ألحق الحصار الاحتلالي المفروض على الأراضي الفلسطينية أضراراً بصناعة الحجر التي تمتاز بها فلسطين وتروي التاريخ الفلسطيني العريق، أكثر من غيرها من الصناعات. ويرى مختصون وأثريون، أن على من يريد وقفة مع التاريخ فعليه أن يقف وقفة تأملية أمام أسوار القدس الشريف وفي الأزقة العتيقة التي يمثل الحجر مادتها الوحيدة، حيث وقفت منذ آلاف السنين تروي لكل جيل قصتها. وفي دراسة أعدها «اتحاد الحجر والرخام» أشار الاتحاد إلى أن البناء في فلسطين، يعتبر أحدى علامات التميز والتراث الوطني المتمثل في المقامات القديمة والقصور وغيرها، التي أضحت جزءاً من التراث الفلسطيني على مر العصور، وأصبح الحجر الفلسطيني جزءاً لايتجزأ من تاريخ هذه الأرض وتراثها، بل أصبح رمزاً وطنياً وتراثياً تتناقله الأجيال المتعاقبة. وأكدت الدراسة، أن أهمية قطاع الحجر تنبعث من كونه إنتاجاً فلسطينياً 100% واليوم وبعد المئات من سنوات العمل تتواجد المصانع الحديثة والمتخصصة في هذه الصناعة المتميزة في كافة أنحاء الأراضي الفلسطينية الجبلية في مناطق الخليل: يطا، سعير، تفوح، وفي بيت لحم، وبيت فجار، ورام الله، ونابلس، وجنين. قيمة تراثية ومادية وأشارت إلى أن ميزات الحجر لاتقتصر على قيمته التراثية فحسب، بل أيضاً في قيمته المادية وعوائده على الاقتصاد الفلسطيني، حيث تشكل صناعة الحجر مصدراً رئيسياً للدخل لشريحة كبيرة من الأيدي العاملة وأصحاب المصانع والمحاجر، إضافة إلى الصناعات الأخرى التكميلية التي تتعلق بهذه الصناعة. ويمتاز الحجر الفلسطيني بخاصية تعطيه ألواناً طبيعية متميزة بما في ذلك الحجر الطري والجيري المعروف بالرخام المتنوع الذي يطابق في معظمه المقاييس والمواصفات العلمية. وحسب دراسة الاتحاد، اشتهر الحجر الفلسطيني بجاذبية المظهر والألوان الجميلة التي تتراوح بين الأبيض والبيج والرمادي والذهبي والزهري إلى مختلف الألوان من الأصفر الصحراوي، ومن الأنواع المنتشرة حجر يطا، الشيوخ، تفوح، سنوت، قباطية، عصيرة، وإنجاصة وغيرها. ويضم قطاع الحجر والرخام اليوم قرابة 400 محجر وألف مصنع، تقوم بتوظيف اكثر من 20 ألف عامل من العمالة الماهرة وغيرها، ويستخرج من الحجر الخام سنوياً 8و1 مليون طن، بينما يبلغ الإنتاج الفعلي للأحجار المصنعة حوالي 22 مليون متر مربع. من اثار الحصار وتشير معلومات وإحصاءات الاتحاد إلى أن الإنتاج الفلسطيني من الحجر يمثل حوالي 4% من الإنتاج العالمي، أما فيما يتعلق بحجم المبيعات، فقد شكل حجم المبيعات السنوية للحجر الفلسطيني 2%من المبيعات العالمية، وعلى الصعيد الوطني فإن صناعة الحجر والرخام تمثل 4%من الناتج الوطني العام و5% من الناتج المحلي العام. وتضررت صناعة الحجر أكثر من غيرها من الصناعات بسبب الحصار الاقتصادي والعسكري الاحتلالي المفروض على الأراضي الفلسطينية. وفي هذا الإطار، أشار سهيل خليلية مدير «اتحاد الحجر والرخام» أن السبب في ذلك يعود بشكل أساسي إلى اعتماد هذه الصناعة على بيع منتجاتها في السوق الإسرائيلية أو من خلالها. وتستوعب السوق الإسرائيلية حوالي 69% من الإنتاج الفلسطيني من الحجر والرخام، مشيراً إلى أنه في ظل الإغلاق تراوحت نسبة البيع حالياً في الداخل والخارج من 15 - 20% في أحسن الأحوال. وأوضح خليلية أن حجم المبيعات السنوية يقدر بنحو 450- 500 مليون دولار وتقدر حجم الخسارة اليومية الناتجة عن الإغلاق بمليون ونصف المليون دولار، إضافة إلى أن المصانع تعمل بطاقة إنتاجية لا تزيد على 20% مما حدا بها إلى إعطاء عمالها إجازات مفتوحة، وهي أفضل حالاً بكثير من تلك التي أغلقت أبوابها بالكامل واضطرت إلى تسريح عمالها. وحسب البيانات المتوفرة لدى «اتحاد الحجر والرخام» فإن خسارة محافظة بيت لحم توازي 40-45% من مجمل خسارة هذه الصناعة في الضفة الغربية، حيث بلغت الخسارة اليومية 720 ألف دولار وبلغ عدد المصانع المغلقة 160 مصنعاً من أصل 250 مصنعاً، أما مجموع العمال المسرحين، فقد بلغ 2500 من أصل 4 آلاف. تعطل معظم المصانع وفي منطقة بيت فجار، أغلقت الغالبية العظمى من مصانع الحجر التي يقدر عددها بـ 150 مصنعاً وأصاب مصانع أخرى في منطقة بيت لحم وجنين الدمار بسبب القصف الصاروخي والمدفعي من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية. وتحتل محافظة الخليل المرتبة الأولى من حيث عدد مصانع الحجر الموجودة فيها وتعطل حوالي 70 مصنعاً قسراً بسبب حظر التجول المفروض على المنطقة الصناعية في الخليل ويقدر حجم الخسارة بحوالي 30% من الخسارة الكلية. ولا يعتبر الوضع في محافظتي نابلس وجنين أحسن حالاً من المحافظات الأخرى، فقد تعطلت معظم المصانع هناك وبلغت الخسارة اليومية 250 ألف دولار وتم تسريح 2500 عامل من أصل 4آلاف عامل وأغلق 80 مصنعاً من أصل 200 مصنع، ويعتبر المستهلك الفلسطيني أن هناك أولويات كثيرة أهم من شرائه للحجر واستئناف نشاط البناء والعمران. وفي محافظة رام الله، تقدر الخسارة اليومية لصناعة الحجر بما يعادل 150 ألف دولار ويقدر عدد العمال المسرحين بـ 400 عامل من أصل ألف عامل فيما تعطل 40 مصنعاً من أصل 70. كما اثر الإغلاق والحصار على العمل في المحاجر التي توقف جزء كبير منها بسبب عدم قدرتها على توريد الحجر إلى المصانع التي توقف حالها بسبب الحصار المفروض على العديد من قرى الضفة الغربية. عوائق التصدير أما بالنسبة للتصدير فإن العوائق التي وضعتها سلطات الاحتلال في الموانئ تجاه البضاعة الفلسطينية تكاد تجعل التصدير أمراً مستحيلاً، وإذا استمرت الأوضاع على هذه الحالة فإن غالبية مصانع الحجر مهددة بالإغلاق التام، مما يعني المزيد من البطالة وتعطل رأس المال المستثمر في الآلات والمقدر بملايين الدولارات. وإلى جانب ما يتعرض له قطاع الحجر الفلسطيني من إغلاق وحصار، يعتبر هذه القطاع مصدر دخل كبير بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني، وإن الشركات والمصانع الإسرائيلية تقوم بتصنيع هذه الأحجار بأشكال مختلفة وبأسماء مختلفة، منها ما هو إسرائيلي ومنها ما يأخذ الأسماء القديمة مثل (روماني ابيض، كنعان) ومنها مابقي محتفظاً باسمه الفلسطيني مثل (طبزة، تلطيش، ومسمسم) ورغم احتفاظها بالأسماء الفلسطينية إلا أنها تصدر للخارج على أنها قادمة من إسرائيل حيث تلاقي رواجاً في الخارج. وتعتبر الشركة الإسرائيلية الموجودة في المنطقة الصناعية «عطروت» أكبر مثال على ذلك، وهذه الشركة من أكبر مصانع الحجر في إسرائيل وتأتي إليها الوفود من كافة أنحاء العالم لعقد صفقات معها من أوروبا والشرق الأقصى والولايات المتحدة، والشركة مجهزة بالكامل ولديها القدرة على تصنيع وتشكيل أنواع مختلفة من الحجارة التي مصدرها الأرض الفلسطينية من بير زيت، كفر مالك، سنجل، المغير، الخليل، بيت لحم، وهذا المصنع يحتوي على أجهزة تعيد صناعة الحجر على شكل أنتيكات وتجعلها قديمة وكأنها من العصور القديمة. رام الله ـ مكتب «البيان» ـ ادهم حافظ: