تؤكد الدراسات ان الصين اصبحت قاب قوسين أو ادنى من بلوغ اعتاب منظمة التجارة الدولية بعدما توصلت مع الولايات المتحدة إلى توافق في الاراء ازاء هذا الموضوع، كما توقعت هذه الدراسات انضمامها نهاية العام الجاري 2001 إلى المنظمة. الشوط الذي قطعته الصين ليس قصيراً في سبيل انضمامها لهذه المنظمة العالمية، وقد واجهتها العديد من العقبات بدءا من القضايا الاقتصادية والتجارية مرورا بالبعد السياسي نتيجة تحفظ الولايات المتحدة واطراف اخرى على الانضمام. دراسات كثيرة سبقت تلك حذرت من مغبة ممارسة الاسلوب الذي ينفرد به الامريكيون والذي حددته بـ «محاولة اصدار الاوامر للبلدان الاخرى بشأن كيفية ادارة شئونها السياسية»، فالمعروف ان الصينيين يتمسكون باستقلالهم بقوة، ورفضوا دائما كل محاولة من جانب الاخرين للتأثير على شئونهم الخاصة أو السيطرة عليها. الابعاد السياسية التي كانت اكبر العقبات امام دخول الصين لمنظمة التجارة الدولية تمثلت في قيادة الحكومة الامريكية ووسائل اعلامها حملات معادية للاصلاح او معادية للديمقراطية الصينية، والتي تختلف في مفاهيمها عن الديمقراطية الأمريكية، الأمر الذي اثار غضب الادارة الصينية كثيراً وواجهت هذه الحملات بردود افعال مختلفة. سيطرت على العلاقة بين الصين والولايات المتحدة فكرة السيادة الابدية الامريكية قابلها رفض صيني لكل اشكال التطبيع مع هذه السياسة، وحكمت العلاقة بينهما امور ثلاثة شكلت ركائز المشاكل التي واجهت التقارب بين البلدين على اساس شراكة متينة، هي: ـ قضية حقوق الانسان ـ قضية تايوان دخول الصين لمنظمة التجارة العالمية فعلى صعيد حقوق الانسان، تتهم الولايات المتحدة الصين بخرقها وانتهاكها لحقوق الانسان في عدة مجالات، وطالما كانت هذه هي الورقة التي ضغطت بها واشنطن طوال عهودها ومراحل تطور علاقاتها مع الصين. ويذكر تقرير لحقوق الانسان اعدته الولايات المتحدة ان الصين تعمد إلى تكثيف اجراءاتها الصارمة ضد الحرية الشخصية والمعتقد الديني وضد التيبت مثلما تتشدد في معالجة القضايا السياسية وتضغط على اي شخص او جماعة بتهم مختلفة قد يكون معظمها تهديد الحكومة. ويشير التقرير ان هناك الافاً من المؤسسات الدينية اغلقت ودمرت وسجن او اعدم قوادها وتحدد بالذكر منظمة «فالوكونج». اما فيما يتعلق بقضية تايوان، فهذه قضية معقدة ومتشابكة تستخدمها امريكا لأهداف مختلفة، فهي تضغط بها على الصين كلما نشبت أزمة بينهما كما انها تستخدم تايوان كقاعدة مهمة لها في منطقة الباسيفيك. وتشير الدراسات إلى ان كثيراً من الامريكيين يشعرون بالقلق بشأن قضية تايوان، والضغوط التي يتعرض لها الرئيس الامريكي، اي رئيس منذ نشوء العلاقة بين البلدين، يمارسها المؤيدون لتايوان في امريكا والذين يشكلون اللوبي الضاغط. ويرى خبراء السياسة الامريكية انه ليس في مصلحة الولايات المتحدة او في مصلحة تايوان الدخول في مواجهة مع بكين ولذلك نجد في خطابات السياسة الامريكية عبارة «بلد واحد ونظامان مختلفان» هي التي يستخدمها الامريكيون لتسريب القلق الصيني من سطح الأحداث إلى عمقها. لكن الملاحظ للسلوك الامريكي يجد ان هذا السلوك ينحرف باتجاه دعم التمرد التايواني على الصين ولعل اخر ما يمكن الاشارة اليه في هذا الصدد زيارة الرئيس التايواني الجديد الاخيرة إلى واشنطن والتي استفزت الصين كثيراً على خلفية مواقف متشابكة سببتها حادثة طائرة التجسس الاخيرة. ولوبي تايوان هو مجموعة مصالح ومجمع ضغط قوي ومؤثر في العاصمة الامريكية، ويبدو انها مؤخراً نجحت في استفزاز الصين الام من خلال اقناع امريكا بالموافقة على تحديث تسليح تايوان وتعزيز مركزها التجاري وفسح المجال امام المزيد من الحركة الطليقة على المسرح الاقتصادي والسياسي الدولي. تعزيز هذا التحالف الامريكي التايواني له سلبياته على العلاقة مع الصين اذ هو باعتقاد الامريكيين قد يدفع الى تمتين وتعميق التحالف الذي مازال في بداياته بين الصين وروسيا خاصة وان في كلا البلدين قيادات لا تنتمي إلى مواريث الماضي «الصراع الايديولوجي المرير بين العاصمتين ايام اوج المد الماركسي الشيوعي حيث كان خروتشوف يتهم الصين بالجمود المذهبي الستاليني بينما كان ماو يرد باتهام موسكو بالانهزامية والتراجع البورجوازي عن صحيح الماركسية. ويدعم هذا الرأي ما يراه الصينيون والروس من ضرورة التصدي للهيمنة الامريكية التي جعلت امريكا مسيطرة على منظمة التجارة الدولية حيث يظل بإمكانها ان تملي شروطها على سائر الدول والنظم والاقتصادات في شرق العالم وفي غربه على السواء، وهنا يضع الخبراء سؤالا مهما هو ما يحكم السلوك الامريكي وهو: هل يمكن ان ينشأ من جديد تحالف صيني روسي يتصدى لامريكا ويحاول تغيير صيغة عالم القطب الاوحد الذي نعيش فيه؟ علاقة مزدوجة في هذا الاطار نفسه الذي تعقده قضية تايوان نجد ان استراتيجية امريكا تستند إلى ضرورة بناء علاقة صداقة متينة مع الصين في اراضيها الاصلية، لكنهم لا يضحون بأصدقائهم الصينيين في تايوان. حاول سياسيو امريكا تجنب خطوة خاطئة دائما بالنسبة لهذه القضية الحساسة وركزوا على ما ورد في بيان شنجهاي عام 1972 في كل مرة كانت تفلت هذه القضية من ادراج السياسة إلى سطح الأحداث. والذي أكدته مذكرة التفاهم الصينية الامريكية هذه ان الموقف الذي يجب ان يحكم علاقة امريكا بالصين هو ان الصينيين في كل من تايوان والصين الاصلية يرون انه ليست هناك غير صين واحدة وان تايوان جزء من الصين، وكل الذي يعني الامريكيين هو التزام الصين في تسوية القضية فيما بينهم بتسويتها سلميا، دون التورط في عقد صفقة حيال الموضوع مع اي طرف. ولعل اكثر الامور حساسية في قضية تايوان هي مسألة الامداد بالسلاح، وهو الأمر الذي التزمت أمريكا فيه بكل تعهداتها ظاهريا والتي اشتملت على عدم تزويد تايوان الا بأسلحة دفاعية دون التقليل من حجم هذه المساعدات العسكرية الا عندما يتناقص التوتر بين تايوان والصين. ولكن مع تعقيدات هذه المشكلة نجد ان هناك عنصرا مهما قرب بين بكين وواشنطن وهو الذي كان يحجم الاندفاع الامريكي تجاه تايوان أو تجاه اية قضية ضد الصين، وهذا العنصر هو الضرورات القلابة للامن الوطني وربما كان التقارب هو أهم الأحداث الجيوبوليتيكية في فترة ما بعد الحرب بينهما. قضية تايوان نجدها تشتعل مرة اخرى في اطار قضية انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية وهي الركيزة الثالثة للمشاكل المعلقة بين امريكا والصين. فاتفاق بكين وواشنطن على اغلاق ملفات محل خلاف بينهما وكان اكثرها تعقيدا الملف الزراعي والدعم الصيني للمزارعين، يبقى هذا الاتفاق غير مكتمل اذ تبقى قضية انضمام تايوان لمنظمة التجارة العالمية. قضية انضمام تايوان للمنظمة تثير العديد من التساؤلات حيث تعترض حكومة بكين بشدة على ان تقبل عضوية تايوان ككيان منفصل لاسيما ان التوتر السياسي لا يزال ناشباً ومعروف ان الولايات المتحدة احد اطراف اللعبة في تلك القضية. هذه القضية اثارت مخاوف الاقتصاديين حيال تحول منظمة التجارة العالمية إلى منطقة صراع بين الصين وتايوان في حال قبول عضوية الجانبين في المنظمة، وتجسدت تلك المخاوف في صرخة التحذير التي اطلقها باحث تايواني في حلقة نقاشية ـ وفق مصادر صحفية ـ مبديا تخوفه من ان الصين وتايوان قد يحولان منظمة التجارة العالمية إلى ساحة معارك جديدة مالم يتمكن الجانبان من انهاء النزاع السياسي بينهما في اقرب وقت ممكن. وقضية انضمام الصين وتايوان لمنظمة التجارة العالمية يحكمها مدى قبول تايوان بمبدأ صيني واحد وهو الذي يعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من الصين. وتتضارب رؤى الجانبين الصيني والتايواني تجاه مبدأ انضمام كل منهما للمنظمة، فالصين تصر على ان يكون انضمام تايوان باعتبارها اقليماً موصى عليه وليست دولة ذات سيادة، كما تصمم الصين على دخول منظمة التجارة العالمية اولا قبل انضمام تايوان اليها اذ تبدي بكين تخوفها الشديد من محاولات تايبيه الرامية إلى اقتناص فرص التعامل باعتبارها كياناً متساوياً تحت مظلة المنظمة. ونجد بشكل واضح الاصابع الامريكية وراء هذه الأزمة لكن الذي هو واضح أيضاً ان امريكا لن تفرط بدخول الصين لمنظمة التجارة العالمية، وهو أمر تحسب له حسابا منذ زمن بعيد ولأسباب تتعلق بمصالحها الاستراتيجية، فما هي تلك المصالح؟ رؤية أمريكية تدخل هذه المصالح ضمن الرؤية الامريكية بشكل كامل لمنظمة الباسيفيك وهي تستند اساسا إلى مباديء المشاركة في القوة والازدهار والالتزام تجاه ما تسميه امريكا بالقيم الديمقراطية. وهو الذي دفع امريكا إلى الاحتفاظ بوجود عسكري نشط قوامه 100 الف جندي كما دفعها إلى توسيع تعاونها الامني ودخولها العسكري في جنوب اسيا وتقوية روابطها مع حلفائها في المنطقة وبشكل خاص اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا. وبمساع لتأسيس ميكانيزم جديد لبناء الثقة حافظت الولايات المتحدة على تفعيل نشاطها واهتمامها بالحوار الامني في المنطقة ودعمت انشطة امنية واقتصادية اسيوية كثيرة منها المنتدى الاقليمي الاسيوي ومنتديات عسكرية كثيرة. تشكل المنطقة الاسيوية بقضاياها المتفجرة تهديدا للمصالح الامريكية، وترقب امريكا نشاط الصين في قيادة دور فعال في هذه المنطقة على المستوى الاقليمي، وهو ما دفع امريكا إلى محاولة احتوائها، ومع فشل سياسة الاحتواء عمدت إلى سياسة التطويق. تهدف امريكا إلى التسريع بخطى تحرير الاسواق في منطقة اسيا في محاولة لإعادة رسم جغرافيا المنطقة وفق النظام العالمي. وتعول امريكا على الصين في لعب دور دولي ولذا فإن امريكا تضع امامها اهمية انضمام الصين لمنظمة التجارة الدولية لعدة اسباب: ان دخول الصين لمنظمة التجارة الدولية سيخفف سقف الحواجز والعقبات تدريجياً امام البضائع والخدمات الامريكية رغم ان هذه البضائع والخدمات تدر على امريكا حالياً 20 مليار دولار سنويا. هذا الدخول سيعمق اصلاحات السوق وذلك يجبر الصين على الخصخصة واعطاء مجال اوسع لتحرير السوق مما يدفع الصين باتجاه الحرية الاقتصادية. دخول الصين للمنظمة يعجل بانتقال الحكومة الصينية إلى مرحلة جديدة وتحجيم دورها في الحياة الاقتصادية الصينية كما يعزز دور القانون، وذلك سيجبر ـ وفق الدراسات الامريكية ـ الصين على نشر القانون والعدالة ويؤهلها للاندماج في الجسد العالمي الامر الذي يعطي ضمانة بأنها ستنصاع للقانون الدولي. ونجد ان مصلحة امريكا تتركز في ربط الصين بمعاهدات دولية واتفاقيات تجعل منها لاعبا بناء في العالم في اطار حفظ السلام والامن الدوليين. ووفقا لقوانين المنظمة فإن الصين ستضطر لالغاء حواجز الاستيراد الموجودة حالياً على الانتاج الامريكي وستفتح افاقاً واسعة لدخول امريكا إلى سوق قوامه اكثر من مليار شخص. وترى امريكا انها ينبغي ان تحافظ على سياسة النفاذ المزدوجة للسوق التي تطبقها على الصين حالياً، خاصة وان الصين اعطت اشارات من جانب واحد على تقديم تنازلت مقابل حصولها على التكنولوجيا والاتصالات والصناعة المتقدمة كما وافقت الصين على إزالة العوائق غير المرئية مثل الحقوق المحصورة على استيراد وتوزيع البضائع. وتبقى مسألة الخصم المنافس لأمريكا قضية تشغل بال السياسة الامريكية التي كلما جنحت باتجاه العنف حجمتها المصالح الاكبر التي ترتجيها.. ولعل الولايات المتحدة ترضخ لشروط الصين في انضمامها لمنظمة التجارة العالمية بعد ان تحكم تطويقها للقوة الصينية المتنامية نحو دور اكبر في عالم القطب الواحد.