يكفي ان تتلفظ باسم «هيلاري» كي يعرف الأمريكيون ان المقصود هو «هيلاري كلينتون». كان فوزها في عضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن مدينة نيويورك رائعاً، لقد انتصرت «هيلاري 2000» على منافسها الجمهوري وحازت على نسبة 55% من أصوات المقترعين، لقد انتزعت هذه الأصوات واحداً بعد الآخر عبر حملة انتخابية كانت الأطول والأكثر كلفة في تاريخ «الكونجرس» الأمريكي. ولم يترد منافسها «ريك لازيو» في تقديم التهاني لها، شكرته هيلاري على ذلك وتمنت له عبر التلفزة السعادة الكاملة، هو وأسرته.. إن أمريكا تحب ان يعترف المهزومون بانتصار الفائزين، وان يكون هؤلاء ودودين مع خصومهم الذين لم يحالفهم الحظ في النجاح. كانت المعركة الانتخابية التي خاضتها قاسية جداً، مثل جميع معاركها، لكنها كانت أكثر قساوة لأنها امرأة ولامعة وحازمة وتحب السيطرة ونجمة، وأضف إلى ذلك كله انها عاشقة، هذه الصفات كلها كانت بمثابة نقاط ضعف في بلاد مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تزل تنظر إلى النساء «الذكيات» بحذر، لا سيما وان الثنائي بيل وهيلاري عاش طيلة ثماني سنوات «تحت الأضواء» حيث بدت حياتهما الخاصة وكأنها مسلسل تلفزيوني «مثير» قلما استطاعت «هوليوود» ان تتخيل مثيلاً له في استديوهاتها. الانتصار إن هيلاري، وعلى الرغم من شخصيتها التي توحي بالثقة ومن حماسها في العمل واخلاصها له، وارادتها في ان تنال اعجاب ورضا الأمريكيين، وجدت نفسها باستمرار تسير في الاتجاه المعاكس، الذي كانت المخيلة الجماعية الأمريكية تنتظره منها، كان الأمريكيون يفضلون ان يكون بيل كلينتون على رأس السلطة، بينما تقوم زوجته بأعباء العمل المنزلي، وأن تظل أنيقة مثل جاكي (جاكلين كينيدي) وأليفة مثل نانسي ريجان، وموحية بالثقة مثل باربرا بوش. حاولت هيلاري أثناء الحملة الانتخابية لمجلس الشيوخ ان تغير من صورتها لدى الرأي العام. هكذا بدلت من تسريحة شعرها، وحاولت ان تختار ملابسها من بيوت الأزياء المعروفة، وحرصت على ان تبدو رشيقة، واستخدمت العدسات اللاصقة بدلاً من النظارات وعمدت إلى زيادة زرقة لون عينيها الزرقاوين أصلاً، ورسمت على وجهها ابتسامة أكثر انفراجاً بل وانها أصدرت كتباً في فن الطبخ. لكن هذا كله لم يجعل الأمريكيين ينسون ان السياسة موجودة في دمها، انهم ليسوا مغفلين أبداً، فهي محامية معروفة، ومعترف بها كأحد أفضل المحامين الأمريكيين، كما انها تقاسم زوجها أفكاره وطموحاته السياسية، بل انها أكثر وعياً منه حيال عدد من الملفات. في عام 1993 وعندما تم انتخاب بيل كلينتون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، كانت هيلاري لا تهتم بمظهرها الخارجي، لكنها كانت مأخوذة بمسألة الضمان الصحي وضرورة اصلاح النظام المعمول به، وبعد ان انتهت «حملة المئة يوم» وفاز كلينتون بالرئاسة قال عن زوجته: «ان هيلاري ومن بين جميع الأشخاص الذين عرفتهم هي الأكثر مقدرة على تقديم الرؤية الأكثر شمولاً لأية مشكلة معقدة ثم ايجاد الحلول المناسبة لها: لقد بدأت السيدة الأمريكية الأولى منذ وصول زوجها إلى البيت الأبيض بالعمل في القضايا العامة، واحتلت احد المكاتب بالقرب من البيت الأبيض مثل أقرب مستشاري الرئيس. لقد تعاملت هيلاري مع ملف الضمان الصحي بأفكار مسبقة دون الاستماع كثيراً إلى أفكار الآخرين ودون القيام باستشارات في الأوساط المعنية، والعناد في التأكيد على صحة وجهة نظرها دون الاهتمام بالمناخ السياسي المحيط ، وغياب شبه كامل لأي تكتيك ومعالجة المسألة على مراحل، ونتيجة هذا كله فشل مشروع اصلاح الضمان الصحي مما شكل أحد أكبر الاخفاقات التي عرفتها فترة كلينتون الرئاسية الأولى. أما بالنسبة لهيلاري كلينتون فقد كان ذلك الفشل بعد أقل من عام في قلب مركز القرار بمثابة نهاية «شهر العسل» بينها وبين أمريكا. ومنذ ذلك الحين أصبحت هيلاري هي صاحبة «الدور السيء» وحتى لو كان «الدور الأول» في أغلب الأحيان، إذ انها ليست من النوع الذي يبقى في الصفوف الأخيرة من القسم، بل انها بحاجة للأضواء وللاعتراف بها وللمجد وللمسئولية، إنها تحب النشاط وتؤمن بفضائل الفعل وتحبذ المبادرة، وهي دائماً على قناعة بأنه من الممكن دائماً تغيير مجرى الأشياء. إن هيلاري باختصار ليست من نماذج «المثقفين» أو «البرجوازيين البوهيميين» من أبناء جيلها الذين يفاخرون من جهة بنجاحهم المادي والاجتماعي ومن جهة أخرى بأنهم ليسوا من ذوي النزعات التقليدية. تعود أصول هيلاري رودام إلى منطقة غرب وسط الولايات المتحدة وهي تنتمي إلى الشرائح البرجوازية الصغيرة، نالت تربية صارمة تقوم على أساس احترام المعتقد والعائلة والمجتمع، وقد حرصت على أساس هذه القواعد تحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح ومن الامتياز لما فيه خير المجموعة والازدهار الشخصي. وكانت تعرف دائماً بأن هذا له ثمنه ولابد من النضال والمواجهة وتلقي الضربات والدموع من أجل تحقيقه، المهم ان تسير القافلة دائماً إلى الأمام، ومن مميزات هيلاري هي انها امرأة صامتة لا تبوح بمشاعرها ولا تظهر انفعالاتها. «ليس المهم ان نقول، وإنما أن نفعل»، هذه هي احد المآثر التي جعلتها هيلاري مرشداً لسلوكها ومن هنا حرصت دائما عدم الخوض في نشاطات لا تجيدها. ان ايمانها دفعها باستمرار إلى أن تأخذ باعتبارها آلام الآخرين والعمل على تحسين الشروط العامة التي تحيط بهم، ومن هنا نفهم الدواعي التي دفعت هيلاري إلى ان تهدي انتصارها في انتخابات 7 نوفمبر 2000 لعضوية «الكونجرس» إلى ابنتها وأمها، وأيضاً للرجل الذي أحبته، والذي كان سيمضي أيضاً عدة أسابيع رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية والذي كان قد وقف وراءها وساندها بعيداً عن الأضواء والانفعال يبدو على وجهه. وكانت ابنتهما «شلسي» قد لعبت هي الأخرى بنجاح دورها في الحملة الانتخابية وصافحت آلاف الناس ووزعت ابتساماتها البريئة، لكن دون ان تجري أية مقابلة صحفية أو غيرها، إذ كان ممنوعاً عليها ان تفعل ذلك، أنها احد أسرة كلينتون، وهذه مهنة تعلمتها وهي في المهد، انها ليلة ستخلدها كتب التاريخ، «انظروا بيل خلف هيلاري لا يقول شيئا، اي انقلاب هذا للأدوار؟» قالت أحدى المقربات من هيلاري. عندما بدأت هيلاري «السيناتور الجديد» حديثها إلى أنصارها، مسح الرئيس الأمريكي أمام الملأ دمعة سالت من عينيه، لقد شكرته هيلاري لنصائحه ودعمه، ولكل ما فعله من أجل نجاحها، وفعلت ذلك بشيء من الانفعال فرضته المناسبة ولكن دون الافراط في اندفاعها، ودون ان تبادله أية قبلة أمام الجماهير، كانت حريصة على ألا تفاجئ الأمريكيين الذين لا يحبون «استعراض» مثل هذه المشاعر الانسانية الحميمة. وقد اختارت هيلاري ان تقف وحدها أمام عدسات التصوير وكاميرات التلفزة دون بيل كي «تخلد» مناسبة انتصارها في عضوية «الكونجرس» هكذا أصبحت في الثالثة والخمسين من عمرها أول سيدة أمريكية يتم انتخابها لعضوية مثل هذا المجلس في تاريخ ولاية نيويورك، وأول زوجة رئيس تنطلق في خوض غمار الحياة السياسية العامة لحسابها الخاص، وتحظى بمثل هذا الموقع العالي في تسلسل هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أقسمت هيلاري كلينتون يمين عضوية الكونجرس بتاريخ 3 يناير 2001. الخيار الصعب أكثر ما تمتلكه هيلاري كلينتون هو الشفقة، لا سيما إذا كانت هي نفسها موضوعاً لها، وحتى لو كانت إلى هذه الدرجة أو تلك سبباً في زيادة شعبيتها لدى الرأي العام الأمريكي، وكانت صحيفة «نيو يورك تايمز» قد وصفتها في نهاية عام 1998 بأنها «المرأة الأكثر عرضة للاذلال في تاريخ الانسانية» وكانت طيلة ذلك العام قد جهدت من أجل ان تنقذ بنفس الوقت عشها الزوجي وحماية رئاسة زوجها للولايات المتحدة الأمريكية، ففي مطلع تلك السنة كان قاضي التحقيق كنث ستار قد فتح تحقيقاً عاماً حول الأقوال التي باحت بها المتدربة السابقة في البيت الأبيض لاحدى زميلاتها، بدأت آنذاك قضية مونيكا لوينسكي، وأضيفت إلى قضية «لوينسكي» قضية قديمة أخرى تخص «باولا جونز» التي قالت ان الرئيس الأمريكي حاول اغراءها، هذا إلى جانب اعتراف بيل كلينتون بعلاقة كان قد كذّبها طويلاً مع جنيفر فلاورز عندما كان حاكماً لولاية أركانساس. جعل المحقق كنث ستار من الوصول إلى ادانة الرئيس بيل كلينتون هدفاً له، لذلك انكب بدافع حقده، وهو الذي ينتمي إلى أوساط اليمين الجمهوري المتطرف، على دراسة ملف كلينتون منذ ان كان حاكماً لأركانساس وصولاً إلى قضية عرفت باسم «وايت ووتر» وتخص صفقة عقارية تعود لعام 1985 في أركانساس، حيث بدا ان بيل وأكثر منه هيلاري التي كانت محامية آنذاك متورطان فيها. إذا كان كنث ستار لم ينجح في ادانة الثنائي الرئاسي، فإنه استطاع مع ذلك ان يرغم السيدة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية على الادلاء بشهادتها أمام لجنة محلفين، وكان ذلك بمثابة سابقة في التاريخ الأمريكي، لكن هيلاري عرفت كيف تثبت براءتها ببراعة وان تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام. وكانت المدعوة ليندا تريب التي قامت بتسجيل احاديث مونيكا لوينسكي حول علاقتها بالرئيس كلينتون دون علمها، وقد سلمت هذه التسجيلات التي بلغت مدتها مجتمعة حوالي عشرين ساعة للمحقق كنث ستار الذي شدد من هجومه ضد الرئيس كلينتون وصولا الى محاولة دفع الكونجرس الامريكي الى عزله. دافعت هيلاري بشراسة عن زوجها وأكدت بأن كل هذه الاشاعات ليست سوى «تلفيقات ومؤامرة كبيرة يقوم بها اليمين المتطرف» وهذه ليست هي المرة الاولى التي يراد بها الاطاحة بنا. ولكن هذه المرة ايضا، صدقوني، انهم لن يستطيعوا النيل منا «حسب تعبيرها اثناء مقابلة تلفزيونية اجرتها معها قناة «توداي شو» يوم 27 يناير 1998. ورددت اقوالا مشابهة بعد يومين في «دافوس» امام المنتدى الاقتصادي العالمي حيث قوبلت بالتصفيق والاعجاب. وكان «بيل كلينتون» قد نفى قبل عشرة ايام بعد ان اقسم يمين قول الحقيقة «كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة» بأنه لم يكن له في اي يوم من الايام علاقة بمونيكا لوينسكي. لقد اعلن امام امريكا كلها قوله: «استمعوا لي جيدا، لم يكن لي في اي يوم من الايام علاقة جنسية مع مونيكا لوينسكي ابدا». اما هيلاري، وفي الوقت الذي كان فيه المستشارون في البيت الابيض ينكمشون اكثر فأكثر في دفاعهم عن رئيسهم، فإنها قادت معركة حقيقية واستفزت الهمم وسعت لاختيار افضل المحامين انها لم تتردد كان المطلوب أولاً هو انقاذ الرئاسة وقد اختارت هدفها بعناية انه «كنث ستار» الرجل الذي كان قد نجح في جرها الى المحكمة والذي يعمل ضمن اطار مؤامرة يمينية متطرفة، حسب قناعاتها الثابتة، كانت تكرهه وتحقد عليه، وكانت ترى بنفس الوقت في زوجها بيل كلينتون ضحية حقيقية. لكن بيل كان قد كذب عليها. فهل كانت تعرف ذلك عندما ذهبت وحدها أمام عدسات التلفزة لتدافع عن روايته للأحداث، مما كان يشكل مغامرة قد تمس بمصداقيتها وبشهرتها؟ وماذا كان دورها الحقيقي؟ هل هو دور الزوجة التي جرت خيانتها أم دور المتواطيء المنافق؟ ان امريكا تتردد دائما في اجاباتها بين القول بأنها ارادت المحافظة على اسرتها والتأكيد بأنها ينبغي ان تتخلى عن زوج خائن والقول بأن مصير الرئاسة اختلط مع مصير الحياة الخاصة لأسرة كلينتون. وفي شهر اغسطس من عام 1998 اعترف بيل كلينتون بأنه كان له «علاقة حميمة» مع المتدربة مونيكا لوينسكي ووزعت وسائل الاعلام في الشهر التالي عبر العالم اجمع تسجيل شريط «الفيديو» لشهادته وكذلك وزعت تقرير المحقق كنث ستار الذي بلغت صفحاته الـ 450 صفحة. كانت فضيحة هزت امريكا وشرع الكونجرس بإطلاق آليات امكانية عزل الرئيس الثاني والاربعين للولايات المتحدة الامريكية لأنه كذب وهو «تحت القسم». ماذا فعلت هيلاري خلال اسابيع عصيبة من الاذلال العام والاحتقار الخاص؟ لقد ابتعدت بقدر المستطاع عن نظرات الآخرين ولاذت بالصمت الكامل، لكنها تابعت النضال بوسائلها الخاصة وفي مقدمتها الذكاء وهدوء الاعصاب وقد وجدت في «سوزان توماس» المحامية النيويوركية، والمدافعة عن حقوق المرأة والطفل، وصديقة العائلة منذ سنوات السبعينيات سندا حقيقيا في الدفاع عنها وعن بيل. تقول هذه المحامية: «ان هذا الثنائي معا وكل منهما على حدة، وكما عرفناهما منذ البداية توقعنا، نحن اصدقاؤهما، بأنهما سيعرفان حياة استثنائية، ان حياتهما لا تعرف لحظة من الضجر. وهذا ما يربط بينهما بقوة ( ... ). انكم لن تفهموا شيئا من حكايتهما اذا لم تأخذوا في اعتباركم الحقيقة الواضحة التالية: انهما يحبان بعضهما ومنذ ثمانية وعشرين عاما يعيشان قصة حب مستمر». في عام 1992 كان حاكم اركانساس مرشحا لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية وكانت انتخابات الحزب الديمقراطي لتعيينه مرشحا رسميا تعثرت، آنذاك كشفت «جينفر فلاورز» مقابل مبلغ من المال دفعته لها صحيفة شعبية، بأنها عاشت علاقة مع بيل كلينتون فانطرح اثناءها السؤال التالي: هل يمكن لأمريكا ان تقترع لرجل خان زوجته؟. مارست هيلاري عندها دور المحامية «وطرحت نفسها كامرأة محبة وطلبت من جميع فريق «المرشح آنذاك» بيل كلينتون الالتزام التام بالاستراتيجية التي وضعتها لقد دعت المنتج الذي يعد برنامج (60 دقيقة) على قناة «سي.بي. إس» الذي كان يتم بثه مساء كل احد ويراه نسبة كبيرة من الأمريكيين وذهب «دون هوايت»، الاب ـ المؤسس لهذا البرنامج والذي كان قد «اخترع» عام 1960 المناظرة الرئاسية بين كنيدي ونيكسون، الى بوسطن للاشراف شخصيا على عملية التسجيل. وهو لا يتذكر حتى الآن ذلك اليوم حيث يقول بأن الشخصية الرئيسية التي كانت تشد الانظار اليها لم تكن المرشح للرئاسة وانما هيلاري الهادئة والساحرة والدقيقة والمتنبهة لأدق التفاصيل. قال كلينتون يومها: «اعترف بأنني تصرفت أحياناً بشكل سيء، وعرضت بسلوكي حياتنا كزوجين للخطر، قال هذا وهو ينظر الى امريكا وجها لوجه. فاستأنفت هيلاري الحديث: «هذه حقيقة، وككثير من البشر، واجهنا بعض المتاعب» ثم خفضت نظرها بحياء اصر الصحفي بالسؤال لبيل كلينتون: «انك تنفي اذن بأنه كانت لك علاقة مع جينفر فلاورز؟» اجاب بيل: «لقد اجبت على هذا فيما سبق» قاطعت هيلاري حديث زوجها وقالت: «علينا ألا ندخل في التفاصيل، إنها لا تخص احدا سوانا نحن الاثنين، أليس كذلك؟ ومدت يدها لتمسك بيد زوجها لقد ربحت الرهان ولم تعد ضحية بعيون الامريكيين؟ ليصبح بيل كلينتون رئيسا للولايات المتحدة الامريكية. كانت هيلاري قد قررت منذ زمن طويل ان تتجاهل التصرفات المراهقة لذلك الذي اتخذته زوجا، وان ترى به الفاتح والطموح والسياسي الذي لا يبارى منذ ان تم اختياره عندما كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية كـ «ممثل» لصفه، اما هي فقد كانت باستمرار الاولى بين زملائها. ولم تتراجع ابدا امام الصعاب، لكن معركة صيف 1998 لم تكن عائلية فقط ولم يكن الرهان هو المحافظة على الاسرة وابعاد ابنتهما عن التوترات التي كان وراءها مزاج الزوج ذي العنان المتراخي. كانت المعركة سياسية وكانت تهدد حصيلة 22 سنة من العمل المشترك كما تهدد المنصب الذي ارادته لزوجها. يقول «ديك موريس» المستشار السياسي وصديق اسرة كلنتون منذ عقد الثمانينيات الماضي: «هيلاري تحب بيل وبيل يحب هيلاري، وهذا هو الشيء الأول المشترك بينهما ويضيف: اذا اضفنا لهذا طموحهما مع قدراتهما المتبادلة فإننا نحصل على افضل شراكة سياسية في التاريخ المعاصر» لقد عمل «ديك موريس» سنوات طويلة مستشارا لكلينتون وكان مقربا جدا من الاسرة الى ان تم صرفه فابتعد عنهما الى ان وصل به الامر الى القول: «لقد ضقت ذرعا به وبها وبهما معا .. ومن الاسئلة والاجوبة» وكان يعبر بهذا الرأي عن شريحة كبيرة من الامريكيين الذين ضاقوا ذرعا بالحديث عن الثنائي «الرئاسي» ووصل الضيق الى بعض المساعدين والمستشارين الذين كانوا مقربين منهما كما تدل الشهادات العديدة التي تقدمها مؤلفة هذا الكتاب. باختصار كان هدف هيلاري في ذلك الصيف من عام 1998 هو امكانية البقاء وعدم الغوص الى القاع في عملية الغرق السياسي والعائلي التي اثارتها مغامرات زوجها واكاذيبه، وقررت عدم الاستماع الى الاذاعات او قراءة الصحف او مشاهدة التلفزيون كي تبتعد عن كل ما كان يقال من دعابات ماجنة حوله «الثوب الازرق» الذي كانت مونيكا لوينسكي ترتديه اثناء لقاءاتها بالرئيس بيل كلينتون وحيث لم تزل هناك «آثار» تشهد على ذلك.