نظمت شعبة المهن القانونية بحزب الأمة ندوة جامعة يوم الأربعاء الماضي 25 يوليو الماضي بدار الحزب الرحبة في أم درمان تحت عنوان: ثم ماذا بعد الموافقة على المبادرة المشتركة؟ هل يفاجيء السودانيون العالم للمرة الرابعة؟ والعنوان في حد ذاته يكشف عن الروح المتفائلة التي يدخل بها حزب الأمة في وحل السياسة السودانية، وقد يتحفظ أمثالي من المحللين على هذه الدرجة من التفاؤل، لكنه عنصر مهم بالنسبة للناشطين في الأحزاب حتى يستطيعوا الاستمرار في المسيرة رغم كل العوائق والمثبطات، وتعكس أحاديث الصادق المهدي والدكتور عمر نور الدائم درجة عالية من التفاؤل تحسدهم عليها قيادة النظام الحاكم! كان الحضور كثيفاً ومتنوعاً ومتميزاً حتى كدت أن أصدق مقولة أحد قادة حزب الأمة بأن الديمقراطية الرابعة قد أطلت علينا بالفعل، وشملت الدعوة للمشاركة ألوان الطيف السياسي: الزهاوي ابراهيم مالك (حزب الأمة)، أحمد عبدالرحمن (المؤتمر الوطني)، محمد اسماعيل الأزهري (الاتحادي الديمقراطي)، جبرائيل ماتور (جات)، غازي سليمان (جبهة استعادة الديمقراطية)، الطيب زين العابدين (إسلامي مستقل)، وختم الندوة الصادق المهدي. ساهم تنوع المتحدثين في انجاح الندوة من حيث حجم الحضور وتميزه واهتمام الصحافة بتغطيتها خاصة اذا ما قورنت بندوة الحزب الحاكم حول ذات الموضوع والتي عقدها قبل هذه الندوة بعشرة أيام لكنه حصرها في متحدثين من قادة الحزب فلا غرو ان كان جميع حاضريها تقريباً من آل البيت، وصدقت عليهم النكتة السياسية الانجليزية: إنهم يعظون المؤمنين! وكان الأولى ان يتوجه الوعظ لغير المؤمنين حتى يكسب الحزب تأييداً جديداً. افتتح الندوة الزهاوي بتأمينه على أن السودانيين سيفاجئون العالم مرة رابعة بإنجاح المبادرة المشتركة كما سبق لهم ان أجمعوا على إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 56، وأجمعوا على إسقاط الحكم العسكري في ثورة أكتوبر عام 64، وعلى إسقاط الحكم العسكري الثاني في انتفاضة ابريل 85. ودعا الأحزاب لنبذ الصراع والإقبال على الحوار في مائدة واحدة، وقال ان أجندة المبادرة هو نفس ما توصلت اليه الأحزاب (المعارضة) عدا بندي تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة، ونبه الى ان العالم لن يصبر طويلاً على كوارث أهل السودان من حرب ومجاعات ونزوح ويتكفل هو بإغاثة المتضررين، ودعا الى تغيير لغة الخطاب السياسي العدائي لأن القضايا أكبر من الأحزاب ومن مكاسبها المحدودة. دارت مداخلة الطيب زين العابدين حول كيفية تطبيق البنود العملية في المبادرة: تشكيل الحكومة الانتقالية وانعقاد المؤتمر القومي وإجراء الانتخابات العامة ووقف اطلاق النار، وذكر بأن نجاح المبادرة أو فشلها تقرره هذه الخطوات لذلك فإن الخطوة الأولى بعد الموافقة على المبادرة هو الاتفاق على كيفية تطبيق وتوقيت تلك الخطوات. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق اقتراح مفصل من دولتي المبادرة بناء على تشاور مكثف مع القوى السياسية الرئيسية في السودان، وأفضل منه ان ينعقد لقاء تحضيري من زعماء القوى السياسية التي قدمت لها المبادرة وقبلتها للتشاور حول كيفية إنفاذ الاجراءات العملية السابقة. والترتيب المنطقي للأحداث يتطلب ان ينعقد اللقاء التحضيري ويعلن في بدايته وقف إطلاق النار ثم يتم تشكيل الحكومة الانتقالية ومهامها، تحديد تكوين المؤتمر الجامع وأجندته وزمانه ومكانه ثم تحديد موعد الانتخابات القادمة على أن يتولى المؤتمر القومي اجازة قانون الانتخابات. وذكر المتحدث ان التمثيل في الحكومة الانتقالية والمؤتمر القومي ينبغي أن يكون مناصفة بين الأحزاب السياسية والعناصر الوطنية المستقلة لأن ذلك ادعى لعدم الاحتكاك ولإيجاد مناخ موات للوفاق ولإجراء انتخابات عادلة ومن الأفضل ان يمارس المؤتمر مهامه من خلال لجان متخصصة في القضايا المختلفة ولا يزيد دور الدولة المشاركة من المراقبة والتوسط في حال ظهور عقبات أمام المؤتمرين وضمان انفاذ الاتفاقات. شكر جبرائيل ماتور حزب الأمة على دعوته له وقال اننا نريد هذا البلد ان يكون موحدا ولكن لن يتم هذا الا اذا رفع الظلم والمرء حين يرفع السلاح لا يفعل ذلك حبا في الحرب ولكن لأن لديه مشكلة مستعصية، ونحن نريد السلام أولاً قبل الخوض في بقية المشاكل. أما غازي سليمان فقد أشار الى ان الظلم بدأ منذ عام 56 إلا ان الانقاذ تمثل قمة الفشل السياسي وبدون حل المشكلات المتطاولة لن نتمكن من بناء دولة ديمقراطية، وبناء الديمقراطية المستدامة يتطلب فصل الدين عن الدولة، ونحن نطالب بوقف الحرب ورفع الظلم وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، ودعا الصادق المهدي بصفته شيخ الديمقراطية في السودان لاقتلاع الحقوق المدنية من النظام القائم. وعبرت كلمة أحمد عبدالرحمن عن روح وفاقية معهودة فيه اذ قال انه يشعر بأنه غير غريب على هذا الجمع من حزب الأمة بل هو جزء منه، وثمّن مشوار الصادق المهدي الجديد في قيادة البرنامج الوطني ودعا لاستمرار الحوار بين الفصائل المختلفة لأن المسئولية مشتركة والمصير واحد، وليس صحيحاً أن يقال ان تاريخنا كله اخفاقات لقد ظلمنا الحكومات المتعاقبة بهذا القول. العقبة الكؤود امام وحدة السودان هي فقدان الثقة، وعلينا التركيز على حل مشكلة البلد الاقتصادية والأمنية وتحقيق الاستقرار الذي هو مفتاح التنمية والرفاهية، وقال لو كانت الصلة أوثق بين الأنصار والحركة الاسلامية لاستطاعا ان يحققا الكثير، ورفض فكرة فصل الدين عن الدولة فهي غريبة على مجتمعات المسلمين ان التحدي الحقيقي يكمن في توحيد ارادة السودانيين حتى ينتهي الصراع ويسود التعايش، والصراع ليس شمالياً جنوبياً فقط ولكنه جنوبي جنوبي وشمالي شمالي. محمد اسماعيل الأزهري ابتدر حديثه بشكر حزب الأمة على دعوته وقال ان روح الوصاية هي التي أودت بنا الى هذا الواقع المقيت، فلا أحد يرضى ان يكون مضاماً ومحقراً وينبغي أن نقبل بحكم الشعب في ولاية الحكم ولا نتهمه بالتخلف والجهل فنحن من نفس الطينة. وأشاد بالقوات المسلحة التي تفهمت احتياجات المرحلة وأيدت المبادرة. وطلب من الرئيس البشير ان يكون حكيماً في قيادة المرحلة المقبلة نحو الوفاق والحل السياسي الشامل. وقال آن للشعب السوداني أن يرتاح من سنوات الرهق والضياع ويتطلع الى مستقبل أفضل، والمبادرة تتيح لنا فرصة تاريخية ينبغي أن تغتنم. وكان ختام المسك في الندوة كلمة الصادق المهدي التي عبر فيها عن سعادته بمناخ الديمقراطية الرابعة التي يصطرع فيها الرأي بالرأي الآخر بنفس هادئة وقد كانت الشحناء غالبة حتى وقت قريب، وان الانقاذ قد تجاوزت سياسة الإقصاء والاستئصال. ونحن لا نريد سوى الاحتكام الى الشعب لذلك لا ينبغي لأحد ان يتحدث عن ثوابت تفرض على الآخرين ولكن لا بأس من ثوابت وطنية تتفق عليها القوى السياسية وتتضمن في ميثاق قومي. لقد كنا في موقف المنازلة ونحن الآن بصدد الحوار وكنا نتحدث عن الدولة الدينية ونتطلع اليوم الى الدولة المدنية الديمقراطية، وبدلاً من الانفصال نتشوق الى الوحدة الطوعية. ينبغي ان نركز الحديث بدلاً عن المسألة على معرفة الحقائق ورفع المظالم والاعتذار عن الجنايات وعن الاستعلاء الثقافي. الدين حقيقة سياسية ومعنوية ويستحيل فصله تماماً من الحياة العامة، ولكن في تفسير الدين هناك اجتهادات منكفئة وأخرى مستنيرة، الأجندة الوطنية التي نريد الناس ان تلتف حولها هي تحقيق السلام العادل وإحداث التحول الديمقراطي، ولدينا فرصة ان نتوصل الى ميثاق وطني قبل الانتفاضة لا بعدها كما كان يحدث في الماضي، يقول البعض اننا نهرول ونقول لهم نعم نحن نهرول. ولكن من أجل مصلحة السودان وندعو الآخرين للحاق بنا من أجل وقف نزيف الدم ومسح دموع الحزانى وتجاوز الواقع المرير. وكانت الندوة بحق حدثاً مضيئاً في ساحة السياسة السودانية تدفع الى الأمل بمستقبل واعد في مقبل الأيام. بقلم:د.الطيب زين العابدين