لقد أثارت عملية تسليم رئيس يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفيتش لمحكمة مجرمي الحرب الدولية كثيراً من ردود الفعل المتباينة، خاصة التكيف القانوني للمحاكمة، في الوقت الذي رفض فيه المتهم الاعتراف بشرعية المحكمة، والاستماع لعريضة الاتهام في الجرائم المنسوبة اليه، وكذلك عدم قبوله مثول محام للدفاع عنه، كما أدى نجاح تهديدات وضغوط امريكا على حكومة يوغسلافيا، بتجميد المساعدات المالية لإعادة الاعمار، في حالة عدم تعاونها مع المحكمة بتسليم ميلوسيفيتش الى طرح سؤال عن مدى تأثر القضاء الدولي بالسياسة، ومن أهم ردود الفعل على محاكمته باعتبارها الأولى من نوعها لرئيس دولة جاءت اتهامات للمحكمة باتباعها سياسة انتقائية. حول هذه الموضوعات وأخرى أجرت «البيان» في لاهاي حواراً جريئاً مع الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض أول قاض عربي بمحكمة مجرمي الحرب الدولية ليوغسلافيا السابقة والذي تسلم مهام منصبه في اكتوبر عام 1995: ـ فتحت عملية تسليم ميلوسيفيتش مجالا لتوجيه اتهامات ضد المحكمة بأن سياستها انتقائية، حيث يوجد كثير من الشخصيات في العالم مطلوب تقديمهم للمحاكمة، منهم رئيس صرب البوسنة السابق كاردزيتش وقائده العسكري ميلاديتش، وهما على رأس قائمة المطلوبين منذ 6 سنوات، ومعروف اماكن تواجدهما لقوات حفظ السلام. ـ افهم من معنى هذا السؤال اننا نفضل فريقا على فريق، نحن نحاكم كل الجرائم التي تمت في يوغسلافيا السابقة خلال الفترة العصيبة التي بدأت في عام 1991، والتي تعتبر بالنسبة لنا ممتدة والمحكمة انشئت لمحاكمة كل من ارتكب جرائم ضد الانسانية في هذه الحرب، وفي منطقة البلقان التي توجد بها يوغسلافيا السابقة، وذلك بدون النظر لتحديد الفئة التي ينتمي اليها، وحاكمنا صربيين وكروات ومسلمين، أي شخص تثبت ضده ادلة قاطعة بأنه ارتكب جرائم ضد الانسانية، أو جرائم حرب، يقع تحت طائلة المحكمة بلا أدنى تفرقة، وما حدث هو ان لدينا غالبية المتهمين صربيون بنسبة 75%، و35% كروات، و5% مسلمين، وهذا يعود لما امكننا تحقيقه في الميدان نفسه والحصول على ادلة تثبت الجرائم، واختلاف هذه النسب لا يعني على الاطلاق وجود ثمة تحيز، أي شخص تثبت ضده أدلة لارتكاب جرائم حرب أو ضد الانسانية في هذه المنطقة، حتى لو لم يكن من اصل يوغسلافي يقع تحت طائلة المحكمة والعقاب، حيث كان يوجد في الحرب متطوعون من بلاد كثيرة «لا داع لذكرها» الآن. الانتقائية ـ لكن السبب الأساسي فيما تردد عن اتهامات بخصوص وجود سياسة انتقائية، هو ان الضغوط السياسية الأمريكية نجحت بتهديدها تجميد المساعدات المالية التي تحتاجها يوغسلافيا لإعادة الإعمار، وذلك قبل ساعات قليلة من عقد مؤتمر الدول المانحة في العاصمة البلجيكية بروكسل، بينما المحكمة فشلت وحدها في إرغام الحكومة اليوغسلافية على تسليم ميلوسيفيتش. ـ يجب أن يكون الموضوع واضحاً في ذهننا، فهذه المحكمة قد انشأتها الأمم المتحدة، وليس لديها قوات بوليس دولية، «أي آلية ضبطية» تمكنها من القبض على المتهمين المطلوبين للمحاكمة، وهذا هو الفرق بينها وبين محكمة في أي دولة، فالقضاء في أي بلد بالعالم يقف وراءه كل سلاح الدولة، من قوة ضبطية تستطيع ان تأتي بالمتهم من أي مكان. ـ ألم تتبع محكمة مجرمي الحرب الدولية هيئة الأمم المتحدة، وهي المنظمة الدولية التي لها قوات عسكرية في أماكن يوجد بها متهمون مطلوبون؟ ـ كما قلت المحكمة جاءت للوجود بمعرفة الأمم المتحدة.. نعم لهذه الهيئة قوات عسكرية لحفظ الأمن والسلام والمراقبة، وقد يكون لها مهام أخرى، لكن ليس للمحكمة قوات بوليس دولي ذات صلاحيات شرطية ضبطية، وقوات حفظ السلام في البوسنة كانت معرضة للخطر، وتحاول مساعدتنا قدر الإمكان، لكن في اطار الأمن اللازم لوجودها واستمرار مهامها الأساسية، وبالفعل ساعدتنا، وإلا كيف استطعنا محاكمة العديد من المتهمين منذ 8 سنوات، وطبعاً في حدود انها قوات غير هجومية كما أوضحت، وأوضح بأن دور القوات الدولية وطبيعتها سلمية، فكان هناك صعوبة في الوصول للمتهمين الكبار، وحقيقة في بداية الأمر كانت يد المحكمة تصل للمتهمين متوسطي الأهمية، لأنه لم يكن هناك جيش يدافع عنهم ويحميهم، أما المثل الذي ذكرته انت بالنسبة لرئيس صرب البوسنة السابق كاردزيتش وقائده العسكري ميلاديتش فوراؤهما جيش الصرب الذي يعتبر من اقوى جيوش اوروبا، فكان لابد من قيام حرب دولية حتى نصل لهما. ـ إذن هذا هو المانع الذي وقف حائلاً دون تدخل قوات «سفور» الدولية للقبض على كاردزيتش وميلاديتش؟ ـ بالطبع.. لأن امامهما قوة لا يمكن التغلب عليها، حيث يقف وراءهما سند قوي من الجيش، ربما بدأ هذا السند يزول نسبيا في الوقت الحالي، وكلما تراجعت نسبة انصارهما والمؤيدين لهما، وتخلت القوات التي تقف وراءهما عنهما، كلما ارتفعت تزايدت فرصة وقوعهما في قبضة المحكمة تحت طائلة القانون الدولي، أو يقوما بتسليم انفسهما طوعياً، لدينا بالسجن رئيسة وزراء سابق للبوسنة سلمت نفسها للمحكمة، كما يوجد لدينا عدة اشخاص اخرين جاءوا الى لاهاي بمحض ارادتهم لإثبات براءتهم، وطبعا المحاكمة ستأخذ دورها، وتستغرق مدة طويلة جداً. كاردزيتش ـ هل توجد فرصة في القريب العاجل للقبض على كاردزيتش وميلاديتش؟ ـ هذا في علم الغيب.. لكن حسب المعطيات الموجودة تبين ان القوات التي تحميه تتخلى عنه، ان دولته تتعاون مع المحكمة، لأن النقطة المهمة جداً هي مدى تعاون الدولة الموجود بها المتهم مع المحكمة، الآن تتعاون حكومة البوسنة مع المحكمة تعاونا كاملا، ولذلك حينما يصدر اتهام ضد احد، بأوامر بالقبض على شخص متهم ما نجد من البوسنة المساعدة، كذلك التعاون الحقيقي في الحصول على الادلة، وهو امر صعب للغاية، لأنه عادة تكون عناصرها الأساسية لدى الارشيف الحربي، أو تخرج من المقابر، وهذا لا يتحقق الا بمساعدة الدولة نفسها الموجود بها الادلة أو المتهمون، وهناك اتفاقيات مع الدول المختلفة، ومع البوسنة، ومؤخراً حتى مع الصرب، وكرواتيا، فكلما توافر التعاون من قبل الدول اصبحت مهمة المحكمة اكثر سهولة، ويساعدها في التوصل للمتهمين. ـ هل تفتح عملية محاكمة ميلوسيفيتش الطريق امام القانون والمجتمع الدولي لمحاكمة قادة وزعماء آخرين متهمين بارتكاب جرائم في حق الشعوب، سواء جرائم فساد أو إنسانية؟ ـ نعم.. هذا هو بيت القصيد، محكمة يوغسلافيا السابقة هذه هي مؤقتة، ودورها في التاريخ مؤقت، لكن رسالتها أبدية، لأنها أرست حجر الأساس لمجتمع دولي متحضر، حيث كان المجتمع الدولي قبل انشائها كان مجتمع الغاب، اذا ما قورن بالمجتمعات الداخلية، ففي مجتمع أي دولة اذا سرق شخص رغيف خبز تستطيع السلطات القبض عليه وتقديمه للمحاكمة ومعاقبته، فالناس ترتدع، وتعرف بوجود قانون وآمنين، أما في المجتمع الدولي منذ بدء التاريخ فيأتي طاغية يقضي على الملايين، ويبيدهم ويظل على العرش، على رأس السلطة يزداد قوة وبطشاً، ولدينا أمثلة على ذلك.. هتلر.. وأيام جنكيز خان.. أو قبله، أما اليوم فوصلت رسالة لهؤلاء الأشخاص الذين تراودهم انفسهم، أن يعيثوا في الأرض فساداً أو يهينوا آدمية الانسان، فحوى هذه الرسالة انهم ليسوا فوق القانون، ولا أحد مطلقاً فوقه في المجال الدولي، وهذا هو أهم تحول تاريخي، وكونها طبقت الآن على يوغسلافيا، ومن قبل في افريقيا فقط بالمحكمة الاخرى التابعة لنا في رواندا، فهذه بداية سبقها تمهيد وإعداد لإنشاء محكمة مجرمي حرب دائمة، وبالفعل تمت اتفاقية روما بهذا الخصوص، وأصبح لها لائحة خاصة ونظام أساسي.. حقيقة لم تر النور حتى الآن، الا انها في طريقها للظهور.. وأضيف بأن محكمة يوغسلافيا الدولية في لاهاي، والتي أشرف بالانتماء لها، تعود أهميتها الى انها لا تقوم فقط بمحاكمة من ارتكب جرائم حرب، أو ضد الإنسانية في منطقة معينة، ولكنها وضعت حجر الأساس لصرح عام هام وأبدي، وهو أنه لا يوجد شخص فوق القانون أو رئيس ما كيفما كان قوياً، ولا شك ان سجين المحكمة الآن المتهم ميلوسيفيتش كان رئيساً من أقوى رؤساء الدول في أوروبا، وراءه جيش يوغسلافيا الذي يشار اليه بالبنان. تكييف قانوني ـ حينما عرض ميلوسيفيتش مؤخرا على قاضي التحقيقات، قال انه لا يعترف بشرعية المحكمة اذ ما هو التكييف القانوني حول هذه المشكلة؟ ـ أظن لا يُستغرب من أي متهم ان يقول بأنه لا يعترف بشرعية المحكمة، وحتى وهو بداخل السجن يستطيع عدم اعترافه بالسجن، وكل هذا لا قيمة له.. فالواقع انه يحاكم، كما انه سجين رهن التحقيقات، وقافلة العدالة تسير، مهما نبحت الأصوات تعارضها، أو تنفي وجودها تمارس حماية المجتمع الدولي، ومن أهدرت دماؤه أو كرامته الانسانية بأي صورة، فالقانون الدولي يسير قدما للأمام، والمتهمون سيشككون فيها، ويرفضون الاعتراف بها، ولكن كل هذا كما قلت لا قيمة له مطلقاً، طالما ان هذه المحكمة انشأتها الأمم المتحدة التي تمثل الانسانية جمعاء، ولم تنشئها دولة ما، أو المنتصر ضد المهزوم كما حدث في محكمة «نورنبرج» محكمتنا هذه أنشأها المجتمع الدولي بأسره، فلا قيمة لمن يزعم عدم اعترافه بها. ـ وهل في حالة استمرار ميلوسيفيتش بإصراره عدم الاستعانة بمحام للدفاع عنه، ستقوم المحكمة بانتداب محام له؟ ـ هذه كلها امور تبحثها المحكمة ولم تحسم بعد.. ولا أستطيع الحديث عنها الآن. ـ لماذا اعتبرت المحكمة تسليم ميلوسيفيتش نصراً للعدالة الدولية؟ ـ هذا واضح للعيان.. لأن المحكمة استطاعت ان تصل اليه وان تحاكمه وهو منتصر، فالصرب كانت صاحبة الأمر والنهي في حرب البوسنة صاحبة جيش قوي، وكان رئيسها في السلطة.. وهو حي، فحينما يقع تحت طائلة القانون، فهذا الأمر رسالة لأي رئيس منتصر، تقول له بأن نصرك هذا لن يحميك من العدالة. ـ ما هي القضايا المهمة الأخرى ـ غير ميلوسيفيتش ـ التي ستفصل فيها المحكمة قريباً؟ ـ توجد قضية الآن لمحاكمة قائد عسكري في جيش صرب البوسنة بمنطقة سربينتشيا، وهي تعتبر من أهم وأفظع المذابح التي حدثت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ـ أخيرا.. هل يتأثر القاضي بالسياسة أو ما ينشر في وسائل الإعلام؟ ـ أبداً.. أبداً.. لدرجة اننا حتى نسعى لعدم متابعة اي قضية ننظرها في وسائل الاعلام, وهذا اتفاق بين القضاة، حتى لا نتأثر بالعالم الخارجي، والقضاة تم اختيارهم وانتخابهم من كافة قارات العالم، من الصين، أوروبا، آسيا، الأمريكتين، العالم العربي الذي أنتمي إليه، فلا يمكن ان يتأثر أشخاص ينتمون للعالم كله بالسياسة. أجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي