ورثت حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركة مثقلة بالديون التي كانت مستحقة على الاتحاد السوفييتي السابق كما ان سياسات البريستوريكا التي انتهجها ميخائيل جورباتشوف عقب انهيار الشيوعية والاصلاحات الليبرالية التي قام بها بوريس يلتسين، جعلت هذه البلاد من اكبر المدينين في العالم بعدما كانت تعد في السابق من الدول العظمى التي تعطى وتمنح. وبلغ حجم الديون التي ترهق الخزينة الروسية وتؤثر سلبا على الموازنة العامة وتعطل عمليات الاستثمار 160 مليار دولار في العام 2000 ويتوقع ان تصل الى 170 مليار دولار في نهاية العام الحالي. الامر الذي يفرض على موسكو ان تلهث وراء الصناديق الدولية لاعادة الجدولة كبقية بلدان العالم الثالث في حين يتطلب وضعها الدولي ان تكون قوية اقتصاديا لمواجهة قضايا الصراع الدولي خاصة مع الولايات المتحدة. تعتبر المديونية الخارجية واحدة من المعضلات الفعلية التي تقف أمام روسيا حيث تنفق موسكو مليارات الدولارات سنويا على خدمتها. وتؤثر هذه المديونية على الاستثمارات وتسديد الحكومة الروسية لالتزاماتها أمام مواطنيها، واللافت للنظر التأثير السلبي للديون الخارجية على ميزانية الدولة، ففي الوقت الراهن لا تتوقف هذه الميزانية على مقدار الضرائب والرسوم الجمركية المحصلة فقط بل أصبحت تتوقف قبل أي شيء على مدى نجاح الحكومة الروسية في الاتفاق مع الدائنين على تأجيل السداد وتحصيل ما يمكن تحصيله من القروض الجديدة لتمويل المديونية الخارجية، فمثلا في عام 1999م كان يجب على روسيا تسديد ما يزيد على 17.5 مليار دولار كديون خارجية ، بينما لم يزد حجم الإيرادات في ميزانية الدولة على 20 مليار دولار . ويرى البعض أنه في حال عدم حل روسيا لهذه المشكلة بشكل جذري ،فإن التنمية الاقتصادية سوف تتوقف وتصبح البلاد مفلسة، ومن ثم فإن خطر أزمتي 1992م و 1998م يصبح قابلا للتكرار بسبب هذه المديونية. هذا بجانب استخدام المديونية كأداة سياسية ضاغطة على روسيا في ما يتعلق بالكثير من القضايا الدولية وعلى رأسها قضية الاستقرار الاستراتيجي والدرع الصاروخية الأمريكية واحتمالات خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع الصاروخي لعام 1972م. تزايد الدين الخارجي خلال السنوات العشر الأخيرة تزايدت المديونية الخارجية المستحقة على روسيا بشكل كبير، ففي 1991م وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي كانت هذه المديونية حوالي 100 مليار دولار وفي بداية عام 2000م وصلت إلى أكثر من 160 مليار دولار . وتشير بعض المصادر غير الرسمية أن هذه المديونية ستبلغ نهاية العام الحالي 170 مليار دولار ومن ثم ستصبح روسيا من المدينين الكبار في العالم، ويؤكد البعض أن هذا الحجم المتزايد للمديونية الخارجية هو نتيجة مباشرة للبريستوريكا في عهد ميخائيل جورباتشوف وللإصلاحات الليبرالية في عهد بوريس يلتسين. تؤكد كافة البيانات المتاحة على أن بداية التزايد الفلكي للمديونية الخارجية السوفييتية كانت في سنوات «البريستوريكا» حيث تحول الاتحاد السوفيتي فيها من دولة مانحة(مقرضة)إلى دولة مقترضة على نطاق واسع . وفي الوقت الراهن يبلغ الحجم الإجمالي للديون السوفييتية حوالي 96.2 مليار دولار أمريكي . وكان نادي باريس هو المقرض أو الدائن الأكبر للاتحاد السوفييتي السابق، فمنذ منتصف الثمانينيات أقرضت الدول الغربية على نطاق كبير جورباتشوف، وتحتل ألمانيا المركز الأول بين دول نادي باريس التي أقرضت الدولة السوفييتية حيث تصل حصتها إلى حوالي 50% من إجمالي هذه المديونية. وفي سنوات البريستوريكا حصل جورباتشوف أيضا على قروض من نادي لندن الذي يضم أكثر من 400 بنك تجاري. وكانت النتيجة أن موسكو السوفييتية أصبحت مدانة لنادي لندن في الوقت الراهن بحوالي 30 مليار دولار، ويعود أكثر من نصف هذا المبلغ لبنوك ألمانية وإيطالية، علاوة على الديون السابقة اعترفت روسيا المعاصرة أيضا بديون الاتحاد السوفييتي المستحقة للدول الاشتراكية سابقا أعضاء منظمة التعاضد الاقتصادي «كوميكون» والتي تبلغ في الوقت الحالي 15.6 مليار دولار. كما أن روسيا مدينة أيضا بحوالي 10 مليارات دولار عن الاتحاد السوفييتي السابق لبعض الدول وبعض الشخصيات الاعتبارية الأجنبية الأخرى ، كما يتبين من الجدول رقم «1»: الديون المستحقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واصلت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الاقتراض من الخارج حيث بدأت تتشكل هذه المديونية الجديدة في عام 1992م، ثم تزايدت بسرعة ملحوظة، فخلال فترة الإصلاحات الليبرالية زادت هذه الديون بأكثر من عشرين مرة وبلغت في عام 1999م حوالي 46 مليار دولار ووصلت في بداية عام 2000م إلى 54.6 مليار دولار، كما يتضح من الجدول رقم «2»: ويتضح من الجدول رقم «3» أيضا أن صندوق النقد الدولي من أكبر المقرضين لروسيا في عهد الإصلاحات الليبرالية . ويمكن القول أن صندوق النقد الدولي توقف في الوقت الراهن عن إقراض روسيا وتحاول الحكومة الروسية الإيحاء بأنها لا تحتاج إلى هذه القروض نتيجة للنمو الذي يشهده الاقتصاد الروسي حاليا. غير أن هذا النمو يرتبط بشكل أساسي بزيادة أسعار النفط العالمية ويمكن له أن يتوقف في أي لحظة من اللحظات . الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي بجانب المديونية المستحقة على موسكو ورثت روسيا عن الاتحاد السوفييتي أيضا ديونا مستحقة له . لقد كان الاتحاد السوفييتي من أكبر المقرضين في العالم حيث تزيد الديون المستحقة على الدول الأخرى له على 150 مليار دولار أمريكي . ويوضح الجدول رقم«3» هيكل هذه الديون: يتبين من الجدول رقم «3» أن لدى روسيا 57 دولة مدينة لها (ديون موروثة عن الاتحاد السوفييتي) في الوقت ذاته تتوزع هذه المديونية بشكل متفاوت . فخمس دول فقط (كوبا ومنغوليا وفيتنام والهند وسوريا) مدينة بـ 57% من إجمالي الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي السابق . بجانب ذلك توجد 3 دول (أفغانستان وإيران وأثيوبيا) مدينة بـ 13% وأكثر من 10 دول تستحق عليها ديون كبيرة نسبيا تتراوح بين 2 و 4.5 مليارات دولار أمريكي . ويوضح الجدول أيضا أن العدد الأكبر من الدول المدينة لموسكو (39 دولة) تستحق عليها مديونية غير كبيرة نسبية تتراوح بين بضع عشرات وعدة مئات من مليارات الدولارات. والأمر الهام بالنسبة للديون الخارجية المستحقة للاتحاد السوفييتي السابق والتي ورثتها روسيا عنه أن أكثر من نصف هذه الديون تعتبر معدومة (غير قابلة للاسترداد) وتجدر الإشارة أنه في النصف الثاني من التسعينيات وقعت روسيا مع نادي باريس اتفاقية بشأن الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي السابق جرى بموجبها تقليص إجمالي هذه الديون بشكل كبير عن طريق شطب بعضها، ومن كل ما سبق أعلاه يتضح أن الديون المستحقة على روسيا تتساوى تقريبا مع الديون المستحقة لها، غير أن أخطاء القيادة السياسية والقائمين على السياسة الاقتصادية في روسيا أدت إلى المأزق الحالي المتعلق بالمديونية الخارجية. خطر التوقف عن التسديد وإعلان الإفلاس تمثل المديونية الخارجية وخدمتها عبئا كبيرا على الاقتصاد والمجتمع الروسي، الأمر الذي دفع وزير التجارة والتنمية الاقتصادية الروسي جيرمان جريف في ديسمبر الماضي إلى القول بأن روسيا قد تتوقف عن تسديد مستحقاتها المتعلقة بالديون الخارجية في عام 2003م . وأضاف أنه لكي تفي روسيا بالتزاماتها ينبغي إعادة جدولة ديونها بما في ذلك تلك الديون المستحقة لنادي باريس للدائنين .ومن المفترض أن تسدد روسيا 3 مليارات دولار في عام 2001م و حوالي 17.5 ـ 19 مليار دولار في عام 2003م . ويؤكد مدير المصرف الروسي«آلفا بنك» أن خطر إعلان عجز روسيا الكامل عن تسديد الديون لا يزال قائما بالفعل.ويرجع ذلك إلى عاملين: يتعلق العامل الأول بأسعار النفط والتي وفقا لبعض التكهنات ستنخفض في نهاية عام 2001 م إلى 15 دولارا للبرميل الواحد، أما العامل الثاني الذي يهدد بعجز روسيا عن الوفاء بالتزاماتها أمام الدائنين الخارجيين فيتمثل في الاستخدام السييء للإيرادات الحكومية عبر ميزانية الدولة . ويتفق مع هذا الرأي العديد من الخبراء الاقتصاديين الذين يرون أن الحكومة الروسية في الآونة الأخيرة زادت بشكل غير مبرر من نفقاتها. وتشير مؤسسة أبحاث الاقتصاد الكلي«يونيكو» إلى أن عدم حصول موسكو على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي سيمثل مشكلة أمام ميزانية الدولة في العام المقبل، وتضيف هذه المؤسسة في تقرير لها أنه لا يمكن لميزان المدفوعات الروسي الإيجابي الحالي أن يكون المعيار الوحيد لتنفيذ التزامات روسيا بخصوص الديون الخارجية .وتجدر الإشارة أنه وفقا لجهاز الإحصاء الروسي سيبلغ فائض الميزان التجاري لروسيا نهاية العام الجاري حوالي 66 مليار دولار في ظل حجم من الصادرات بمقدار 100 مليار دولار . وينوه بعض المحللين الاقتصاديين إلى أن ميزانية روسيا للعام المقبل أعدت على أساس اقتراض خمسة مليارات دولار منها 1.75 مليار من صندوق النقد الدولي وذلك في ظل تكهنات بانخفاض أسعار النفط. ويطالب البعض في روسيا بحل مسألة الديون الخارجية الروسية عن طريق إلغاء جزء منها. ولكن المستشار الاقتصادي للرئيس الروسي أندريه ايلاريونوف يرى إن مثل هذا الإلغاء أمر بعيد الاحتمال حيث أنه لا يمكن إدراج روسيا في عداد البلدان الفقيرة، وهناك من يرى أنه لا يبقى أمام روسيا إلا طريق إعادة جدولة ديونها الخارجية رغم أن هذا يؤدي إلى زيادة عبء الديون وينذر بأزمات جديدة في المستقبل، ويدلل هؤلاء على رأيهم بالإشارة إلى أنه جرى مرارا في السنوات الأخيرة تأجيل ديون روسيا المستحقة لنادي باريس وكانت النتيجة أن زادت هذه الديون من 38 مليار دولار في عام 1993 م إلى 48 مليار دولار في الوقت الراهن على الرغم من أن موسكو سددت خلال الأعوام السبعة الماضية 17 مليار دولار، فالمعروف أن الفوائد في حال تأجيل تسديد المديونية تضاف إلى المبلغ الأساسي لهذه الديون. وتحاول الحكومة الروسية في الوقت الراهن جدولة الديون الخارجية المستحقة على الاتحاد السوفييتي السابق للبلدان الأعضاء بنادي باريس للدائنين من خلال العمل على مسارين . يهدف المسار الأول إلى تأجيل مدفوعات المديونية المقررة في عامي 2001 و 2002م . أما المسار الثاني فيسعى إلى إعادة جدولة «استراتيجية» للمديونية لفترة تتراوح بين عشرين أو ثلاثين عاما، غير أن خبراء صندوق النقد الدولي يعتقدون بأن الفائض الحالي في ميزان المدفوعات الروسي لا يسمح بأي حال من الأحوال بالحديث عن إمكانية جدولة ديون روسيا، أي أنه ينبغي التسديد فورا وإلا إعلان « العجز» وبداية اتخاذ الإجراءات المصاحبة لذلك على المستوى الدولي. ولهذا يفضل البعض في روسيا أن يتم تسديد أقصى ما يمكن تسديده من المديونية الخارجية في الوقت الحالي طالما الظروف المالية مواتية نتيجة لارتفاع أسعار النفط العالمية. وتشير بعض المصادر أن الحكومة الروسية تدرك أفضلية تقليص حجم الديون الخارجية الآن ولكن هناك من يفكر أن هذا الأمر من شأنه أن يضعف مواقف موسكو عندما سترغب مستقبلا في الاتفاق بشأن إلغاء جزء من هذه الديون. غير أنه في جميع الأحوال سيتعين على روسيا تنفيذ التزاماتها بشق الأنفس وإلا سيحدث من جديد ما جرى في 17 أغسطس عام 1998م من أزمة مالية واقتصادية حادة. موسكو ـ «فاروق سعد الدين»: