تؤكد قراءة الواقع، الذي يبعث على القلق في أندونيسيا، أن المشهد السياسي في البلاد يتجه نحو مزيد من التصعيد المترافق بمزيد من الأخطار التي تهدد البلاد في وحدتها. ولا يمكن اعتبار الوضع في جاكرتا مريحا فالمواجهة بين الرئيس (السابق) والبرلمان الأندونيسي وصلت ذروتها، بعزل واحد وتنصيب نائبته ميجاواتي. والمتتبع لتفاعلات المشهد السياسي الأندونيسي، يرصد هذه الحالة من التصعيد والتطورات المتلاحقة للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وتنذر بمزيد من تزايد هذا التوتر السياسي، ودخول أندونيسيا في نفق مظلم. وفي التجربة الأندونيسية تبرز محطات مهمة، ففي الحقبة الأولى التي حكم خلالها بطل الاستقلال أحمد سوكارنو أندونيسيا، تمتد من عام 1945 - 1965، تلت ذلك حقبة الرئيس سوهارتو، إذ هيمنت المؤسسة العسكرية على مقدرات البلاد في تجربة جمعت ما بين الليبرالية الاقتصادية والسلطة السياسية، في هذه الفترة شهدت أندونيسيا نقلة اقتصادية كبيرة، غير أنها لم تترافق بنقلة سياسية مماثلة، إلى أن اضطر سوهارتو إلى الاستقالة في عام 1998، وتم تعيين نائبه يوسف حبيبي خلفا له في مرحلة انتقالية تزامنت مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصاديات شرق وجنوب آسيا عام 1997، وكادت أن تأتي على ما أنجزته أندونيسيا سابقا، خاصة في ظل أزمة السيولة المالية، وإمتناع صندوق النقد الدولي عن تقديم القروض، وتزايد جيوش العاطلين عن العمل، بعد ذلك خرج حبيبي من السباق الرئاسي بعدما ان صوت مجلس الشعب الاستشاري ضد تقرير قدمه حبيبي عن إنجازات عهده، لتشهد أندونيسيا بعد ذلك تجربة التحالفات ولعبة التوازنات السياسية التي قادتها القوى الإسلامية وإنحصرت المنافسة على الرئاسة في هذه الفترة بين ميجاواتي سوكارنو بوتري زعيمة حزب (النضال الديمقراطي)، الذي نال أكبر عدد من مقاعد البرلمان وبين عبد الرحمن واحد، زعيم حزب (نهضة العلماء) الإسلامي، الذي تم تنصيبه رئيسا للبلاد رغم أن حزبه أتى في المرتبة الخامسة من حيث مقاعد البرلمان، وأدى واحد القسم كأول رئيس منتخب وكان ينظر إليه وقتها بأنه مثقف ومتسامح وزعيم روحي. ولكن للأسف لم تدم نغمة التفاؤل بمستقبل الديمقراطية في أندونيسيا طويلا، وهي النغمة التي واكبت صعود المعارضة لمقاليد الحكم ممثلة في رمزها الرئيسي واحد ونائبته ميجاواتي في أكتوبر 1999، فقد تميزت فترة العشرين شهرا السابقة بسلسلة متواصلة من التوتر السياسي - الاجتماعي بشكل غير مسبوق، بسبب مظاهر التناحر الطائفي والعرقي، الذي بات يهدد الوحدة الجيو- سياسية للدولة، وقد رفع من وتيرة تلك الوضعية، تردي الحالة الصحية للرئيس، الذي أصبح يوصف (برجل آسيا المريض). منحنى الازمة ولقد فرضت المواجهة الحادة بين غالبية أعضاء البرلمان الأندونيسي وواحد نفسها منذ البداية، بشكل بدت معه الأزمة أعمق من مجرد المساءلة حول قضايا تتعلق بالفساد، سواء من جانب أعضاء البرلمان وإصرارهم على الاستمرار في إدانة واحد، أو في تجاهل واحد لهذه الخطوات وعدم مبالاته، لذا كان وصول منحنى الأزمة إلى أعلى نقطة متوافقا مع افتقاد الحوار المباشر من قبل كافة الأطراف، وهو ما يفسر مطالبة البرلمان في جلسة 30 مايو 2001 ـ (356 صوتا من إجمالي 500) بدعوة مجلس الشعب الاستشاري، أعلى سلطة في البلاد والتي يحق لها عزل الرئيس وتعيينه وتضم أعضاء البرلمان الـ 500 بالإضافة إلى 200 عضو آخرين يمثلون الأقاليم المختلفة والقوات المسلحة لعقد جلسة خاصة كانت مقررة في أغسطس المقبل للنظر في عزل الرئيس واحد وتنصيب نائبته رئيسة البلاد. ويقودنا هذا القرار إلى نتيجة أخرى أكثر تفسيرا لتسارع الأحداث مفادها تغير قواعد اللعبة التي أوصلت واحد إلى مقعد الحكم والتي يمكن إجمالها في ثلاثة محددات رئيسية: المحدد الأول يتعلق بتراجع تأييد قطاع كبير من النخبة السياسية والعناصر الحاكمة، للرئيس واحد، وذلك نتيجة لعدم قدرته على إنهاء المرحلة الانتقالية التي كانت عليها أندونيسيا خلال حكم حبيبي (مايو 1998 - أكتوبر 1999) وعدم قدرته على تحقيق الاستقرار، وكذلك بسبب استمرار طموح ميجاواتي في الحكم، حيث حرصت على عدم التورط في القضايا الشائكة، لاسيما تلك المرتبطة بالفساد والنزعات الإنفصالية، إلى جانب افتقاد واحد للعديد من مؤيديه وخاصة أمين ريس، رئيس مجلس الشعب الاستشاري وأحد أبرز رموز التيار الإسلامي وزعيم الجمعية المحمدية، ثاني أكبر منظمة إسلامية (بعد منظمة نهضة العلماء التي يتزعمها واحد)، بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية التي رغم افتقادها للكثير من نفوذها السياسي إلا أنها لاتزال تمثل رمانة الميزان في المعادلة الأندونيسية. ويتعلق المحدد الثاني بعدم قدرته على مواجهة النزعات الانفصالية في بعض الأقاليم الأندويسية (اتشية - جاوة الشرقية - اريان - بورنيو) فضلا عن استمرار آلية العنف بكافة أشكالها، سواء الطائفية أو الطبقية، على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لوقف أعمال العنف بالدفع نحو حصول الأقاليم على حكم ذاتي واسع يستثنى منه شئون الدفاع والخارجية. أما المحدد الثالث فيستند إلى عدم قدرة واحد على تثبيت ركائز النظام الأندونيسي التي اهتزت بقوة في أعقاب سقوط سوهارتو، وخاصة فيما يتعلق بإحلال مفاهيم الديمقراطية والحريات العامة والوحدة في التنوع،كبديل لمبادئ البانتشاشيلا التي شكلت في السابق الإطار الحاكم لفلسفة الدولة والمجتمع معا، فضلا عن عدم توافق اراء واحد مع خطابه وخاصة تجاه قضايا الفساد وتضييق الخلل الاجتماعي والخروج من الأزمة الاقتصادية. هذا المثلث من القضايا والضغوط يرتبط بالجماهير، التي رأت في واحد صورة مختلفة عن سوهارتو وحتى عن حبيبي، وبالتالي كان عدم نجاحه في مواجهة أي من هذه القضايا، سببا في فقده الكثير من الرصيد الشعبي والسياسي. تنازع السلطة وقد حاول الرئيس الأندونيسي المخلوع في مواجهة أزمته مع البرلمان ما يمكن تسميته باستعراض للقوة، حيث أوضح رغبته في الاستناد إلى مؤيديه من الجماهير للتأكيد على قوته، فرغم مطالبته لأنصاره بالصبر وعدم اللجوء للعنف، الا أنه المح إلى مخاطر استمرار إجراءات عزله على استقرار البلاد وتماسكها، كما أنه سعى إلى اعمال سياسة الجزرة والعصا من خلال محاولته الاعلان عن إمكانية زيادة صلاحيات نائبته ميجاواتي، أو اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ، وحل البرلمان، وهو ما سوف يتم الرد عليه من جانب البرلمان بدعوة مجلس الشعب الاستشاري لإسقاط واحد. وبالتالي فالأزمة القائمة يمكن قراءتها في إطار الصراع والتنافس السياسي بين القوى الرئيسية في أندونيسيا، وبالتحديد من جانب ميجاواتي وحزبها النضالي الديمقراطي، وأكبر تنجونج، زعيم حزب جولكار (الحاكم سابقا)، وأمين ريس، رئيس مجلس الشعب الاستشاري، وعلي مروان زعيم حزب التنمية الموحد، إلى جانب ستة أحزاب، وهي تمثل كتلة تصويتية تصل إلى نحو 70%من مقاعد مجلس الشعب الاستشاري، وهو ما يوفر لها القدرة على عزل الرئيس واحد. وخطورة المشهد الأندونيسي في كون ديمقراطيته لم تكن لها القدرة الاستيعابية الكافية لتحييد الآثار السلبية لتداعي مجتمع الوفرة الإقتصادية، أو أن يحل العامل السياسي محل هيئة الاقتصاد الذي كانت له الهيمنة في دمج شرائح المجتمع معا في نسيج عضوي واحد. ويمكن إرجاع ذلك في أحد أهم أسبابه لكون تلك الديمقراطية ذات حداثة زمنية، إذ لا يتجاوز عمرها أكثر من ثلاثة أعوام على أقصى تقدير من ناحية، وأنها ولدت مأزومة من حدة التوترات التي صاحبت الأزمة الاقتصادية العنيفة التي هزت أركان الدولة وحكم الرئيس السابق سوهارتو، من ناحية أخرى. ومن ثم فهي لم تكن نتاجا لتطور طبيعي تساهم عملية تراكم الخبرات فيها، في الحد من عمليات الانفلات المجتمعي، بل أكثر من ذلك هناك من يرى أن تلك الديمقراطية المأزومة يمكن أن تساهم في عمليات التعجيل بتفسخ وتآكل الدولة، وليس الحفاظ عليها في إعادة تكرار كلاسيكي لحالة الاتحاد السوفييتي السابق. فعلى الرغم من كون أندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية في العالم، فإنها على عكس الاعتقاد الشائع دولة تتسم بالتعدد الثقافي الذي فشل المكون الديمقراطي حتى الآن في أن يحل محل الكون الاقتصادي كأساس للتماسك العضوي بين مكونات هذه التعددية. ويزيد من حدة هذا التعدد الثقافي كون أندونيسيا دولة ليست ذات رقعة جغرافية واحدة، وإنما هي عبارة عن مجموعات من الجزر المتناثرة، وإذا أضيف إلى ذلك تعدد الميراث الاستعماري لهذه الجزر، وتأثيرات ذلك على الهوية الواحدة التي حاولت الدولة الأندونيسية فرضها، فإن المسألة تبدو أعقد مما يتصور، إذ تتكون أندونسيا من قرابة 14 ألف جزيرة، يتواجد عليها قرابة 300 جماعة عرقية ودينية. هيمنة التأزم وبشكل عام يبدو أن رحيل الرئيس واحد، يعد أفضل السيناريوهات السيئة، فكلفة بقائه أكبر بكثير من تكلفة رحيله، كما أن سقوط أول رئيس لأندونيسيا منتخبا بشكل ديمقراطي، عبر مسار دستوري ترسيخا لتوازنات سياسية قائمة، أفضل من الإتجاه نحو إفشال التجربة الديمقراطية التي أوصلته للحكم. ولكن يظل هناك تحد آخر قد تفرضه تداعيات الأزمة بعد عزل الرئيس واحد وتولى نائبته الحكم، حيث تبدو الفترة المتبقية وحتى أجراء الانتخابات المقبلة في عام 2004 بمثابة مرحلة إنتقالية أخرى تعيشها جاكرتا وسط حالة من عدم الاستقرار. وهكذا يبدو في النهاية أن مشاهد التأزم هي المهيمنة على مثيلتها الخاصة بالتهدئة، فكل من طرفي الأزمة بات عاجزا عن تجاوز إشكالياتها الحالية، وترسيخ قيم الديمقراطية الوليدة، فالنخبة السياسية ذات الخبرة المحدودة بمعالجة قضايا البلاد، يغلب على توجهاتها الطابع المصلحي الاني. أما قطاعات المجتمع المدني والتي ظلت أسيرة عقود التسلط، فهي غير قادرة على التعايش السلمي معا، وإنتاج آليات سلمية لحل مشاكلها الخاصة بالهوية والإندماج، وباتت تفضل آليات الانفصال والعنف، وهنا على وجه التحديد، تكمن معضلة الديمقراطية الأندونيسية والمخاطر التي تحيط بها. بقلم: محمود مرتضى ـ كاتب مصري