ذات يوم من أيام شهر اكتوبر 2000 وعند مدرج دار البلدية في مانهاتن بدأت هيلاري مؤتمرها الصحفي بشكل عادي، ومن أجل جلب أصوات الناخبين اليهود الحاسمة في نيويورك جاءت كي تدافع عن قضية السجناء الايرانيين اليهود الثلاثة عشرة بتهمة التجسس لصالح اسرائيل، وكانت هذه المبادرة قد أتاحت لها ان تلتقط صورة إلى جانب اليهودي ذي النفوذ الكبير «مالكوم هونيلن». وفي مناسبة أخرى، وأمام أقوى جمعية أمريكية داعمة لإسرائيل تحدثت المرشحة هيلاري كلينتون لمدة ساعة كاملة، وأكدت من جديد دعمها غير المشروط لاسرائيل، وقالت: «علينا ان نفرض على ياسر عرفات التخلي مباشرة عن العنف (تصفيق) ولم يكن ضرورياً أكثر مما هو اليوم ان يوحد الشعب الأمريكي صوته ليعبر عن دعمه للحكومة الاسرائيلية». وذكرت هيلاري عدة مرات صديقها «ايلي فيزل» الحائز على جائزة نوبل للآداب والصهيوني المعروف، والذي كان حاضراً بين المدعوين، حيث كانت الصحافة النيويوركية تحتوي كل يوم على «كادر» اعلاني يحتوي على صورة الكاتب ويدعو لانتخاب هيلاري كلينتون. استطردت قائلة: «لقد تعزز التزامي منذ رحلتي الأولى إلى اسرائيل مع بيل عام 1981، ولقد فهمت أهمية القدس، لذلك أؤيد نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إليها قبل نهاية هذا العام (تصفيق). وقد تحدثت هيلاري طويلاً عما ذكرته «نيويورك دايلي نيوز» المناوئة لها باستمرار بأنها قد قبلت مساهمة مالية من مجموعة إسلامية أمريكية في حملتها الانتخابية مما أثار نقاشا كبيراً على أساس ان هذه المجموعة المعنية تشجع العنف. وسرعان ما قامت اللجنة الانتخابية بإعادة الأموال لكن الجمهوريين أطلقوا حملة منظمة بالهاتف حملوا فيها هيلاري المسئولية عن العملية التي استهدفت أمريكيين في اليمن. أمام هذه الحملة قالت: «هذه أساليب خسيسة! وقد اعترف ريك لازيو هذا الصباح بأنه ما كان ينبغي لتلك النداءات الهاتفية أن توجد، ولكنه قدم بعد الظهر فيلماً دعائياً يحتوي على نفس التوجهات». «اننى أرفض الدعم المالي من أية جهة جاء إذا كانت تشجع العنف أو تؤيد الارهاب أو تتسامح حياله، وقد قمت غالباً بمواساة أهالي أولئك الذين فقدوا حياتهم في أعمال ارهابية، وبكيت مع عائلات ضحايا انفجار أوكلاهوما. واحتفظ على مكتبي بصورة لطفلين نجيا من العملية كي لا أنسى أبداً. وانه لمن السهل كثيراً بالنسبة لأولئك الذين لم يعرفوا مثل هذه التجارب ان ينشروا الاشاعات. وكيف يتجرأ ريك لازيو على الاشارة بأنني أشجع العنف والارهاب؟ هذا أمر مخجل ولا يليق به ولا يليق بانسان يأمل بأن يخلف دانييل باتريك موانيهان في مجلس الشيوخ (تصفيق). ان مثل هذه التكتيكات لا مكان لها في ديمقراطيتنا». وبعد عدة أيام تم الكشف بأن المرشح الجمهوري قد التمس هو أيضاً المال من نفس الجمعية الاسلامية التي احتفظت بالرسالة التي وجهها لها. مراسل «دايلي نيوز» لاحظ أثناء بث على القناة التلفزيونية «نيويورك وان» بأن تركيز هذه الحملة الانتخابية على الناخبين اليهود أمر استثنائي بالفعل، إذ قد يتبادر إلى الذهن بأن ريك لازيو وهيلاري كلينتون مرشحان لانتخابات الكنيست!». ولم تنس هيلاري ان تذهب أيضاً إلى الكنائس، كما حدث ذات ليلة في شارع بروكلين حيث حضرت المرشحة الديمقراطية القداس في احدى الكنائس مع جمهور كله من السود، وقالت في كلمتها: لقد رأيت اليوم أطفالاً يتنزهون على الدراجات في شارعي بروكلين وكوين، وتذكرت فترة ليست بالبعيدة، حيث كانت هذه الأمكنة خالية ومهجورة. «ان الأمور قد تغيرت كثيراً خلال ثمانية أعوام، وبلادنا هي أقل انقساماً على نفسها، وتعزز مفهوم تساوي الفرص وتراجعت نسبة الاجرام. ان الافارقة ـ الأمريكيين يعرفون اليوم أقل نسبة من الفقر ومن البطالة في تاريخهم ـ وأبواب الجامعات مفتوحة أمام الأقليات». ان بيل كلينتون هو الرئيس الأمريكي الأكثر شعبية بين صفوف السود، ولذلك تردد اسمه أمامهم وكان التصفيق يتردد أيضاً، كانت هيلاري تدرك وكان المحللون السياسيون يكررون بأن فوزها يتعلق أولاً بالتوصل إلى تعبئة الأقليات. والناخبون السود القريبون تقليديا من الديمقراطيين لا يشاركون في الانتخابات إلا بنسبة ضئيلة، لذلك تحدثت إليهم هيلاري بقوة وببساطة قائلة: «لا تركنوا إلى استطلاعات الرأي ، فليست هي التي تقترع وإنما البشر. وكيف يمكن لأولئك الذين يقومون بها ان يعرفوا لمن سوف تقترعون؟ انهم لم يوجهوا الأسئلة لكم أنتم بالذات، وغداً عندما سيسألكم أصدقاؤكم ماذا فعلتم مساء الأمس فعليكم ان تجيبوا: كنا في الكنيسة من أجل التعبئة للانتخابات. أريدكم أن تتحدثوا للآخرين وأن تطلبوا منهم إذا كانت أحوالهم قد تحسنت خلال السنوات الثماني الماضية، وماذا ستقولون لأصدقائكم وجيرانكم الذين لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع؟ إننا جميعاً نحب الشكوى، والأمريكيون يعتبرون هذا بمثابة حق، لكنني أعتقد بأن أولئك الذين لا يقترعون يفقدون هذا الحق». وتوجهت هيلاري أيضاً نحو مجموعة أنصار البيئة برفقة أحد أبناء روبرت كينيدي نائب رئيس الرابطة النيويوركية لحماية الناخبين، وهي رابطة غير حزبية، وإنما تعطي توجيهات حسب الالتزامات الملموسة للمرشحين، هكذا دعمت في السابق ديمقراطيين وجمهوريين وفي ولاية تعتبر نسبة 72% من ناخبيها ان حماية البيئة بمثابة أولوية قومية يغدو دعم الرابطة مهماً جداً. وقد قالت هيلاري أمام جمع من المثقفين من أنصار حماية البيئة: «تمتلك نيويورك تقاليد عريقة في ميدان حماية البيئة، وإذا حالفني الحظ بالفوز في هذه الانتخابات فإنني سوف أفعل كل ماهو ضروري كي تعطى الأولوية للمحافظة على نقاء الهواء والماء والمحافظة على الموارد الطبيعية. فسألها أحد الحضور: «السيدة كلينتون، ان اهتمامك بالبيئة حديث العهد، فما الذي دفعك لمثل هذا التحول؟» أجابت: «لم يكن ذلك تحولاً وإنما اعترافاً، ولقد عملت طيلة مسيرتي المهنية من أجل تحسين ظروف حياة الأطفال في بلادنا، وعندما نريد فعلاً تغيير الحياة فإنه من المستحيل تجاهل مشاكل التلوث في الهواء والماء، لا يمكن الفصل». ولم تتردد هيلاري أيضاً بالاشارة إلى شعارات حماية البيئة التي كان خصمها يرفعها قائلة: «يمكن الاقتراع على قوانين الحديث عن البيئة، ولكن إذا لم يتم تكريس الميزانيات المطلوبة لها فإنه لا يمكن اعتبار المرء بطلاً في هذا الميدان». وبعد دور البيئة جاء دور الايرلنديين الذين يشكلون نسبة لا يمكن اهمالها في مدينة نيويورك، وقد ذكرت هيلاري بأنها زارت ايرلندا أربع مرات بصورة رسمية أو شخصية، وقالت: «ان المسألة الايرلندية هي في طليعة اهتماماتي الشخصية، إن هذه المدينة وهذه الولاية وهذه الأمة قد تم بناؤها بعرق وعمل وآمال وأحلام أجيال من الأيرلنديين ـ الأمريكيين». ومنذ بداية شهر سبتمبر 2000 كانت الحملة الانتخابية قد استعرت، ولم تظهر علائم ذلك الاستعار في مانهاتن أو في المدن الصغيرة للولاية حيث كان يمكن ملاحظة عدم وجود أية علامة تدل على الانتخابات إلا في الأوقات القصيرة التي تستغرقها زيارة هذا المرشح أو ذاك. لكن ساحة المعركة الحقيقية كانت على «مستطيل صغير» تمثله شاشة التلفزة. فالقنوات التلفزيونية المحلية والقومية كانت تكسب ملايين الدولارات من الدعايات الانتخابية السياسية من كلا الطرفين، وكان كل أسبوع يشهد دعاية جديدة يتم فيها استخدام كل الوسائل من أكثرها تربوية إلى أكثرها عدوانية، ولكن دائماً بحثاً عن هدف واحد هو توجيه النقاشات العامة، هكذا جاء في احدى تلك الدعايات الصادرة عن معسكر «لازيو» وبدون الاهتمام بأية كياسة في الحديث، ما يلي: «كيف يمكنكم ان تثقوا بهذه المرأة؟». وترافقت هذه الجملة مع عرض صور لهيلاري بعينيها الذابلتين وفمها الموروب مع «تكشيرة» خبيثة وصوت حاد مع عملية تركيب لمجموعة من اللقطات ـ هيلاري مع بيل، وبيل يكذب بخصوص قضية مونيكا لوينسكي، وهيلاري تدافع في الكونجرس عن خطتها لاصلاح نظام الضمان الاجتماعي وهيلاري في غزة مع زوجة ياسر عرفات.. إلخ. على الجانب الديمقراطي كانت الدعايات أكثر كلاسيكية إذ كان من الصعب الهجوم على شخصية «جديدة» مثل لازيو.. لذلك تم الهجوم على محصلة عمله البرلماني ومواقفه حيال الميزانية والتأمين الصحي وقطاع النقل، وكانت كل رسالة «تلفزيونية» تنتهي بنفس الشعار: «ريك لازيو بقدر ما نعرفه أكثر تزداد تساؤلاتنا حوله». وبقدر ما كان موعد الانتخابات يقترب أكثر فأكثر كانت الدعايات المتضاربة تصبح أكثر حدة وقسوة، وكان في أواخر ما وصلت إليه «اختراعات» فريق لازيو دعاية تقول: «هيلاري كلينتون، تستطيعون دائماً الثقة بها من أجل ان تفعل كل ما هو جيد من أجل ... هيلاري كلينتون». وبالمقابل وفي الدعاية التي توصل إليها استراتجيو معسكر هيلاري قبل أيام فقط من الانتخابات بدا رئيس البلدية السابق «ايدكوش» وهو يعنف المرشح الجمهوري قائلا: «ريك، أوقف حماقاتك الآن» ويتم بنفس الوقت عرض صورة يبدو فيها لازيو وهو يشد على يد ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني. لم يكن إنتاج الدعايات التلفزيونية كافياً وكان من المطلوب توزيعها ونشرها في تحقق الأهداف المرجوة منها، وهنا تدخل عنصر جديد مهم هو .. المال. ومن هنا بدأت «معركة» بين المعسكرين للحصول على «مساحات» دعائية في أوقات محددة، وهكذا دفع كل من المعسكرين مبلغ خمسة وثلاثين ألف دولار أمريكي لبث دعاية مدتها ثلاثون ثانية في البث التلفزيوني الشهير لقناة «آ.بي.سي» الذي يحمل عنوان «من سيربح المليون»؟ هكذا أصبحت «المبارزة» الدعائية بين هيلاري كلينتون وريك لازيو هي الأكثر كلفة في تاريخ السياسة الأمريكية حيث وصلت إلى مئة وخمسين مليون دولار أمريكي. ولكن من أين أتت هذه الأموال؟ إن النفقات في الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة الأمريكية لا تخضع لسقف معين، وهي متعددة المصادر حيث ينص القانون على أنه باستطاعة أي فرد ان يقدم للمرشح الذي يختاره مبلغاً يصل إلى 1000 دولار وإلى 2000 دولار للجنة حزبه. لكن من الممنوع على الشركات والنقابات ان تقدم مساهمات مالية لدعم المرشحين، أما الأحزاب والجمعيات الأخرى فإنه يحق لها ان تجمع أكبر قدر ممكن من الأموال وتنفقها كما تشاء. وتدل الاحصائيات الرسمية على ان معسكر «ريك لازيو» قد جمع 55 مليون دولار من التبرعات من مختلف أنحاء أمريكا، وليست فقط من أعضاء الحزب الجمهوري وأصدقائه، وإنما من جميع أولئك الذين يريدون هزيمة هيلاري. أما الطرف الآخر أي المعسكر الديمقراطي فقد جمع رسمياً 30 مليون دولار أمريكي. وفي منتصف شهر سبتمبر كان عدد الذين كانت وجهة اقتراعهم لا تزال قابلة للتأرجح بين المرشحين لا يزال كبيراً، هذا على الرغم من الدعايات التلفزيونية والاذاعية المكثفة وغالية الكلفة. وقد أثار ذلك قلق هيلاري التي كانت استطلاعات الرأي تبين ان صورتها لا تزال أكثر سوءًا بالمقارنة مع المرشح الجمهوري، وبنفس الوقت خفضت وسائل الإعلام المختلفة من حماسها للانتخابات، حيث بدا فيها نوع من اللامبالاه. بالمقابل كان لازيو قلقاً هو الآخر على صورته الباهتة قليلاً في مواجهة نجومية هيلاري، وقد اشتكى أمام الصحفيين من هيلاري قائلا: «كل ما تعرف فعله هي مهاجمتي وتشويه حصيلة عملي البرلماني، وانني أتمنى لو تكون أكثر ايجابية في احكامها». وأمام هذا تبنت هيلاري موقف التواضع «المزيف» كخطة «تكتيكية» إذ قالت: «ان خصمي يمتلك تجربة النقاش خاصة في الاطار البرلماني أما انا فإنني لا أمتلك أبداً مثل هذه التجربة وانني سوف أفعل كل ما أستطيع كي اتهيأ لهذه التجربة الجديدة بالنسبة لي». كانت تلك التجربة الجديدة هي المواجهة التلفزيونية بين المرشحين للنقاش حول مجمل القضايا التي تهم الناخبين، اختار لازيو خطة هجومية إذ وجه سيلاً من الهجومات المباشرة والشخصية غالباً منذ السؤال الأول إذ اعتبر هيلاري «لا تستحق الثقة» ثم وجه الحديث لها قائلاً: «انك لم تفعلي أي شيء من أجل نيويورك» ثم التفت نحو المشاهدين قائلا: «اما انا فإنني نيويوركي وانني متعلق جداً بولايتي، وزوجتي وأصدقائي هنا، وعاشوا هنا كل حياتهم». أما هيلاري فقد تبنت استراتيجية، كانت قد اتفقت عليها مع مستشاريها، وهي التوجه إلى الجمهور وليس إلى الخصم ومحاولة تحطيم برنامجه واظهاره بأنه رجل متطرف قد «موه» نفسه بصورة رجل معتدل، وخاصة بأنه ينوي تقليص النفقات في ميدان الصحة مع تخفيض الضرائب بالنسبة للأغنياء. لكن إذا اختلف المرشحان في الكثير من النقاط، فإنهما اتفقا بالمقابل حول نقطة واحدة هي الموقف من اسرائيل، ان هيلاري انتقدت موقف زوجها عندما لم يقف في وجه قرار الأمم المتحدة الشاجب للجوء اسرائيل للقوة، ولم يُبطل هذا القرار باستخدام حق «الفيتو» الأمريكي. ولم يعتبر أي مرشح من المرشحين ارييل شارون كمسئول عن انفجار العنف، قال لازيو: «ان المسئولية تقع على ياسر عرفات» وقالت هيلاري: «عرفات يتحمل وحده الخطأ». ولم تأت المواجهتان التلفزيونيتان التاليتان بأي جديد في المواقف.