يناضل التجمع الوطني الديمقراطي بين نارين في ظروف الانتماء للأمة العربية والشعب الفلسطيني وفي ظروف المواطنة الإسرائيلية كمعطى. والعمل بين نارين منهك ومضن في المدى المنظور، ولكنه مفيد ومبلور ومفلوذ على المدى البعيد، لأن الفكر السياسي في هذه الحالة يشق طريقه ويوجه الممارسة ضمن مجموعة متناقضات قلما تجتمع في عالمنا «ولا تكرهوا شيئاً عله خير لكم»، وخصوصية التجمع الوطني الديمقراطي التي تجعله يجمع بين القومية والديمقراطية وبين الليبرالية في المواطنة والحقوق الجماعية، وبين الانتماء الأصيل للأمة والثقافة العربيتين وبين فكر التنوير النقدي الذي يرفض تحويل الثقافة الى فولكلور جامد، ويرفض التعامل مع الأمة والقومية كجواهر ثابتة، هذه الخصوصية يكتسبها ويطورها التيار القومي الديمقراطي في الداخل من خلال لقاء وصراع الأضداد. ولا يشمل صراع الأضداد دائماً حالة بطولية يعبر فيها النضال السياسي عن تناقض وجودي، وهذه الحالة قائمة في صراعنا مع الصهيونية ولكن قد يتخذ هذا الصراع أشكالاً مشوهة وهزيلة عن بؤس الحالة السياسية في أوساط الأقلية العربية وأذنابها للإعلام الإسرائيلي والمؤسسة الاقتصادية السياسية الإسرائيلية. ويتجلى هذا البؤس بأفظع أشكاله في ثقافة الوشاية الموروثة من أيام الخوف، أيام الحكم العسكري والذي رزح في ظله عرب هذه البلاد حتى عام 1966. وما زال بعض المرتبطين بالمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، مصلحة وثقافة، يستخدمون هذه الأداة في محاربة التيار القومي، وذلك بترجمة مواقفه القومية الى العبرية والاشارة الى ان وجوده في الساحة السياسية العربية يؤدي الى حالة مزاودة وتنافس بين الأحزاب العربية باتخاذ المواقف المتطرفة. والرسالة التي يبثها هؤلاء تارة بالهمس والغمز واللمز، وطوراً بالتصريح العلني للاعلام الإسرائيلي هي: «ان التجمع الوطني الديمقراطي متطرف وغير مسئول ويجر الساحة العربية الى التطرف، وحتى الى انفصال العرب عن جسم الدولة» ـ أو «ان تحذيرات رئيس الشاباك في تقرير للجنة الخارجية والأمن عن التجمع الوطني الديمقراطي والنائب عزمي بشارة لا تصح للتعميم على الجميع».. وغير ذلك من التصريحات الذاهبة الى عزل التجمع باعتباره متطرفاً فيسهل ضربه واتخاذ اجراءات ضده من قبل إسرائيل. نفس العقلية وفي بعض الأحيان نفس القوى المذنبة لليسار الصهيوني والتي تتهم التجمع بالتطرف والراديكالية والقومجية، تبث للعالم العربي أن التجمع يعترف بشرعية دولة إسرائيل، وان طرحه الديمقراطي المعادي للصهيونية «دولة لجميع المواطنين»، هو دعوة صريحة للاندماج في جسم الدولة العبرية... ولا يضير هذه القوى ان تتلقف الكلام قوى عربية قد تناقش التيار القومي في الداخل من منطلق عدم استيعابها لتطوير الفكر القومي الذي يقوم به في ظروف المواطنة الإسرائيلية، ولكنها تتناقض تناقضاً كاملاً مع القوى السياسية المتذيلة لليسار الصهيوني وللمؤسسة الإسرائيلية والتي تحارب التجمع على هذا الأساس. كل هذا غير مهم. فالحركة بركة، والمهم إضعاف التيار القومي المستحوذ على العقول ومهاجمته من كل زاوية ممكنة. ولكن هؤلاء لا يدرون ماذا يفعلون. فإنهم أولاً، يجعلون طرح التيار القومي محور النقاش. وهو خارج دائرة النقاش الفكري، إما لأنهم يكتفون بالممارسة اليومية المصلحية الزاحفة التي تعبر عن ذاتها بفكر مبلور، وإما لأن طروحاتهم السياسية تقع خارج دائرة الشرعية الوطنية التي تثير نقاشاً داخلياً. وانهم ثانياً، يضطرون التيار القومي الديمقراطي لتطوير طروحاته باستمرار في مواجهة الاسئلة المثارة والآراء المسبقة، وقد تثار عن حسن نية أو عن سوء نية أو عن جهل ـ وهذا لا يغير مبدئياً نوع الإجابة عليها. نأخذ مثلاً على ذلك موقف التيار القومي في الداخل من انتخابات الكنيست: والمعروف انه ينتمي لهذا التيار ناشطون سياسيون كانوا في الماضي يرفضون خوض الانتخابات للبرلمان الإسرائيلي أو المشاركة فيها بالتصويت، وآخرون كانوا يشاركون ضمن قوائم مثل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وقبلها الحزب الشيوعي والحركة التقدمية وغيرها. ومن المعروف ان الحركة الإسلامية في الداخل تخوض انتخابات الكنيست بأحد شقيها، أما الشق الثاني فيشارك أفراده بالتصويت والاقتراع (أي لا تقاطع الانتخابات رسمياً) وإن كان لا يخوض الانتخابات بقائمة خاصة به. لقد قرر التجمع الوطني الديمقراطي خوض الانتخابات البرلمانية بعد مخاض طويل ونقاشات مضنية منشورة وغير منشورة. ولكن القرار جاء طبيعياً ودون اعتراضات على المبدأ حتى من قبل أولئك الذين لم يتحمسوا للفكرة، لقد وقفنا في حينه أمام حالة من تأزم الأمور وتشظي الحركة الوطنية في الداخل وتحويلها إلى هامشية وعاجزة عن التأثير على مجريات الأمور على الساحة العربية. وإزاء ما شخصناه على انه حالة أسرلة زاحفة تتمثل بتحول مطلب المساواة الى مطلب اندماج على هامش المشروع الصهيوني، بما يشمل ذلك من إسقاطات على الثقافة الوطنية والمواقف السياسية، وبما في ذلك من مظاهر تأزم العلاقة مع الذات المعبر عنه في نشوء شخصية «العربي الإسرائيلي» المنفصمة قررنا أن الطريق الوحيد للتأثير هو طرح التيار القومي الديمقراطي للمنافسة في الانتخابات كطرف سياسي ذي علاقة بواقع العمل السياسي الذي يريد تغييره. فمقاطعة الانتخابات لا تؤدي بالجماهير الى مقاطعتها، بل الى تهميش من يدعو لذلك من الجماهير التي تبقى فريسة أسرلة تفرضها العملية الانتخابية التي تغيب عنها محاذير وثوابت التيار القومي فتنشد باستمرار نحو تقليد نمط خطاب اليسار الصهيوني الذي يوفق بين «الاندماج» في دولة اليهود وبين قبول كيان (دولة) فلسطينية مستقلة «إلى جانب دولة إسرائيل»، ومنذ أن قرر التيار القومي المشاركة في الانتخابات تحولت طروحاته الى موضوعات متداولة في النقاش في الشارع وانتشرت كالنار في الهشيم، وبدلاً من ان يشد اليسار الصهيوني الخارطة السياسية العربية إليه، تغير الاصطفاف بحيث بات ينشد باتجاه التيار القومي وأحد التعبيرات عن ذلك هو تقليد خطاب هذا التيار ومناقشته بحدة أو الوشاية به في الوقت ذاته. ولكن الأساس ان طروحاته هي محور النقاش الدائر. لم يخلق التيار القومي الديمقراطي الوطنية ولا القومية في الداخل، ولكن لا يستطيع إلا سيئ النية ان ينكر انه منذ ولج التجمع الوطني الديمقراطي مجال السياسة بمعناها الحقيقي كمتنافس بين طروحات أخرى، تغيرت الثقافة السياسية لدى عرب الداخل وتطور النفس الوطني الكفاحي النضالي وبدأت تتشكل حالة رفض للأسرلة باتت مقلقة لإسرائيل. وصحيح ان الشق اليميني للمؤسسة الصهيونية يحرض ضد كل القوى السياسية العربية، ولكن اليسار الصهيوني لا يحرض إلا على التجمع الوطني الديمقراطي لأنه يدرك الفرق الذي أحدثه التجمع، في حين عمى الألوان المصاب به اليمين من رؤية الفرق. وما كان بإمكان التيار القومي ان يدخل البعد القومي بالوعظ والإرشاد من خارج واقع الجماهير المعاش. وواقع جماهير عرب الداخل المعاش هو واقع المواطنة الإسرائيلية غير المتساوية، وردة الفعل الطبيعية الأولية عليها وهي مطلب المساواة، وما كان بإمكان التجمع أن يثبت للجماهير ان المساواة للعرب غير ممكنة في «دولة اليهود» إلا إذا وقف معهم على قاعدة هذا المطلب باعتباره شرعياً، فلكي يطلب التيار القومي من الجماهير ان تحمل الهم الوطني والقومي عليه هو أن يحمل هم الجماهير. بقلم: د. عزمي بشارة