مع وصول الخريف، تستقبل الدوحة، عاصمة قطر، وفود منظمة التجارة العالمية الذين يلتقون في المؤتمر الوزاري الرابع في الفترة ما بين التاسع إلى الثالث عشر من نوفمبر 2001، وهذا المؤتمر يضم أكثر من 180 دولة، ويضم وفوداً من هيئات اهلية، ومراقبين، ويثير الكثير من مجموعات المعارضة التي شهدناها في مؤتمر سياتل والسويد وأخيراً جنوة، في ايطاليا. وسيكون هذا اللقاء اكبر حشد دولي اقيم على ارض خليجية، فيه الكثير من البيروقراطية، والكثير من الاختلافات، والكثير من المعارضات، والكثير أيضاً من محطات الاعلام التي تريد التركيز على ما يثير وعلى ما يستحوذ الانتباه. تأتي العولمة إلى ساحل الخليج لأول مرة، بكامل عددها، وبكامل الأزياء التي تتمنطق بها، وربما بكامل الطموحات التي تداعبها، وإلى مدينة صغيرة في ركن هاديء من سواحل الخليج، تحيطها المياه من ثلاث جهات وتحتضنها الصحراء الجرداء، مغيثة صيفاً، بالكاد ترى فيها عصفوراً، ومحرومة من مياه الانهار، لا تسكنها بحيرات، وليس فيها افلاج تنساب من تلال شاهقة. مع ذلك كله، فيها شيء عجيب، شيء يسمونه سلعة الندرة، وهي السلعة التي لا يملكها الا اصحاب الحظ الكبير، يحتاجها الجميع، من فقراء واغنياء، يموت من اجلها المرهفون القادرون على الدفاع عنها والعارفون بأسرارها، وهي سلعة يتمناها الجميع، يبحثون عنها في قاع المحيطات، وفي قمم الجبال، وفي البحور الميتة، وفي غابات الامازون، وادغال افريقيا، ترافقها دائماً مشاعر الطموح وافكار التفوق، وحياة الارتياح، غيرت الخليج خلال ثلاثة عقود من الزمن لأن أهل الخليج عرفوا كيفية التعامل معها، لم يبعثروها في مغامرات ولم ينهبوها في خزائن بنوك سويسرا، شيدوا بلدانهم من خيراتها. وحولوا الصحراء إلى واحات خضراء، واستبدلوا القرى البدائية بمدن تفوقت على مدن أوروبا العريقة، وشيدوا خدمات لا تجدها الا في القليل من مدن التقدم، لا اشك بأن الذين سيأتون إلى الدوحة، من سواحل الهاديء في أمريكا اللاتينية، ومن اوساط افريقيا، ومن جزر الاطلسي سيرون المشاهد المثيرة للاعجاب، من تطور تحقق، وطموح محدد، واصرار مرسوم. وسيرون شيئاً اخر من ضمن المشاهد الطيبة، هناك قيادات في هذه المنطقة تعرف حدودها، وتلتزم بكلمتها، وتقدر مسئولياتها.. تدرك بأن منظمة التجارة العالمية ليست نادياً للرياضة ولا للتسلية وانما هي منظمة فيها ثلاث سلطات.. الأولى: السلطة التشريعية، وهي سلطة فيها حقوق فوق الحدود الوطنية، في مجال التجارة وتشريع قرارات لتنظيم حرية التجارة، تضع ضوابط انسيابها في الفضاء التجاري، وفق قواعد تدريجية ووفق اطار زمني متفق عليه، ليصل بعدها التحرك التجاري بلا قيود، وبلا دعم، وبلا جمارك، وبدون كوابح مستترة. ثانياً: السلطة التنفيذية، وهي آليات التفتيش على الغش وعلى التجاوزات، تذهب إلى مواقع داخل كل بلد من أجل تأمين الانضباط على الجميع، وفق قانون المسئوليات والامتيازات، الكل يتمتع بحرية التصدير، والكل يخضع لضوابط التنفيذ. ولا يمكن لعضو ما ان يعترض على الكينونة العالمية المستحدثة، تحت حجج السيادة، والتدخل في الشأن الداخلي. ثالثاً: السلطة القضائية، وهي التي تحكم على من تشاطر على القوانين، وهي التي تتدخل في الخلافات بين الدول، كما رأينا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول حروب الدجاج، وحروب اخرى معظمها في الانتاج الزراعي. ومن المؤكد بأن الاعضاء في المنظمة عارفون بقانون المساءلة وملمون بحقوق الامتياز، ومن ضمنهم دول مجلس التعاون.. هناك اربع دول من دول المجلس انضمت إلى المنظمة بشكل اوتوماتيكي لأن قانون المنظمة يبيح للسلطات الاستعمارية أو الحامية ان تؤمن عضوية تلقائية لمحمياتها ومستعمراتها، وصارت الكويت، والبحرين وقطر والامارات أعضاء وفق هذه القاعدة، بينما انضمت مؤخراً سلطنة عمان بعد مفاوضات مرهقة، وما زالت المملكة العربية السعودية مراقباً لم تنضم بشكل نهائي، أما الدول العربية الأخرى فالعدد قليل، منهم المغرب، وتونس ومصر والأردن، وموريتانيا، والباقي خارج المنظمة، لم تتهيأ ظروفه بعد للانضمام. وهناك من داخل المجموعة العربية دول لا تتفق فلسفاتها الاقتصادية مع قوانين المنظمة مثل ليبيا وسوريا، والجزائر ولم تبدأ جدياً في التأهل للانضمام. ومع الاقتراب من الموعد المحدد للمؤتمر في الدوحة، تتصاعد الأصوات في بعض الدول العربية تطالب بالمقاطعة، وعدم الحضور، لأسباب لا علاقة لها بالمؤتمر ولا بأهدافه ولا بقوانين منظمة التجارة، وانما تعود الصيحات المطلقة إلى مسببات سياسية لمشاركة إسرائيل في المؤتمر.. ومع تقديري لوجهات النظر، ليس هناك أي مصوغ قانوني يشكل عائقاً ضاغطاً لعدم المشاركة في مؤتمر لمنظمة عالمية، تسعى الصين إلى الانضمام اليها، وتسعى الدول الاشتراكية سابقاً إلى اللحاق بركبها، وتشكل المنظمة الدينميكية الاقتصادية المستقبلية للعلاقات بين الدول، في الوقت الذي أصبح فيه رؤساء الدول شبه مسوقين لصادراتهم، وصارت دبلوماسية الدول هي دبلوماسية العقود والتجارة والتصدير، وقد رأينا الكيفية التي تعاملت فيها روسيا مع مقترحات العقوبات الذكية ضد العراق، وتحولت المواقف السياسية بفضل الشهية الملحة لدبلوماسية العقود والتجارة. ودخل العالم الآن نمط جديد من دبلوماسية الاتصالات الهاتفية بحثاً عن عقود للشركات الوطنية التي تريد التصدير في أنشطة البناء والاتصالات والتكنولوجيا. وبالطبع فإن دول الخليج واحة مغرية لعقود التجارة سواء في المجالات المدنية حيث الاقبال على التوسع في تشييد مدن حديثة وفي صناعات النفط المتشوقة إلى التكنولوجيا أو في المجالات العسكرية حيث رواج سوق التسلح في المنطقة.. ولحسن الحظ فإن وزراء التجارة والاقتصاد العرب من أربع عشرة دولة، اجتمعوا في القاهرة يوم الأربعاء الموافق 18 يوليو الماضي، وأكدوا حرصهم على المشاركة الفعالة في مؤتمر الدوحة، وطالبوا بمشاركة الجامعة العربية، وكلفوا الدكتور يوسف بطرس غالي بوصفه رئيس الاجتماع التنسيقي العربي، ابلاغ ذلك إلى المستر مايك مور، المدير العام لمنظمة التجارة العالمية. كما قرر الوزراء عقد اجتماع تشاوري اخر قبل الاجتماع الوزاري العالمي لمناقشة المستجدات، وشدد الوزير المصري على أهمية التحرك بموقف تفاوضي واضح يعبر عن رغبتها في المشاركة في البنيان الاقتصادي العالمي، ويوجه الدول النامية لكي تشارك في تغيير هيكل نظام التجارة المتعددة الاطراف بما يخدم مصالح المجموعة العربية، وأهداف التنمية وصياغة العلاقة بين العالم الثالث والعالم المتقدم. نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» في عددها الصادر يوم 17/7/2001، بحثاً موجزاً للاقتصادي العالمي الدكتور «امارتياسيني» الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998، يتحدث فيه عن العولمة.. وخلاصة البحث ان العولمة شيء قديم وان العولمة، وجوهرها تداخل المصالح وترسيخ الاتصال، امتدت وتطورت من خلال الاسفار والتجارة والهجرة ونشر الثقافة ونقل المعرفة والمفاهيم والعلوم والتكنولوجيا. تنطلق التأثيرات العالمية في هذه المرحلة من الغرب وحضارته، بينما كانت تنطلق من الصين والهند والحضارات الفارسية والإسلامية تجاه أوروبا مما ولد التفاعل التاريخي الذي نراه الآن في الاتجاهات المعاصرة. ويضيف العالم البارز، «بأن العولمة ليست جهداً ضائعاً ولا مقولة فارغة، فهي أغنت العالم علمياً وثقافياً، وعادت بالفوائد الاقتصادية على الكثيرين، وقد ضيقت العولمة على معاقل الفقر والفاقة ووصلت إلى جيوب يسكنها فقراء يائسون، كما شيدت أيضاً واحات من الرفاة، ولا شك بأن التقنية والاتصال بين الشعوب ساهم في تقليص الفقر. ويركز العالم البارز بأن المشكلة الحالية تتمحور في انعدام المساواة الذي يجب ان يعالج عن طريقة ادخال تحسينات ضرورية على هيكلة التجارة العالمية، وأهم بنود التحسين هو اتباع اقتصاد السوق، وتوزيع الموارد المالية وتطوير الموارد البشرية، بالاضافة إلى تبني سياسات مناصرة للفقراء في مجالات التعليم والرعاية الصحية والاصلاح الزراعي وسياسات التمويل والاقراض، والحماية القانونية، وهذه المواد تدخل في صلب اختصاصات منظمة التجارة العالمية التي تدعو إلى سن قوانين البراءات والتبادل التكنولوجي والمشاريع الطبية، ونقل السياسات البيئية والتكنولوجية.. وينتهي العالم البارز بحثه بالقول «بأن العولمة الايجابية هي الرد على الشكوك حول جدوى العولمة وان الاحتجاجات هي مظهر من مظاهر العولمة التي نؤيدها عندما تكون في أفضل صيغها، ولهذا نؤيد اجراء التغييرات السياسية والمؤسسية التي تفرضها العولمة، وبدون ذلك ستبقى الشكوك لصيقة بالعولمة». ولهذا فإن مسئولية قطر في تأمين نجاح المؤتمر تكبر مع تصاعد موجة الاقتناع بواقع العولمة، ومسئولياتنا في دول مجلس التعاون، هو دعم قطر في جهودها لتأمين النجاح. ولا أرى ما يفيد تكرار الدعوة بمقاطعة المؤتمر بسبب اخفاقات سياسية ونفسية لن تؤثر على مشهد العولمة الذي يتسع يومياً بتزايد أعداد المقتنعين واعداد الحريصين على اللحاق بالمركبة الكونية. بقلم: عبدالله بشارة