ما زال توني بلير (48 عاماً) يذكر اي احراج حشرته فيه زوجة أحد مرضى السرطان في الريف البريطاني بسبب تدني الخدمات الصحية وإهمال مثلائها البعيدين عن المحظيين في المدن. ولا عجب اذن ان يقر بلير بعد فوزه المدوي في مطلع الشهر الماضي بأن «أحداً لن يغفر له» اذا لم يتوصل الى رفع مستوى الخدمات العامة في بلاده. وسارع رئيس الوزراء البريطاني العمالي لتثبيت دعائم سياسته الاشتراكية الديمقراطية خلال خطاب الفوز في الثامن من يونيو. وبكل اصرار اعلن بلير انتهاء عهد الاشتراكية التصادمية التي هيمنت على ماضي الحزب، مؤكدا التزامه بالسياسات العملية التي «يندمج فيها الرأس مع القلب ويتوافق فيها الطموح مع التعاطف». وقال بلير في خطابه ان الناخبين منعوا حزب العمال هذا النصر الساحق للمرة الثانية «لأننا نتمتع بالشجاعة لتغيير انفسنا.. لنقول للشعب بإمكانكم ان يكون لديكم حزب سياسي يدير الاقتصاد على نحو صحيح وينخرط في التجارة دون ان يغفل تحقيق اهداف العدالة الاجتماعية ومبدأ توفير الفرص للجميع». وإذا كان تاريخ حزب العمال يضم عددا من الزعماء ممن فازوا في أكثر من انتخابات، فإن بلير هو أول رئيس وزراء من حزب العمال يمضي فترتين كاملتين في منصبه. كما أنه الأول الذي يحقق الانتصار الساحق مرتين متتاليتين في تاريخ الحزب الذي تأسس منذ قرن من الزمان. وقال بلير لأنصاره المتجمعين خارج مقره في لندن «هذه ليلة تاريخية لحزبنا» ـ مع معرفته جيداً ان اسمه هو الذي سيدخل كتب التاريخ. وكان الفوز بفترة ثانية هو الهدف الذي سعى بلير الى تحقيقه منذ فوزه برئاسة الوزراء عام 1997. وكان على استعداد لكي يصل الى ذلك لمواجهة وهزيمة تيار اليسار من الحرس القديم في حزب العمال، مستعيناً بأغلبية برلمانية بلغت 179 مقعداً لإسكات ألسنة منتقديه من عناصر هذا التيار. ويمكن القول ان بلير هو الذي اسس حزب العمال الجديد، وهو حزب قد يكون قد أقلع عن الأسلوب التصادمي القديم إلا انه بالتأكيد لم يتخل عن ولائه للطبقات الاقل ثروة في بريطانيا. ومتحدثا عن تجربته اثناء الحملة الانتخابية التي انتهت لصالح حزبه قال بلير انه التقى اناسا «لم يصل اليهم التغير بعد. فحياتهم اليومية نضال. وهم يتطلعون إلينا لنفعل المزيد من أجلهم». واستطرد بلير ان «هذا هو المتوقع منا والذي يجب ان نرقى اليه اليوم: لقد انجزنا الكثير ولكن ما زال امامنا الكثير لننجزه»، مرددا بذلك عبارة تعد الآن شعارا لحزب العمال الجديد. وقال ان هدف الحزب اليوم هو «انهاء النبذ الاجتماعي ومحاربة الفقر، وربما قبل كل شيء التأكد من اننا نتيح فرصا في الحياة ليس فقط لأشخاص قلائل على القمة بل للجميع بحيث يتسنى لهم الاستفادة من مواهبهم وقدراتهم التي حباهم بها الله». فهو يعتزم اشراك القطاع الخاص في المشروعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم كلما أمكن ذلك، بحيث تحصل الجهة المشاركة على ربح من جراء اشتراكها في هذه المشروعات، وهو مبدأ كان حزب العمال في الماضي يرفضه بشدة. ويراقب العديد من اليساريين بلير بحذر وهو يوجه البلاد الى الانضمام الى منطقة اليورو كما أعلن، وهو يتفق في ذلك مع اليمين الذي يود عزل بريطانيا عن بقية أوروبا.