الشك الأدنى في هذا، ولكن طبيعة الحماية الدولية للفلسطينيين تختلف عن طبيعة قوات الطوارئ في الجنوب اللبناني. فالمراقبون الدوليون لا يعني وجودهم وجودا مسلحا بالأساس لان الولايات المتحدة مازالت ترفض ذلك، بل ليس لديهم أية التزامات ووجودهم لا يعني بحال من الأحوال تحريك المسارات التفاوضية المتوقفة، كما ان هذا الوجود لا يعني احياء الاتفاقيات والعمل بها رغم ان الأمم المتحدة تتملك الحق بآلية ردع لتنفيذ قراراتها، فهل تتخوف اسرائيل من ذلك؟! الواقع أيضا يقول: «لا»، لان اسرائيل لا يمكن لها أن تلتزم بأية قرارات دولية ما دامت الولايات المتحدة ترعاها رعاية كاملة. إذن لماذا ترفض اسرائيل وجود قوات دولية؟! بالطبع تبدو الاجابة المباشرة منطقية وهي انها تريد تخفيف الشهود عن جرائمها، ولكي يثبت شارون أمام المجتمع الاسرائيلي قدرته الحربية، ولعله يخشى كما تخشى الولايات المتحدة أن تكون قواتها المتواجدة هدفا للنيران الاسرائيلية، وهذه حقيقة تخشاها الولايات المتحدة نظرا للتطرف والعنصرية التي تتغلغل بتجذرها في المجتمع الاسرائيلي الذي طالما أعلن عن عدم رضاه عن كل الدعم المقدم من واشنطن وطالما هاجم الأمم المتحدة التي تعرف نفسها كم هي منحازة للصهيونية. شراء الوهم إذن الوهم الذي أسميناه حماية دولية هو في الواقع رقابة أو شهود بلا قرار وبلا أسلحة، وقد يكونون من ادارة المخابرات المركزية الأمريكية وفي الطرف الآخر قد يستغرب البعض مطالبة الولايات المتحدة أحيانا بذلك وكذلك مطالبة الدول الثماني في اجتماعها الأخير، لكن الولايات المتحدة لا تعلن موافقتها على ذلك إلا عندما تشعر ان اسرائيل في خطر حقيقي كما حصل مع تنامي العمليات الاستشهادية، وكان القصد الحقيقي هو الرقابة الأمريكية وليس الدولية لمساعدة الكيان الصهيوني لحماية داخله الذي أصيب بالهلع وبوصول الاستشهاديين رغم التشديدات الأمنية التي تعيق حركة الشارع الاسرائيلي ذاته. أما عندما طالبت مجموعة الثماني بالحماية الدولية، فقد طالبت بذلك لمجرد الوعد بالنوايا الحسنة وتحسين صورة الاجتماع الذي يبارك العولمة أي ان الدول الثماني أرادت أن تعطي صورة إنسانية سواء للعالم أو للمحتجين خارج اجتماعاتها على عولمتها، ومن أجل ذلك فان هذه الدول قد وضعت شرط قبول الطرفين فهل يعقل ان زعماء العالم يعتقدون مجرد اعتقاد بموافقة اسرائيل على وجود قوات دولية تفصلها عن تنفيذ جرائمها، أضف إلى ذلك فإن طبيعة هذه القوات هي في الواقع أيضا أمريكية، فأين دور الأمم المتحدة؟ والمعروف ان القوات الدولية سواء للحماية أو للفصل أو حتى لتنفيذ قراراتها يجب أن تكون من الأمم المتحدة وليس من الولايات المتحدة. إن الغرب يوزع الوهم والعرب لا يجنونه بل يشترونه، فمطالبتنا بحماية دولية للفلسطينيين ونحن على واقعنا الحالي تنطبق تماما على حال مطالبتنا بتنفيذ اسرائيل للقرارات الدولية التي أصبحنا نطالب بها علنا وفي كل المحافل منذ مؤتمر مدريد، ولكن إذا أراد العرب أن تكون مطالبتهم بالحماية الدولية للفلسطينيين موضوعية فإنهم يستطيعون ذلك ولكن بقوة وليس بضعف، فلماذا لا تنتقل هذه المطالبة من التصريحات إلى الأمم المتحدة وبشكل قانوني وموضوعي، وبالطبع يجب أن تدعم هذه المطالبة بقوة العرب وان يدعم أيضا الانتفاضة بشكل حقيقي وثانيها مقاطعة كاملة لاسرائيل وعلى كل المستويات وثالثها مقاطعة عربية للولايات المتحدة، وهذه الأمور الثلاثة رغم معرفة الجميع لها لن يكون غيرها سوى ضربا من الوهم على رمال متحركة. بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق