جاء حسم الموقف في اندونيسيا لصالح ميجاواتي سوكارنو، ليفجر من التساؤلات أكثر مما يقدم اجابات على طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل حالة يشوبها الغموض والضبابية، ولا تبشر بتجاوز اندونيسيا تجربتها الانتقالية منذ رحيل سوهارتو، ولكن لتصبح صياغة الموقف أقرب إلى بدء جديد من «دراما الانتقال» التي طالت، ربما بأكثر مما تخيل بعض المتشائمين، الذين لم يحاولوا اخفاء تحفظاتهم على الارتياح الذي ساد البلاد عقب سقوط حكم سوهارتو، نظرا للوضع التراجيدي الذي خلفه، بعد فترة حكم تجاوزت الثلاثة عقود. وإذا كان الجيش والبرلمان قد خذلا عبدالرحمن واحد، لصالح ميجاواتي، فإن الرهان على استمرار شهر العسل بين «الرئيسة» وأصحاب الفضل في عودة السيدة التي لم تخف أبدا نواياها في أن عودتها إنما دافعها الأساسي هو «الانتقام» لوالدها، أمر لا يمكن التكهن باستمراره إلى ما لا نهاية، إلا إذا استطاعت ميجاواتي تجاوز «الحالة الانتقالية» التي دخلت اندونيسيا في نفقها الطويل إلى مشارف مرحلة استقرار حقيقي. يتطلب ذلك ـ بداية ـ أن تتخلى ميجاواتي عن دور «السيدة العجوز» في مسرحية دورنمات الشهيرة، وأن تركز على فضيلتها الأساسية التي تتمثل في قدرتها على الاستماع للنصح، وعلى حد قول أحد المحللين البارزين في جاكرتا «إننا بحاجة لشخص يستمع لنصيحة الآخرين، وهذه حقيقة واضحة أكثر من أي شيء آخر في ميجاواتي». وربما كانت أخطر وأهم النصائح التي لابد وأن تستوعبها جيدا، هي ان اندونيسيا بحاجة إلى من يواجه المشكلات المزمنة والمستعصية، لا من يعتمد على قدرته في الالتفاف حول تلك المشكلات، أو الاعتماد على اسلوب «إدارة الأزمة»، وتوظيف التناقضات على الساحة السياسية، وخلق توازنات بين القوى المتصارعة، إذ ان عبدالرحمن واحد، رغم كل ما يملكه من براعة سياسية، وقدرة على المناورة قد فشل تماما في إدارة اندونيسيا معتمدا ـ فقط ـ على تلك الآليات، بدلا من محاولة تحقيق انجاز حقيقي على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، ينزع فتيل الغليان الاجتماعي والأزمة المعيشية الخانقة، بل كان حرصه الأساسي على الامساك بمفاتيح السلطة، وبكل قوة، ولم تكن المحصلة النهائية إلا وضع البلاد على شفا منحدر رهيب! فتح الملفات في السياق ذاته، فإنه من الخطورة بمكان أن تندفع ميجاواتي إلى فتح كل الملفات دفعة واحدة، ولكن البديل يتمثل في محاولة ترتيب سلم الأولويات بالطريقة التي تقود إلى نزع فتيل الاحتقان السياسي ـ الاقتصادي، وابعاد شبح التفتيت عن الدولة التي يتهدد العديد من أجزائها فيروس الانفصالية، كنتيجة لطبيعتها الخاصة، إذ تتألف من نحو ستة آلاف جزيرة بامتداد يقرب من خمسة آلاف كيلومتر، وحوالي 600 جماعة عرقية، و500 لغة، وتنوع ديني، لا ينفيه وجود 90% من السكان ينتمون للإسلام، لكنهم ـ ايضا ـ لا يمثلون كتلة صماء، وإنما ينقسمون إلى ثقافتين رئيسيتين، وينعكس ذلك على شكل الخريطة السياسية والفكرية التي تلون الطيف السياسي ـ الايديولوجي، وما يلقيه بالتالي على أي محاولة لايجاد صيغة ملائمة للحفاظ على وحدة اندونيسيا الوطنية. وقد تتصور ميجاواتي ان نزعتها القومية المتشددة في مواجهة المحاولات الانفصالية تضمن لها ولاء وتأييد المؤسسة العسكرية، التي أكدت ظروف تسليم مجاواتي للسلطة ان العديد من خيوط اللعبة مازالت في يدها، إلا ان الأمر يتجاوز في تلك المسألة ـ تحديدا ـ الحسابات والتوازنات الداخلية، إلى معادلة تضم أطرافا اقليمية ودولية لا يمكن التغاضي عن دورها وتأثيرها، وربما «درس استقلال تيمور الشرقية» مازال ماثلا في أذهان الاندونيسيين سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها، والأهم أن يكون الدرس واضحا أمام عين الرئيسة ميجاواتي! من ثم فليس أمامها إلا اعتماد «استراتيجية للتهدئة» مع الأقاليم المتمردة تتوصل فيها إلى صياغة وسطية، ربما تضطرها إلى التخلي عن موقفها السابق. والذي لا يزال قائما، بشأن رفضها التام للنظام الاتحادي، وجنوحها إلى الهيمنة المركزية، لصالح صيغة تعكس التنوع والوحدة في اطار عملي واقعي، قد يكون العاصم لاندونيسيا من انفراط عقدها. دستور جديد وحتى تخرج ميجاواتي من قبضة البرلمان، الذي يتقاسم مع المؤسسة العسكرية الفضل في حسم الموقف لصالحها، فإن أقصر الطرق لتحقيق ذلك يأتي عبر سعي حقيقي وحثيث لتنظيم حوار وطني، بهدف صياغة جديدة تضع اندونيسيا على عتبة عهد استقرار، وتوفر ضمانات لممارسة الحريات العامة، وتنظم العلاقة بين السلطات على أساس حديث، بحيث تنتقل اندونيسيا في ظله إلى مصاف الدول الديمقراطية، وتكسر الحلقة الجهنمية التي تجرها إلى الماضي وظلاله القاتمة. يتوازى مع ذلك التفكير، تشكيل حكومة ائتلافية، لا تضمن فقط ثقة البرلمان، أو تأجيل الخلاف معه، إلى أبعد وقت ممكن، بقدر ما يمكن لتلك الحكومة طرح برنامج يتضمن مبادرات تخرج اندونيسيا من أزمتها الاقتصادية الخانقة، وتضعها على عتبة تحديث الحياة السياسية، وتنأى بها عن مخاطر التفتيت. وتستطيع ميجاواتي أن تستثمر الترحيب الدولي بتنصيبها لدعم مبادراتها في الداخل لطرح تصور بتجاوز المرحلة الانتقالية، ووضع تصور التغيير الذي تأجل كثيرا، وصولا إلى رسم أسس استقرار البلاد، حتى يمكن التقاط القوى الساعية لاعادة بناء اندونيسيا ان توفر طاقاتها للانجاز بدلا من صرف تلك الطاقات في الصراع السياسي الذي لا حائل من ورائه إلا استمرار الاضطرابات والأزمات بل وتفاقمها. فرصة تاريخية إن أمام ميجاواتي فرصة تاريخية ثمينة، لاعادة رسم صورتها أمام شعبها، من مجرد ربة منزل تحب أفلام الكارتون، لم تكمل تعليمها، ودخلت أكثر من تجربة زواج فاشل، إلى رمز للتغيير، والأمل الأفضل لاندونيسيا، وان تثبت انها تملك مؤهلات قيادة رابع أكبر دولة من حيث عدد السكان، ولا شك ان قدرتها على اختيار المستشارين، واحاطة نظامها بالخبراء في المجالات التي تعاني من جرائها اندونيسيا العديد من العثرات، يمثل أحد صمامات الأمان ليس فقط لنظام حكمها، ولكن لبلادها، وربما كان ذلك يتطلب منها ـ في هذه المرحلة من حياتها ـ أن تتخلى عن بعض عاداتها، وأن تحاول اكتساب مهارات تتناسب مع طبيعة دورها في تلك اللحظة الحاسمة من تاريخ اندونيسيا. وإذا كانت ميجاواتي، قد استطاعت ببراعة تحسد عليها، ان تنجح في عدم التورط في العديد من القضايا ذات الحساسية، خلال مشاركتها للرئيس السابق في صيغة الحكم الثنائية، إلا ان ذلك المنهج لم يعد صالحا في ظل وجودها في سدة الرئاسة، مما يفرض عليها ضرورة تثبيت ركائز نظامها، وتبني رؤية واضحة، وبرنامج محدد الأولويات، واحلال مبادئ صحيحة يمكن في اطارها لاندونيسيا أن تتجاوز «حالة الأزمة المستعصية» إلى آفاق أكثر رحابة، ولا يمكن لميجاواتي أن تنجح في احراز ذلك الهدف إلا إذا كانت قادرة على طرح خطاب يتوافق مع الأداء الفعلي لأركان حكمها. إن سيناريو تنحية عبدالرحمن واحد، يمكن أن يتكرر مع ميجاواتي، إذا لم تحسن إدارتها للمهمة التي راهن معظم الفرقاء على انها جديرة بالتصدي لها، من ثم فان الظروف التي قادتها إلى سدة الرئاسة، لا يمكن التيقن من تثبيتها لفترة زمنية طويلة، أو إلى عام 2004 موعد انتهاء ولاية واحد التي تستكملها، والأمر يرتبط ـ بالأساس ـ بألا تفقد ميجاواتي مصداقيتها، والثقة التي أولاها لها الجيش والبرلمان والأحزاب والشارع ـ على السواء ـ الأمر الذي يحتم عليها أن تكف تماما عن لعب دور «المنتقمة» كما صورها ببراعة دورنمات في رائعته «عودة السيدة العجوز»، لان اندونيسيا غير مؤهلة ـ في هذه الظروف الحاسمة الوطنية، لان تستبدل عجوزا، بعجوز آخر يكثف الحالة الضبابية التي لم تتجاوزها منذ رحيل سوهارتو. هل تستطيع ميجاواتي أن تخرج من شرنقتها، وتتجاوز باندونيسيا مخاضها الصعب؟ الاجابة تحملها الأيام المقبلة، وربما تكسب ميجاواتي الرهان، وربما تخسر اندونيسيا شهورا أو سنوات جديدة إذا لم تستطع ميجاواتي أن تتجاوز دورها القديم. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري