لا استقلالية.. لا حياد.. لا تجرد، تلك اللاءات الثلاث ـ دون مصادرة أو جنوح لسوء الظن ـ سوف تكون بمثابة سحابات قاتمة، تخيم على مهمة المراقبين في الاراضي الفلسطينية المحتلة، إذا مافرضت الولايات المتحدة على الاطراف المعنية ـ عدا إسرائيل التي ترحب بطرح واشنطن ـ أن يكون هؤلاء المراقبين عناصر أمريكية تنتمي لوكالة المخابرات المركزية (سي. أي. أيه)، أو عملاء للوكالة، ولكن تحت ستار الانتماء لوزارة الخارجية، فالأمر سيان، إذ أن استئثار الولايات المتحدة بالمهمة، وتنفيذها بواسطة عناصر أمنية ـ مخابراتية تحديدا ـ ينفي أي مصداقية لممارسة هؤلاء المراقبين لمهمتهم، وفق مبادئ الأمم المتحدة، وروح ميثاقها، وبما يؤمن ضمان حقوق الإنسان الفلسطيني، في مواجهة العدوان الاسرائيلي الذي يستهدف ليس فقط التطهير العرقي، ولكن ـ بالأساس ـ تصفية الوجود الفسطيني ذاته! من ثم فإن مسألة إرسال مراقبين أمريكيين ـ وتحت غطاء توصية قمة جنوة، وبمباركة أوروبية ـ لا ينفي بأي حال كون المبادرة الأمريكية لا تزيد في جوهرها عن مجرد (ضحك على الذقون)، وبمباركة فلسطينية ـ عربية، ومن هنا تأتي المفارقة. ملاحظون أم مراقبون؟ إذ أن تلهف العرب، والقيادة الفلسطينية على تنفيذ المبادرة الأمريكية، بعناصر من الـ (سي. أي. ايه) يثير الدهشة، أو هذا مايجب أن يكون عليه الحال، لأن قوة المراقبة لن تزيد عن كونها مراقبة (شارون) لـ (شارون) وسوف تغيب فكرة (الطرف الثالث) حال قيام رجال المخابرات المركزية بالمهمة، فإذا ماأضيف الى ذلك أن واشنطن تقترح أن يكون توصيف هؤلاء بـ(ملاحظين) (وليس) مراقبين (وأن يكونوا) مجموعة صغيرة فإن الأمر لن يتجاوز في هذه الحالة مجرد التسجيل فقط لبعض وقائع الاعتداء هنا أو هناك، ناهيك عن أن يكون لذلك التسجيل صفة الحياد والنزاهة، أو القابلية لتنفيذ أي توصية بشكل فوري حقنا للدماء الفلسطينية. صحيح أن التوازنات القائمة تتطلب التعاطي مع الطرح المبادرة الأمريكية، لكن على الجانب الفلسطيني ـ العربي أن يبدي رأيه وتحفظاته، بل وأن يطرح رؤيته وشروطه، أسوة بما قدمته اسرائيل من معارضة للاقتراح الأمريكي الذي وصفته بـ (المبتور)،. واصرار الكيان الصهيوني على احتفاظه بحق الفيتو لمنع تشكيل قوة المراقبين، إذا لم توافق على صلاحياتها، أو إذا تناقضت تلك الصلاحيات مع مصالح اسرائيل الأمنية. وإذا كانت تلك التوازنات تحد من القدرة الفلسطينية ـ العربية على التحرك والضغط، وصولا الى طرح فكرة انشاء قوة حفظ سلام دولية تحت علم الأمم المتحدة، فإن الامساك بطرف أحد الخيوط الممدودة على الساحة بالفعل، يمكن أن يمثل مدخلا أكثر مناسبة، بل ويتمتع بغطاء الشرعية الدولية، لأنه وثيقة انسانية دولية طرحتها، في شكل رسالة مفتوحة ـ كل من (منظمة العفو الدولية) ، ومنظمة حقوق الإنسان (دعتا من خلال بنودها الى ارسال مراقبين لحقوق الإنسان في مناطق الصراع، لتهدئة الاوضاع المتفجرة، والتخفيف من معاناة المدنيين الذين تنتهك حياتهم وحقوقهم، على أن يكون للمراقبين وطبقا لهذه المبادرة ـ صلاحية المراقبة المستمرة لسلوك قوات الأمن، والأفراد، وصولا لاعادة اجراء تحقيقات في حالات الوفاة في صفوف الفلسطينيين. إن المبادرة المشتركة لمنظمتي (العفو الدولية) و(حقوق الإنسان) والتي تم رفعها لطرفي الصراع، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، لا تمثل غاية الطموح العربي ـ الفلسطيني، لكن ميزاتها الأساسية انها اساس يمكن البناء فوقه، أو نقطة أفضل ـ أو أكثر تقدما ـ بأي قياس من المبادرة الأمريكية، يمكن تطويرها، وتفعيل بنودها، عبر اتصالات مع الاطراف الدولية والاقليمية التي تستطيع ممارسة أدوار وضغوط على واشنطن وتل أبيب، لتحويل فكرة مبادرة ارسال المراقبين الى مدخل لانشاء قوة حفظ سلام دولية تحت علم الأمم المتحدة، أو تحجيم قوى العدوان الصهيوني، ومواصلة مساعي التسوية، الأمر المرهون بتوافق ظروف دولية متوافيه، مع تغيير المعادلة القائمة في الكيان الصهيوني. آلية من 15 بنداً لقد طرحت وثيقة منظمة (العفو الدولية) و(حقوق الإنسان) بنودا توفر ضمانات أكثر فاعلية وقبولاً، وتسبغ درجة من الحيادة وعدم التحيز تضمن ـ بشكل أكثر جدية ـ توفير حماية دولية للفلسطيني في مواجهة سياسة الابادة الجماعية التي يمارسها الكيان الصهيوني، ويمكن تحديد أهم البنود التي تضمنتها الوثيقة على النحو التالي: ـ المراقبة المستقلة ضرورية، وهذا يقتضى أن يكون لوجود المراقبين بعد دولي. ـ يمكن لآلية مراقبة حقوق الإنسان أن تتخذ شكل وجود دولي يحمل تفويضا من مجلس الأمن الدولي، وعوضا عن ذلك يمكن أن تشكل من دول قد تعرض مساعيها الحميدة في هذا المجال. ـ يجب أن يتمتع المراقبون بالمهارات والخبرات والامكانات اللازمة للمراقبة، وأن يعملوا وفق معايير الأمم المتحدة. ـ يكلف المراقبون بمراقبة تقيد أطراف النزاع بكل من المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني. ـ تقييد سياسات سلطة الاحتلال باتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، على ألا يجهض تطبيق القانون الإنساني الدولي، تطبيق المعايير الأساسية الدولية لحقوق الإنسان، خاصة الحقوق التي لا يمكن الانتقاص منها. ـ ويتكامل النظامان القانونيان في البند السابق ويعززا بعضهما بعضاً من أجل توفير الحد الأقصى من الحماية للأفراد. ـ يجب أن تتضمن صلاحيات آلية المراقبة اطلاع الرأى العام، والسلطات المسئولة على الانتهاكات لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي. ـ يوفر المراقبون الدوليون الذين يتمتعون بالحياد والخبرة والاستقلالية وسيلة عملية للمراقبة والتحقيق، والابلاغ، واحترام معايير حقوق الإنسان والقانون الانساني الدولي من جانب السلطات الحكومية أو الجماعات، ومن خلال وجودهم عند نقاط الاحتكاك ورفعهم للتقارير، سيوفرون حماية أفضل للمدنيين. ـ من المحتم جمع المعلومات التي تتسم بالدقة والحياد، ويجب على المراقبين الدوليين أن يراقبوا بصورة متواصلة النقاط التي تحدث فيها الاشتباكات، فضلا عن نقاط الاحتكاك الأخرى. ـ يجب أن تتضمن صلاحيات قوة المراقبين مهمة الضغط على الطرفين للمباشرة باجراء تحقيقات سريعة تتسم بالاستقلالية والحياد والشفافية، وانزال عقوبات تأديبية بالأشخاص الذين يشتبه بأنهم مسئولون عن ارتكاب عمليات قتل أو تقديمهم للعادلة. ـ يشكل المراقبون الدوليون رادعا للسلوك غير القانوني، ويمكنهم الاسهام في محاربة ظاهرة غياب المساءلة، والافلات من العقاب التي تشوب الوضع القائم. ـ يمكن لوجود المراقبين في مواقع رئيسية أن يساعد على ردع الهجمات على الطرق وتعزيز أمن الأشخاص، كما يمكن لهؤلاء المراقبين أن يضغطوا على السلطات المعنية لاجراء تحقيق وتقديم الأشخاص المسئولين عن هذه الاعتداءات الى العدالة. ـ يجب أن يتمتع المراقبون بصلاحية المراقبة المستمرة لسلوك قوات الأمن والأفراد أو الجماعات المسلحة في المناطق التي اعلنت أو باتت فعليا مناطق محرمة أو مناطق اطلاق نار بلا قيود. ـ ويجب أنه يتمتع المراقبون الدوليون بالاستقلالية، لكن مع حق الاتصال بصانعي القرار لدى كل جانب، وأن يملكوا الحق في التنقل متى دعت الضرورة ذلك لاداء مهامهم. يرفع المراقبون تقارير بالنتائج التي توصلوا اليها في فترات زمنية منتظمة لا يفصل بينها أكثر من شهر، ويجب نشر النتائج التي توصلوا اليها على الرأي العام، مع رفع تقرير حول الخطوات التي اتخذتها الأطراف المعنية لتصحيح السياسيات والاجراءات المسئولة عن الاتهامات، وفتح تحقيقات واتخاذ اجراءات تأديبية بحق الأشخاص المسئولين عن تلك الانتهاكات أو تقديمهم للعدالة. هكذا تقدم الوثيقة ـ كما استخلصنا ـ منظومة متكاملة لآلية المراقبة، وصلاحيات المراقبين، والمبادئ التي يعملوا على ضوئها، والضمانات التي ترشد أداءهم، بينما مازالت واشنطن تتكتم على خطتها السرية لارسال مراقبيها من الـ(سي. أي. أيه) لاتاحة أقصى مساحة زمنية لشارون لتنفيذ مخططاته! الاختيار الصعب أن عقد أي مقارنة بين خطة الولايات المتحدة السرية، والطرح الذي تتبناه الوثيقة المقدمة من منظمتي (العفو)، و(حقوق الإنسان) ، ترجح كفة الثانية لأكثر من سبب: ـ الوثيقة أقرب الى روح القانون الدولي بما توفره من ضمانات مقترحة. ـ الوثيقة تضمن تدويلاً للصراع. ـ الوثيقة تتجاوز الطابع الأمني الى توليفة تمزج بين الأمني والسياسي والإنساني. ـ الوثيقة توسع صلاحيات المراقبين، ولا تحصرها في الملاحظة أو المتابعة، بل تمنحها صلاحيات الحكم. ـ الوثيقة تحدد مرتكزات، هي بذاتها تكفل الحد الأدنى من النجاح لعمل المراقبين تتثمل في: الاستقلالية، الحياد، الخبرة، الشفافية، الدقة، وأخيرا حق الاتصال بصانعي القرار من الطرفين. غير أن ترجيح مبادرة على أخرى، أو تحسين شروط التنفيذ العملي، والضمانات المكفولة يتطلب تجاوز النيات الطيبة المضمرة، أو اصدار البيانات الى تحرك الدبلوماسيات، ودفع الأمور باتجاه ايجابي بعيدا عن فرض الشروط الأمريكية، أو الاستجابة للرغبات الاسرائيلية الفاسدة، واللاانسانية، والتي تخلو من أي منطق سليم. ليس مطلوبا أن يقبل العرب والفلسطينيون الاقتراح الأمريكي على علاته، أو ربط اتخاذ اجراء فعلي في مسألة المراقبة بموافقة وشروط الكيان الصهيوني، والا فانه ليس من حقنا الاحتجاج بعد ذلك على اداء المراقبين الأمريكيين غير المحايدين ـ حكما ـ كما أن انتظار الموافقة الاسرائيلية يمكن أن يعني في البداية تكرار مأساة رواندا، اذ انه مع التسليم بأن الاساس القانوني لعمل كافة عمليات حفظ السلام هو تراضي الاطراف المتنازعة، الا ان نماذج التدخل الانساني خلال المرحلة القريبة الماضية تؤكد أن فلسفة هذا النوع من التدخل، يمكن أن تقود الى تجاوز هذه المسألة التي تبدو متناهية في الضآلة، الى جانب انقاذ شعب من الابادة، والا فما معنى النظام العالمي الجديد؟ بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري