ما ان نشرت الصحف في 21 يوليو 2001 نص تقرير صندوق النقد الدولي حول الأوضاع المالية والمصرفية في لبنان، حتى طغى العنوان الاقتصادي على كل ما عداه من مشاكل من مثل فواتير الكهرباء غير المدفوعة، وتهريب المخابرات الدولية، وتعديل أصول المحاكمات الجزائية، وإلغاء عقوبة الاعدام، وعمليات «حزب الله» في مزارع شبعا. وبات الهاجس الاقتصادي يقض مضاجع المواطنين والمسئولين على حد سواء. المواطنون متشائمون: يعانون من حاضرهم المأساوي وقلقون على مستقبلهم المجهول. والمسئولون مربكون ويتوزعون فئتين: فئة المتفائلين وفي طليعتهم رئيس الحكومة رفيق الحريري. وفئة المتشائمين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية اميل لحود. المتفائلون من المسئولين يشيرون الى ان تقرير صندوق النقد الدولي لم يأت بجديد لا يعرفونه كما صرح وزير المالية، ولم يأخذ بعين الاعتبار كل المداخيل الللبنانية كما صرح وزير الاقتصاد. من جهته يصر رفيق الحريري على تطبيق اجراءات الحكومة ويسعى الى تحويل التقرير من مشكلة الى فرصة! على مقلب المحذرين والمتخوفين من انهيار الاوضاع الاقتصادية ينبري رئيس الجمهورية ليطالب بـ «مشروع انقاذي» ويقترح بداية اجراء تعيينات ادارية سريعة وشاملة على اساس «الكفاءة والنظافة» بعيداً عن «المحسوبية والمحاصصة». والواقع ان المناخ السائد في لبنان هو اقرب الى تخوفات رئيس الجمهورية منه الى تطمينات رئيس الحكومة. ويلوذ معظم الحائرين من وزراء ونواب وسياسيين الى الصمت، واذا نطقوا فلا يتعدى كلامهم العموميات والمعميات التي لا تقدم ولا تؤخر. والحقيقة اني متخوف الى اقصى الحدود من الواقع الاقتصادي الذي يتردى يوما بعد يوم، واخشى من انعكاساته الاجتماعية التي قد تنفجر في اي وقت فتفجر الحالة اللبنانية برمتها في منطقة متفجرة اصلاً. والارقام في هذا السياق مخيفة، واكتفي بإيراد البعض منها. فصندوق النقد الدولي يشك في قدرة المصارف اللبنانية على تمويل مشاريع الدولة المقدرة للسنوات الخمس المقبلة بحوالي 11 مليار دولار. ويشير الى تآكل احتياطي مصرف لبنان بالعملة الصعبة، اذ خسر المصرف خلال شهري ابريل ومايو المنصرمين نحو 500 مليون دولار من احتياطه الاجمالي، اي 10% من مستوى الاحتياط في شهر مارس، وملياراً ومئة مليون دولار من احتياطه الصافي، اي نحو نصف مستوى الاحتياط نهاية الشهر عينه الماضي. اما الدين فقد تخطى حدود 25 مليار دولار في الوقت الراهن، ومن المتوقع ان يصل الى حدود 40 مليار دولار في العام 2006، فترتفع نسبة الدين العام للناتج المحلي الى 175%. وهذا رقم قياسي لم يعرفه لبنان من قبل ولا تعرفه الا قلة من دول العالم. في مقابل هذه الأرقام المخيفة يتوقف تقرير صندوق النقد الدولي أمام خطة الحكومة التي تقوم على ثلاثة أسس: استعادة النمو من خلال تنمية القطاع الخاص والخصخصة، اتخاذ اجراءات قاسية لضبط الانفاق وإدخال الضريبة على القيمة المضافة، طلب دعم خارجي لاستبدال الدين مرتفع التكلفة وقصير الأجل بدين أطول أجلاً وبشروط مالية أفضل. غير ان التقرير يلحظ ان عملية الخصخصة تؤمن فقط مبلغ 2.7 مليار دولار في السنوات الأربع المقبلة بدلا من 8 مليارات كما كانت تتوقع الحكومة. من جهة اخرى لم يفلح رفيق الحريري في اجتماعه الأخير مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تحديد موعد نهائي لدعوة الدول المانحة لعقد «مؤتمر باريس 2» بغية تأمين الدعم الخارجي المرتجى. أرقام مخيفة.. خطة مشكوك بها وبقدرة الحكومة على تنفيذها.. منطقة متفرجة والاتكال على الله. بقلم: كريم بقرادوني