في ذروة الصراع الصيني الروسي في الستينيات ارسل ماوتسي تونج برقية تهنئة الى خروتشوف بمناسبة بلوغه سن السبعين يقول له فيها ان الخلافات التي بيننا ان هي الا خلافات مؤقتة، وفي حالة وقوع ازمة عالمية فإننا لاشك سنقف معا ضد العدو المشترك! هذه الخلافات «المؤقتة» كان ماو يقدر عمرها بعشرة آلاف سنة، وعندما ناقشه كوسيجين ذات مرة وقدم له تطمينات شتى، وطلب منه تقصير امد الخلاف، تراجع ماو، وطرح من ذلك الامد ألف عام قائلا: حسنا سيبقى خلافنا قائما لمدة تسعة آلاف سنة، لا أكثر ولا أقل. «القياصرة» و«الأباطرة» ربما كان لماو الحق في ذلك فهو قاريء جيد لتاريخ الصراع الروسي الصيني. فطوال عصور القياصرة والاباطرة، ظل نزاع الحدود الروسي الصيني محتدما وورث ذلك الخلاف شيوعيو القطرين، فما اتفقوا الا ليختلفوا سراعا. في 21 ديسمبر 1949 طار ماو الى موسكو، وكانت تلك اول وآخر رحلة له الى خارج الصين، وهناك التقى بستالين وعقد معه ما سمي حينها باتفاقية الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين القطرين. وقد قاد عاملان اثنان لعقد تلك الاتفاقية اولهما موضوعي والثاني شخصي. اما العامل الموضوعي فقد تمثل في ذعر ماو من الامريكيين، غداة انتصاره على عميلهم شان كاي شيك، فقد تصور ماو ان الامريكيين لا يمكن ان يسلموا بالهزيمة، وانهم لابد سيعدون العدة لغزو الصين، لذا أراد ان يتهيأ لنزالهم بسند حليف، في وزن الاتحاد السوفييتي. اما العامل الشخصي فقد تمثل في شكوك ستالين بشخصية ماو، فقد كان ستالين يدعم جهرا شان كاي شيك بالسلاح. وعندما استقر لماو انتصاره النهائي في اكتوبر 1949، كان ستالين كما يروي خروتشوف في مذكراته يتساءل اي نوع من الرجال ماوتسي تونج هذا؟ انني لا اعرف شيئا عنه انه لم يحضر الى الاتحاد السوفييتي ابدا، وأخشى ان يكون فلاحا ضيق الافق، لم يصل حتى الى مستوى تفكير الطبقة العاملة وسكان الهند. ولذلك كان لابد ان يلتقيه شخصيا ويتعرف عليه والغريب انه عندما التقاه وتعرف به تكاثفت شكوكه به، وقال عنه سرا اي نوع من الرجال ماو هذا؟ يدعو نفسه ماركسيا، لكنه لا يفهم الحقائق الماركسية او ربما لا يريد ان يفهمها! في ثنايا قول ستالين ان ماو شخص «قومي» لا «أممي» وانه يريد ان يحافظ على استقلال بلاده ولا يريد ان يخضع لقادة الكرملين، بل انه يطالب برد كثير من الموانيء والجزر التي اقتطعها القياصرة من بلاده، وقد كان ماو فعلا كذلك، وكان قد طالب في تلك الزيارة برد تلك الاقاليم، ورفض ستالين ان يردها له، ولكن ماو كتم ذلك السر. ولم يبح به، الا عندما تصاعد النزاع جدا فيما بعد. لم تستفد الا امريكا! لكن حتى في ذروة الصراع فقد كان ماو يفكر في حالة اندلاع ازمة عالمية، بتجديد اتفاقية الصداقة والتعاون تلك، ولكن أية أزمة عالمية بتلك الخطورة لم تنشب، بل ساقت تيارات الاحداث الى ان يتقارب ماو «في آخر عمره» مع امريكا لا الاتحاد السوفييتي، واصبح كل من القطرين الشيوعيين، يتقرب من أمريكا ويستقوي بها ضد الآخر فيما عرف بسياسة المثلث الاستراتيجي التي لم تستفد منها الا امريكا. الآن افاق الجاران الغريمان الى خطل وعقم سياساتهما الخارجية قصيرة المدى، وذلك بعد ان قامت امريكا بالتحلل من أخطر التزاماتها حيال القطرين، وهي الالتزامات التي تضمنتها اتفاقية 1972 للحد من انتشار الصواريخ البالستية ولذلك سعت الصين وروسيا للتلاقي الاستراتيجي مجددا، وذلك في الاتفاقية التي وقعاها اخيرا للصداقة والتعاون، وهي اتفاقية تجدد مضامين الاتفاقية التي عقداها معا قبل أكثر من نصف قرن. ورغم أن متغيرات هائلة تتالت على محيط السياسة العالمية، منذ ذلك الحين الا انه يمكن ان يقال ان التطورات الاخيرة على الجبهة الامريكية منذ وصول بوش الى الحكم، قد فتح عيون الصينيين، والروس معا على الخطر الأمريكي.. ومرة ثانية فان مخاوف الصين تبدو كما كانت قبل نصف قرن، اعظم من مخاوف الروس من الخطر العسكري الأمريكي، فالصين رغم استقرار اوضاعها السياسية، هي الاضعف عسكريا واستراتيجيا، وهي مستهدفة امريكيا بأكثر مما تستهدف أمريكا الطرف الروسي. بذور تحالف استراتيجي الاتفاقية الروسية الصينية الجديدة هي بذور حلف عسكري بلا شك، فليس يقف في وجه الامريكيين سوى حلف روسي صيني، وبالطبع فليس من الحصافة في شيء ان يعلن الطرفان عن انشاء حلف عسكري، لذا حرص كلاهما على القول بأن تلك الاتفاقية ليست موجهة ضد طرف ثالث، وقد انتهز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة وجوده في جنوة في قمة الثمانية الكبار ليجدد ذلك النفي، ويبدي شيئا من حسن النية وراء عقد ذلك الاتفاق. لكن ما حرص بوتين على نفيه بشأن اتفاقية الصداقة الاخيرة، وشت به كلماته لصحيفة (Corriere) الايطالية التي اجرت تحقيقا معه ركز حديثه فيه على خطورة حلف الناتو على بلاده، قائلا ان هذا الحلف يجب ان يحل فورا، لتنشأ على انقاضه منظمة أمنية اوروبية جديدة، تشمل روسيا، وكأنه يريد بذلك الاقتراح الجريء ان يخرج امريكا من حلف الناتو لتحتل روسيا مكانها فيه، وذلك فيه ما فيه من اشارة غير قصية الى المخاوف والمكامح معا. ان حذر روسيا من حلف الناتو حذر اصيل فهو الحلف ما انشئ الا لمجابهة روسيا وتحديد نفوذها العالمي، كانت تلك الحقيقة قائمة على عقب الحرب العالمية الثانية، رغم ان تلك الحرب شهدت تحالفا اوروبيا امريكيا سوفيتيا ضد دول المحور، وستظل تلك الحقيقة قائمة، مهما تقاربت روسيا مع الغرب، بل ان تلك الحقيقة تزداد سطوعا الآن، لأن حلف ناتو اصبح يتمدد ويتضخم، ويضم دولا كانت من حلفاء موسكو في الامس القريب، مثل بولندا، وهنغاريا وجمهورية التشيك ويعد لضم دول اخرى كانت تدور حول الفلك الروسي، في المستقبل الوشيك. هذا عن الحذر الروسي، اما حذر الصين فهو أعمق بكثير، ان اقدام امريكا على انشاء نظام الدرع الصاروخية يستهدف الصين بالدرجة الأولى، ويقضي في حال نجاحه على كافة امكانيات الصين النووية والبالستية، وليس مصادفة بحتة ان جرى عقد اتفاقية الصداقة الروسية الصينية، بعد يوم واحد فقط، من نجاح اولى تجارب مشروع الدرع الصاروخية الأمريكية. وفي خط عام، تعتقد القيادة الصينية، بأن السياسة الخارجية الامريكية حيال الصين تقوم على أساس تكبيل الصين، وتفكيك نظامها السياسي، هذا هو فهم الصينيين لما يسميه الاستراتيجيون الامريكيون بسياسة الجذب والادراج. وربما كان ذلك فهما صائبا، فالادراج هنا يعني ادراج الصين في مدار الفلك الأمريكي، لا ادراجها في مسارات العلاقات الدولية المختلفة. وبين كل آونة وآخرى يتطوع الكونجرس الامريكي بتزويد الصين بما يزيد هواجسها. ابلغ دليل على ذلك ان الكونجرس صوت على مشارف زيارة كولن باول للصين على مشروع قرار يمنع الادارة الامريكية من تقديم تعويض متواضع للصين، لقاء قيامها على رعاية ملاحي البحرية، الاربعة والعشرين الذين هبطت طائرتهم التجسسية (EP-3) اضطراريا في الصين في ابريل الماضي. وكانت الصين قد طالبت بمبلغ زهيد لا يزيد على مليون دولار، ثمنا لتلك الخدمات ، وهو مبلغ لا يتطلب تدخل الكونجرس في الموضوع. اذ انه لا يزيد عن مستوى العمليات الروتينية اليومية، في وزارة الدفاع الأمريكية، ولكن الكونجرس المولع ابدا باستقرار الصين، انتهز تلك الفرصة لمساجلتها فصوت بأغلبية كاسحة 424 ضد 6 أعضاء لمنع تقديم ذلك التعويض المشروع للصين. كولن باول الذي يزور الصين هذا الاسبوع اطلق تصريحات تتنافى مع قرار الكونجرس الاستفزازي معلنا، ان الصين ليست عدوا للولايات المتحدة. وبالطبع فهذا التصريح يصعب توفيقه مع قرار الكونجرس، ومع استمرار تجسس الولايات المتحدة الاستفزازي على البحرية الصينية، ومحاولات قطع الطريق على تنميتها وتحديثها، وهذا ما تعمل الصين على تحديه بابرام معاهدة الصداقة مع روسيا، وهي المعاهدة التي اثمرت اضخم صفقة عسكرية، ابرمت في الاسبوع الماضي، لبيع دفعة من طائرات سوخوي (30 MKK) بمبلغ يصل الى ملياري دولار. ان كل الدلائل تشير الى ان كلا من الصين وروسيا هما بطريقهما لانشاء تكتل استراتيجي يحميهما من الاستفراد الأمريكي. د. محمد وقيع الله