حرب التحرير الدائرة في فلسطين يجب أن تُسمى كذلك. وفي مقابلة أجرتها محطة (CBS) مع خليل جهشان، نائب رئيس المنظمة العربية الأمريكية لمقاومة التمييز ضد العرب (ADC)، كان الرجل واضحاً. وفي كل الأسئلة التي وجهت إليه، أصر على أن ما يجري على الأرض الفلسطينية هو مقاومة شعب تواق للحرية للقوى التي تحتل أرضه، وأن ما يُسمى بالعنف والعنف المضاد ليس إلاّ نتيجة لوجود قوة أجنبية محتلة تجثم على أرض أناس آخرين وعلى أنفاسهم، وأن من حق هؤلاء الناس أن يقاوموا كما يليق بالشعوب الحيّة الوثابة. وهذا الكلام هو الذي يجب أن يطغى على الإعلام العربي كله، وعلى المقابلات التي يجريها أي مسئول يتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وقضيته. ولقد وقع الإعلام العربي، أو بعضه، في فخ إسرائيل فأسمت ما يجري بالعنف، وبالعنف المضاد وكأنهم بهذا يؤيدون محاولات إسرائيل الرامية الى مساواة الضحية بالقاتل والأعزل بالمدجج، والمظلوم بالظالم. وجاء قرار وزراء خارجية مجموعة الثماني (8-ا)، بالطلب الى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي قبول مراقبين دوليين منتصراً لطلب السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي قام وزير الإعلام فيها ـ ياسر عبد ربه ـ باستثمار الوضع، واتهام إسرائيل بأن رفضها ناتج عن خوفها ان يفتضح امرها ان هي قبلت بذلك. وقد فاته مثلاً أن يستفيد من الحالة التي نشأت عن طلب إسرائيل من الأمم المتحدة أن تزودها بشريط كان أحد جنود حفظ السلام قد صوره لحادثة اختطاف عناصر من حزب الله لثلاثة جنود إسرائيليين قرب «مزارع شبعا»، بعيد تحرير الأرض اللبنانية. فكيف ترضى إسرائيل وتصر على الاستفادة من الأمم المتحدة من ناحية، وترفض تدخلها من ناحية اخرى. وإذا كانت إسرائيل تصر على أن الأرض الفلسطينية هي حقها، فكيف تفسر إذن لوم السلطة الفلسطينية على رفض مبادرة الرئيس كلينتون للسلام؟ ولكن الحديث يجب أن ينصب على قراءة بعض الملامح التي تبرز لتضع علامات على ما يمكن ان يحدث في المستقبل. والملاحظة الأولى أن سمعة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية بالذات بدأت تتراجع دولياً وحتى إسرائيلياً. فهم يشكلون عصابات قتل، وهم الذين يقتلون المواطنين الفلسطينيين بإطلاق النار عن بعد، وهم الذين يقلعون الأشجار، ويدورون في الشوارع ليملأوها فساداً وتدميراً وتخريباً وصياحاً. ونرى في الوقت نفسه أن كل محاولات إسرائيل وشارون باقتحام الأراضي الفلسطينية، أو إعادة احتلالها، وتهديداته بقتل قيادات السلطة تقف عند حد لا تتجاوزه. فهل رسمت خطوط حمراء، وهل هناك اتفاق على اعتراف إسرائيل بتجاوزات المستوطنين، وقبول السلطة الفلسطينية بالحد من أي عمليات داخل إسرائيل أو في عمقها؟ وإذا نظرنا بشكل أكثر شمولاً على الخطوط الرئيسية للحوادث السياسية المتوقعة حتى نهاية عام 2002، فإننا سنشهد داخل إسرائيل انتخابات داخل الحزبين الرئيسيين لاختيار زعيميهما، وهما حزبا العمل والليكود. ولعل الأقرب الى الفوز بزعامة حزب العمل هو بورج، وشارون بزعامة حزب الليكود رغم المراهنات على نتانياهو ومحاولات تلميعه من جديد. وبعد ذلك ستجرى انتخابات برلمانية في إسرائيل. أما خارج إسرائيل، فسوف تجرى انتخابات عام 2002 في الولايات المتحدة لاختيار ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، وكامل أعضاء مجلس الممثلين، وثلث حكام الولايات أو أكثر. وهذه الانتخابات مهمة لإدارة الرئيس جورج بوش الابن لأنها قد تحقق له الأغلبية التي يسعى لها لتحقيق برامجه، أو تفقده إياها فيزداد موقفه داخل الولايات المتحدة حرجاً. وبقراءة أولية، نستطيع ان نقول ان الانتفاضة لن تتوقف قبل نهاية العام المقبل، وان المحاولات السلمية لن تعود قبل ذلك، وان العالم سيسعى لإدارة الأزمة أكثر من حلها، وأن المشكلات الاقتصادية المترتبة على دول الجوار، وبخاصة الأردن، ستبقى تعاني حتى ذلك الوقت من آثار الانتفاضة، ومن هنا جاءت رسالة الملك عبدالله الثاني الى زعماء مجموعة الثماني بصفته رئيساً للقمة العربية، وبصفته ملك المملكة الأردنية الهاشمية، ليلفت النظر الى المشكلات الناجمة عن عدم استقرار الأوضاع، وإصراره على ألا تبقى القضية الفلسطينية رهينة للأجندات السياسية للولايات المتحدة وإسرائيل، لأن بقاء الوضع الحالي على حاله ينطوي على عذابات ومآس سياسية وإنسانية لا تقف حدودها عند فلسطين، بل تمتد الى الجوار، وبخاصة الأردن، التي يعاني اقتصادها من مشكلات كبيرة تحدث عنها الملك عبدالله الثاني في كثير من المقابلات التي أجراها مع الإعلامين الأمريكي والإنجليزي. وهو يبذل جهداً كبيراً لإنقاذ الاقتصاد الأردني، وإلى تعزيز الحياة الديمقراطية، ويعلم مدى ارتباط الأردن ومصالحه الاستراتيجية بالبعد الفلسطيني من جميع جوانبه وهو يريد الدول المؤثرة أن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى حلها. بقلم: د.جواد العناني