يبدو أن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة قد انتقلت من العنصرية والتمييز ضد المواطنين العرب إلى مزاج التآمر السياسي السافر ضدهم بتحديدهم كخصوم. وليس صدفة أن تتم هذه النقلة النوعية مع «تبدد أوهام» أوساط واسعة في المجتمع الإسرائيلي حول «الشركة الفلسطينية الإسرائيلية في عملية السلام»، وإن كان التحول الأول أعمق وأبعد أثراً من موضوع استنفاذ إسرائيل الشركاء في البحث عن سلام بشروطها. مع هذين التحولين تعود إسرائيل بالصراع إلى أولياته وعناصره الأولى ويتحول المجتمع الإسرائيلي من جديد بإرادته إلى «يشوف» (وهو اسم المجتمع اليهودي المنظم قبل عام 1948) بفعل عمليات غسل دماغ وتعبئة وتحريض تقوقعه في حالة صراع مستديم مع محيطه لا أفق لحله مع محيطه. لقد باعت المؤسسة الإسرائيلية بقيادة رئيس أركانها السابق ايهود باراك للمجتمع الإسرائيلي خرافة مفادها انها عرضت كل شيء ممكن على الفلسطينيين، فما كان منهم إلا أن ردوا بإعلان الحرب على إسرائيل. ولا يخفي باراك ازاء ذلك، صدق أو لا تصدق، فرحه من انتخاب شارون كرد إسرائيلي على الرد الفلسطيني، وهو يعبر عن دعم أكيد وغير مشروط لشارون في إجماع وطني ومعركة قومية لا تعرف الخلاف الحزبي. وعلى ضوء تصريحات باراك الأخيرة تتخذ مفاوضات كامب ديفيد معنى جديداً.. لقد فاوض باراك كممثل للإجماع الوطني الإسرائيلي، وعندما فشل بفرض شروطه على الفلسطينيين، أعلن هذا الإجماع نفسه موت «الشراكة» معهم. بنفس المنطق حاولت المؤسسة الإسرائيلية بعد نضالات طويلة خاضها المواطنون العرب في الداخل منذ أيام الحكم العسكري مروراً بيوم الأرض عام 76 أن تكيف ذاتها وتكيف المواطنين العرب مع شروط جديدة للتعايش تستند إلى ما يلي: 1ـ الاعتراف العلني أو الضمني بالغبن والتمييز الواقعين بالمواطنين العرب مع التأكيد على أنهم مع ذلك يعيشون أفضل من «المواطن المتوسط» في الضفة والقطاع، أو حتى في العالم العربي. 2ـ منح العرب في الداخل حقوقاً مدنية جزئية بهدف تخفيف التوتر معهم ولمنع تطور حركات سياسية راديكالية أو مظاهر احتجاج عنيف، وبهذ المعنى تحولت الحقوق المدنية إلى نصيحة أمنية يشارك في إسدائها للحكومة رؤساء أجهزة أمنية. 3ـ التعامل مع هذه الحقوق المجتزأة كأنها لقاء مع سعي القوى السياسية العربية للمساواة، وبهذا المعنى الحقوق تصبح هذه والقبول بها كأنها المساواة بعينها أساسا لتقسيم العرب إلى متطرفين ومعتدلين. 4ـ الاعتراف بالتمييز الديني، وربما الثقافي، للمواطنين العرب وعدم الاعتراف بهم كجماعة قومية متميزة قد يترتب على الاعتراف بانتمائها للشعب الفلسطيني اشكال سياسي في مسألة ما يسمى بـ «الولاء للدولة». 5ـ اختراع دالة بيانية تربط الحقوق المدنية، حقوق المواطنة، بالولاء السياسي للدولة، أو على الأقل بلعب دور «جسر التعايش» أو «جسر السلام» الوهمي مع العرب أي بمعنى المساهمة في إقناع العرب بقبول الشروط الإسرائيلية. وقد توهمت المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة انها نجحت في تشكيل شخصية «العربي الإسرائيلي» الذي طور «وطنية عربية إسرائيلية» تجعل منه نصف عربي ونصف إسرائيلي ليتكيف مع الشروط أعلاه وليسترخي على هامش المجتمع الإسرائيلي وعلى هامش المجتمع العربي دون مساواة كاملة ودون شخصية قومية عربية وطنية فلسطينية متكاملة. ولكن مفاجأتها كانت صاعقة عندما رد المواطنون العرب بقوة على عمليات هدم البيوت في فترة حكومة نتانياهو وعلى مصادرة الأرض في هبة الروحة، ثم تفاعلاً مع الشعب الفلسطيني بعد مجزرة الأقصى وانطلاق الانتفاضة ضد الاملاءات الإسرائيلية. لقد حسبت المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة بجناحيها السياسي والأمني، بليكودها وعملها، أن الوضع قد استقر في النصف الثاني من الثمانينيات وفي بداية التسعينيات، وأن هنالك اتفاقية «أوسلو» أخرى موازية لأوسلو تم توقيعها عملياً مع المواطنين العرب، تقتضي أن يقبل هؤلاء بنصف مساواة وبنصف هوية قومية، وأن يكون هذا القبول هو أساس التعايش في دولة اليهود. فجاءت الريح بما لم تشته سفن المؤسسة الإسرائيلية، وانتشر خطاب سياسي ثقافي بين المواطنين العرب يؤكد على الانتماء القومي والوطني الكامل، كما يؤكد على المواطنة الكاملة. وطبيعي أن يؤدي انتشار هذا الخطاب وهذا المزاج إلى صراع مع السلطة الإسرائيلية على المستويين السياسي والمدني. ومن الطبيعي ان تحاول المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة أن تحتوي هذا الصراع من جديد بأدواتها: 1ـ التخويف والقمع والملاحقة ضد القوى السياسية التي تمثل هذا الخطاب السياسي الصاعد. 2ـ الاستعانة برموز المعادلة السابقة العرب المرتبطين مصلحياً بها. 3ـ الاستعانة بعقلية سياسية محلوية تفتت المجتمع العربي إلى انتماءات عشائرية وطائفية لا يتجاوز أفقها السياسي المعركة على السلطة المحلية أو البلدية. هذه الأدوات تدل على ان صاحبها ما زال يتمسك بعقلية استعمارية عندما يتعامل مع المواطنين العرب، ولا يوجد منطق آخر يبرر بحث قضايا المواطنين العرب في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست التي تستضيف في جلسة تلو الأخرى البروفيسور أرنون سوفير المختص بالعرب كـ «قنبلة ديمغرافية»، ورئيس الشاباك الذي يشرح للجنة خارطة القوى السياسية العربية في الداخل ويحذر من التيار القومي ويذكر محذراً نائباً في البرلمان بالاسم. تجري الآن عملية تخويف للجماهير العربية تبدأ بإعلان وزارة الأمن الداخلية نيتها تكثيف سياسة هدم البيوت العربية غير المرخصة مروراً بإعلان أن زيارات الأقارب الإنسانية إلى سوريا محظورة قانونياً، كما تجري عملية ملاحقة للقوى الوطنية من التهديد بالمحاكمة وحتى محاولة نزع «الشرعية السياسية» الملازمة لخوض الانتخابات البرلمانية. كما تجري محاولة لاستكتاب دعاة التعايش مع سياسة التمييز العنصري عبر الانضمام إلى معسكر حزب العمل إسرائيلياً ليقوموا بالتحريض ضد التيار الوطني من منطلق مصلحة الوطن العربي وعدم استثارة غضب الرأي العام الإسرائيلي، وليقوموا بالافتراء عليه تارة كقومجي متطرف وخطير وتارة كمن يخدم مباشرة السلطة الإسرائيلية التي تستكبهم، وليتم تلاوة كل ذلك في راديو إسرائيل بالعربية ـ وكأن الأمور تكتب لتقتبس إسرائيلياً ـ وتتضمن هذه في بعض الحالات وشاية واضحة، وشاية بمن يزور سوريا، ووشايات أخرى تندي جبين كل إنسان إلا العملاء، تزود السلطة بأدوات لضرب التيار القومي. وإضافة لذلك كله تجري محاولة لاستثارة نزاعات محلية في بعض القرى العربية بتوزيع مناشير طائفية بغيضة غير موقعة. لم يعد بالإمكان إجراء أي نقاش في البرلمان الإسرائيلي إلا في أجواء تحريض عنصري على العرب وعلى النواب العرب ولجنة الخارجية والأمن تبحث بشكل مسهب «القضية الديمغرافية» وتستمع إلى ارنون سوفيز وهو يقترح «تبادلاً سكانياً» (أي ترانسفير للعرب) في حالة وقوع حرب، كما تستمع في الجلسة التالية إلى رئيس جهاز الأمن العام وهو يحذر من القوى السياسية الوطنية، ويحمل العرب في إسرائيل مسئولية الانتفاضة ـ لا أكثر ولا أقل. ليست هذه التطورات شأناً عابراً، وهنالك حاجة ماسة للتوقف عندها للتفكير بأدوات الرد عليها، دون السماح لسياسة التخويف أن تؤثر على أحد. على المؤسسات العربية السياسية والأهلية والبلدية أن توحد جهودها في مواجهة هذه الهجمة العنصرية السافرة، مع تأكيد التمسك بهويتنا القومية والوطنية ودون تراجع عن مطالبنا المدنية المشروعة، لقد ولّى إلى غير رجعة عهد الحكم العسكري ولم تعد التهديدات تخيف أحداً. نحن سكان البلاد الأصليون، ولسنا ضيوفاً على إسرائيل لنقبل بشروط الضيافة. ويتوقف علينا نبذ نفر قليل من العرب الوشاة الضيوف والمسبحين بحمد مضيفهم. والذين يعتبرون كبرياء السكان الأصليين وتمسكهم بحقوقهم المدنية والقومية تطرفاً قومياً خطيراً يغضب المضيف. بقلم: د. عزمي بشارة