إن المسألة السكانية تعتبر مشكلة حقيقية تم التعبير عنها، بالانفجار السكاني أو القنبلة السكانية. وكانت أول محاولة جدية لمعالجة هذه المشكلة هي تلك التي قام بها الانجليزي توماس مالتس ، الذي اصبح على اثرها واحداً من أهم مؤسسي ما سيعرف لاحقاً بالديمغرافية أو علم السكان. وجوهر ما جاء به مالتس يتلخص بقوله: إن عدد السكان يتزايد على شكل متوالية هندسية في حين يزداد الغذاء الضروري للانسان وفق متوالية عددية اي حسابية وبالتالي، فإن الخروج من معضلة هذا الاختلال يقوم على شرط نمو السكان وفق المتوالية الحسابية التي ينمو بموجبها الغذاء. وكان مواطنه دافيدر يكاردو هو صاحب المحاولة الجدية الثانية للتصدي الى مشكلة الانفجار السكاني، فوضع أطروحته المعروفة عن الأجر الحديدي ومفادها ان الأجور تتمشى مع تزايد عدد السكان تمشياً عكسياً. وبرأيه ان الاجور ستأخذ في الانخفاض تدريجياً مادام بقي عدد السكان آخذاً في تزايد مستمر وسيظل الأمر على هذه الحال الى ان يصل المجتمع الى حالة تبلغ فيها الأمور مستوى حد الكفاف. وهذا كان في رأيه كفيلاً بوقف النمو السكاني بطريقة تلقائية. على الصعيد المحلي ولاتخرج سوريا عن هذا الإطار العام للمشكلة السكانية في البلدان العربية وغيرها من البلدان النامية الأخرى، فمعدل النمو السكاني في سوريا يصل الى (3 ـ 4 %) سنوياً وهي من أعلى النسب في الوطن العربي، وبالنتيجة فإن الزيادة العددية السنوية في السكان تصل الى حوالي النصف مليون نسمة تقريباً ويتضاعف عدد السكان بالتالي بعد كل عشرين سنة، الأمر الذي ينعكس بالضرورة في انخفاض المعدل السنوي للدخل الفردي مقابل ارتفاع معدل الإعالة الاجتماعية الذي يصل اليوم الى نسبة 1/6 حيث يبلغ معدل الإعالة الى القوى العاملة في سوريا 94% مقابل 50% في البلدان المتقدمة، وبينما كانت الكثافة السكانية في سوريا سنة 1970 هي بحدود 20 نسمة بالكم 2 فهي اليوم 96 نسمة بالكم2، هذه هي الكثافة السكانية النسبية، أي محسوبة بتقسيم عدد السكان على المساحة ـ وأما الكثافة السكانية الفعلية فهي اليوم 600 نسمة بالكم2 فالأغلبية الساحقة من سكان القطر يقطنون في الشريط الغربي من البلاد وتبلغ مساحة الأراضي الصحراوية وغير المزروعة حوالي 80% من المساحة الكلية لسوريا البالغة (180.185 كم2). الأسباب وعلى هذا النحو، فإن المسألة السكانية في سوريا هي مشكلة قائمة ومطروحة للحل بجدية وهي مثال نموذجي لنفسها في البلدان الأخرى كلها التي تعاني من المشكلة ذاتها. واذا ماتساءلنا عن سر هذه المشكلة في بلدنا، فإننا نراه كامناً في الأسباب الرئيسية التالية: ـ الوعي الاجتماعي القائم على احكام ايديولوجية مسبقة تمنع اللجوء الى استعمال وسائل أو تقنيات الطب البشري المعدة لأجل الحد من الانجاب كعقارات منع الحمل واللولب وعمليات الكورتاج. ـ يقطن حوالي نصف سكان سوريا في الريف، ويعمل أكثر من نصف قوة العمل السورية في الحقل الزراعي، الواقع الذي يخلق حافزاً انتاجياً لدى العاملين في هذا الحقل الى الاكثار من الانجاب. ـ التركيب العمري للسكان في سوريا يشير الى ان مجتمعنا هو من أكثر مجتمعات العالم شباباً. ـ إن الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة في سوريا ساهمت الى حد بعيد في الزيادة الطبيعية للسكان عن طريق رفع المتوسط الحسابي للعمر في سوريا الذي يصل اليوم الى الـ (70) سنة. ـ الأمية المتفشية في أوساط النساء بشكل خاص التي تصل أحيانا وفي بعض المناطق الى أكثر من80% هي ايضا من الأسباب المهمة لتفاقم ظاهرة النمو السكاني في سوريا. ـ ويلعب الرأسمال الاجتماعي الرمزي من قيم وأعراف ومعايير متوارثة دورا كبيرا في نشوء وتفاقم ظاهرة النموالسكاني السريع أوالمتسارع في بلدنا. فمن جهة اولى نرى أن نمط الاسرة السائد في مجتمعنا هو الأسرة الممتدة وليس الاسرة النووية وذلك عملا بالقول المعروف في مجتمعنا: «اللي خلف مامات». الرأسمال الرمزي وأما من جهة ثانية، فإن تعدد الزوجات هو من الرأسمال الرمزي المعتاد في بلدنا، وهو بحد ذاته ليس سبباً مباشراً في تسارع النمو السكاني، إلا أن ماينطوي عليه من رأسمال اجتماعي متوارث هو الذي يساهم على نحو مباشر في تفاقم معدل نمو السكان، فالضرة تحاول استمالة الزوج وكسب الهيمنة على الاسرة الممتدة من خلال انجاب أكبر عدد ممكن من الاطفال، ومن هنا ينشأ سباق حامي الوطيس بين الزوجة وضرتها أو ضراتها على انجاب أعداد كبيرة من الابناء والبنات. ومن جهة ثالثة نجد أن «اللهاث» وراء انجاب الذكور بشكل خاص كقيمة تقليدية متوارثة عبر الاجيال المتلاحقة في مجتمعنا هو بدوره سبب رئيسي من اسباب ارتفاع معدل النمو السكاني في سوريا. ففي حالات عديدة تشاء مصادفات البيولوجيا أن تنجب المرأة خمس أو ست بنات وأحيانا اكثر بشكل متتال دون أن تتوقف عن الانجاب، ليس بسبب الحب في الانجاب بحد ذاته، بل فقط لأجل انجاب ذكور كقيمة اجتماعية مهمة في مجتمعنا بالنسبة للمرأة نفسها كما بالنسبة للرجل والمحيط الاجتماعي القريب والبعيد. ولاشك أن تشجيع أو تحفيز الحكومة في سوريا على الانجاب والتكاثر لأوقات طويلة سابقة كان له أثر مهم في ظاهرة تضخم معدل النموالسكاني وتورمه في فترات لاحقة. هذا من جهة، وأما من جهة اخرى، فإن ارتفاع الدخول لدى اوساط اجتماعية معينة قد ساهم، بهذا القدر أو ذاك، في ارتفاع منسوب الانجاب في تلك الاوساط الثرية. ويجب ألا ننسى أن انخفاض معدلات الهجرة الخارجية الى حد بعيد في السنوات الاخيرة مقابل عودة اعداد كبيرة من المهاجرين السابقين الى البلاد هو أيضا من الاسباب المهمة لارتفاع معدلات الزيادة السكانية وبالتالي النمو السكاني في سوريا.