ضمن سلسلة اصداراته نصف الشهرية اعد المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت تقريراً عن اشكال الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي تناول السلبيات والإيجابيات من خلال النظر الى الواقع الاقتصادي الخليجي، كما قدم التقرير تعريفاً للاستثمار وأهميته وأنواعه. وفيما يلي نص التقرير: أولاً: أشكال الاستثمار الأجنبي المباشر تتعدد أشكال الاستثمار المباشر داخل الدولة لتتوقف على عدة عوامل أهمها: أـ من حيث ملكية الاستثمار: توجد عدة أشكال لملكية الاستثمارات الأجنبية، حيث يقوم المستثمر الأجنبي بالمفاضلة بينها حسب استراتيجيته وأهدافه وظروف الدولة المضيفة، ومن هذه الأشكال: 1ـ إنشاء مشروعات جديدة أو إعادة شراء مشروعات قائمة وموجودة أصلاً في الدولة المضيفة وهذا يتوقف على عدة عوامل، منها مدى توافر منشآت قديمة للبيع في الدولة المضيفة، ومدى رغبة المستثمر الأجنبي واستعداده لتحمل الأعباء القديمة للمنشآت الموجودة أصلاً، وكذلك مدى تفضيلات الحكومة المضيفة.. فكثيرًا ما تفضل حكومات بعض الدول إنشاء وحدات جديدة بدلاً من إعادة الشراء كوسيلة لإيجاد أنشطة جديدة وليس مجرد إحلال مستثمرين أجانب محل الوطنيين. 2ـ الاشتراك في رأس المال الفرع أو الملكية الكاملة له في الدول التي تسمح بنسبة امتلاك 100%. ب ـ من حيث الرقابة على الاستثمار: إذا كانت ملكية رأس المال تعد الشرط الضروري لوجود استثمار مباشر إلا أن هناك شرطًا إضافيًا وهو ضرورة إحكام الرقابة على هذا الاستثمار، ويكون ذلك من خلال الملكية (أي عدد من الأصوات المتناسب مع النصيب النسبي في رأس المال) والتمثيل في مجلس الإدارة وأيضًا من خلال عقود الإنتاج والإدارة أو السيطرة على أسلوب الإنتاج. ج ـ من حيث نقل التكنولوجيا: حيث يقوم المستثمر الأجنبي بنقل التكنولوجيا إلى المشروع، وتتضمن الحزمة التكنولوجية انتقال سلع ورأس مال وعمالة ماهرة وفنية وخدمات فنية وإدارية وتنظيمية وتسويقية ومعرفة فنية وعلامات تجارية. ثانياً: إيجابيات وسلبيات الاستثمارات الأجنبية إن من أهم العوامل التي تساعد الدول النامية على الانضمام لنظام العولمة زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الاقتصادات الوطنية. وهناك عدد من الإيجابيات التي تمتاز بها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لعل من أهمها مايأتي: 1ـ تحقق الاستثمارات فوائد ومنافع للدول المستقبلة لها تتمثل في زيادة تراكم رأس المال، والتقدم التكنولوجي وتطوير الهياكل الإنتاجية وإصلاح الخلل في موازين المدفوعات وموازنة الدولة. 2ـ تساعد هذه التدفقات على توفير فرص وظيفية ورؤوس أموال جديدة. 3ـ يعد الاستثمار الأجنبي المباشر وسيلة لنقل التكنولوجيا، وقد تمكنت عدة دول من إقامة مشروعات ضخمة ذات مستوى فني متقدم بالاستفادة من هذه الاستثمارات، مثل المشروعات البتروكيماوية في السعودية والكويت والإمارات، وأيضًا تصميم وتنفيذ بعض مشروعات البنية الأساسية المتقدمة مثل شبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والطرق والجسور والموانئ والمطارات. 4ـ يساعد الاستثمار الأجنبي على خلق مجموعة من الوفورات الخارجية والمنافع الاجتماعية عن طريق زيادة رأس المال الاجتماعي من خلال ما يقوم به المستثمر الأجنبي من رصف وتمهيد للطرق المؤدية إلى مشروعه، وتوصيل ومد لشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء. 5ـ تخفيض تكاليف الإنتاج لبعض المشروعات المحلية نتيجة قيام هذه الاستثمارات بتوفير بعض مستلزمات الإنتاج لهذه المشروعات من خلال بعض الصناعات المغذية. 6ـ يمكن للاستثمارات الأجنبية سد الفجوات الإدارية المهمة ونقل المهارات للموظفين المحليين. 7ـ كما تسهم هذه الاستثمارات في سد الفجوة الادخارية وفجوة النقد الأجنبي. 8 ـ يستفيد جمهور المستهلكين في البلد المتلقي من تنامي عنصر المنافسة في السوق المحلية، كما أن مشاركة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الوطني تؤدي إلى حفز المنتجين المحليين لتطوير كفاءاتهم وطاقاتهم الإنتاجية. وفي مقابل هذه الإيجابيات هناك عدد من السلبيات التي يمكن أن تعوق الاقتصادات المستقبلة للاستثمارات الأجنبية لعل من أهمها: 1ـ سيطرة رأس المال والاستثمارات الأجنبية على مقدرات الدول الاقتصادية. 2ـ تركز نشاط غالبية هذه الشركات الاستثمارية في مجال التجارة وتداول السلع والخدمات دون أي تقدم يذكر في مجال الإنتاج، حيث إنها تبحث عن الربح السريع ولا تشارك في المشروعات التنموية الحقيقية. 3ـ تشجيع الشركات الأجنبية المستثمرة على الاستهلاك والإنفاق عن طريق الدعاية المكثفة على سلعها وتشجيع أنماط استهلاكية غير مرغوبة، حيث إنها تعرض سلعًا استفزازية مستوردة ترغب في الثراء الفاحش والاستهلاك المنهك. 4ـ قد يؤدي تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إعاقة الصناعات المحلية أو حرمانها من استحداث عمليات تصنيع جديدة أو التوسع في عمليات التصنيع القائمة لديها. 5ـ قد تؤدي الاستثمارات الأجنبية المصحوبة بتقنية عالية إلى سوق يفتقد لهذه التقنية ـ إلى طرد المنافسين المحليين وبالتالي تدمير وزوال القدرة الصناعية الموجودة في البلد، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى خلق نوع من الاحتكار. 6ـ قد تشكل الاستثمارات الأجنبية المباشرة تهديدًا للأمن القومي في البلد المتلقي نتيجة تحول ملكية قطاعات معينة في البلاد كقطاع الاتصالات والطاقة وتحلية المياه.. وغيرها لمستثمرين أجانب. 7ـ منافسة الاستثمارات الأجنبية للاستثمارات المواطنة وتركز الأولى في استثمارات قصيرة الأجل لاتخدم التنمية الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية. 8ـ يمثل وجود الاستثمارات الأجنبية أحيانًا نزفًا حقيقيًا لاحتياطي العملات الأجنبية. 9ـ يؤدي وجود الاستثمارات الأجنبية إلى التوسع في واردات الدولة المضيفة من السلع الوسيطة والخدمات، وتحويل أرباح تلك المشروعات للخارج مما يشكل أعباء على موازين المدفوعات بسبب اتباع سياسة تسعير الصادرات والواردات التي تنتهجها الشركات الأجنبية المستثمرة. 10ـ التقنية التي تصاحب الاستثمارات الأجنبية عادة لا تلائم ظروف الدول المضيفة من حيث المواصفات والمستلزمات، كما أنها غالبًا ما تكون كثيفة رأس المال قليلة العمالة، مما يؤدي إلى انتشار البطالة في الدول المضيفة. 11ـ تؤدي الاستثمارات إلى استمرار ظاهرة الازدواجية في الاقتصاد الوطني، حيث ينقسم هذا إلى مشروعات جديدة أجنبية تعمل بأحدث الفنون الإنتاجية، وأخرى تقليدية وطنية تستخدم أساليب إنتاج غير متطورة، ويؤدي هذا إلى زيادة درجة عدم عدالة توزيع الدخل في المجتمع. 12ـ ما يمكن أن تلقي به هذه الاستثمارات من تأثير على السياسة العامة للدولة المضيفة، وكذلك قابليتها للخضوع لضغوط الحكومات الأجنبية بشكل غير مباشر من خلال الشركات الأجنبية، ومن ثم قد يؤدي نشاط هذه الشركات إلى الانتقاص من الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدول المضيفة بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من مثالب الاستثمارات الأجنبية فإن عولمة الاقتصاد لم تدع مجالاً آخر للدول لتسلكه سوى الاندماج في الاقتصاد الدولي ومسايرة قواعده والالتزام بقوانينه، لأن أي خروج عنها لن يضر إلا بها وليس بغيرها في أعضاء المجتمع الدولي ككل. ثالثًا: نظرة على الواقع الاقتصادي الخليجي تتطلب دراسة قضية الاستثمارات في دول مجلس التعاون الخليجي التعرف على السمات التي تتسم بها اقتصاديات تلك الدول وأهمها: 1ـ اقتصاديات أحادية الإنتاج: فدول الخليج العربي دول نفطية أي تشتق مداخيلها من استخراج وتصدير النفط، وهو مادة آيلة للنضوب في المستقبل، وتمثل عائدات النفط 33% من الناتج الإجمالي في الإمارات، و75% من الدخل القومي الكويتي، و30% من الناتج المحلي الإجمالي للبحرين وبنفس النسبة لقطر، و40% من الناتج المحلي الإجمالي لعمان. وبهذا الوضع كان أي اهتزاز يتعرض له الخام في الأسواق العالمية يعني اهتزازًا مماثلاً في اقتصاديات دول الخليج والذي يمكن تبين آثاره في أزمة أسعار النفط عام 1998. وبدراسة خصائص التنمية الاقتصادية للدول المعتمدة على مصادر ناضبة يتبين أن معدلات الادخار والاستثمار التي يجب أن تحققها هذه الدول مطالبة بالوصول إلى مستويات من الدخل تعوض عن الدخل المتدني من النفط في حالة نضوبه للحفاظ على مستويات المعيشة لدولها، ولاشك أن لهذه الخاصية كثيرًا من الانعكاسات المهمة على سياسات الاقتصاد الكلي بما فيها سياسات الادخار والاستثمار. 2ـ الخلل في التركيبة السكانية وسوق العمل: حيث مازالت العمالة الوافدة تمثل أساس قوة العمل في دول المجلس مما كان له عدة آثار اجتماعية وسياسية وثقافية لا مجال لبحثها هنا، وإنما الآثار الاقتصادية المباشرة هي استنفاذ مبالغ مالية ضخة من خزائن الدول الخليجية لصالح هذه العمالة ودولها، إذ تبلغ تحويلات العمال الأجانب في دول الخليج العربية الست حوالي 26 مليار دولار سنويًا، يذهب 5 مليارات دولار منها إلى الهند وحدها. 3ـ الانكشاف تجاه الخارج: ويرجع ذلك إلى الاعتماد على النفط كسلعة رئيسية للاقتصاد، فضلاً عن التوسع في الاستيراد من الدول الخارجية. 4ـ محدودية السوق: وتنطلق كلمة السوق إلى سوق تبادل السلع والخدمات وكذلك إلى الأسواق المالية ذاتها. 5ـ ضعف الصناعات التحويلية: حيث تتسم جميع الاقتصادات الخليجية بجمود هياكل إنتاجها وصادراتها التي تعتمد على النفط، مع الضعف الشديد في قطاعات الصناعات التحويلية والتي تضعف من القدرة التنافسية لهذه الدول في الأسواق الدولية. 6ـ ترهل القطاع الحكومي: حيث تعاني الدول الخليجية من ترهل القطاع الحكومي الذي يسهم بحوالي 80% من الحياة الاقتصادية في هذه الدول، وتعاني الدول أيضًا مما يسمى بالمرض الهولندي وتتسم اقتصادياتها بسمة «الريعية»، ويعيش مواطنوها في دولة الرفاه. وكنتيجة للسمات السابقة، عانت الدول الخليجية من أوضاعها المالية المتراجعة بسبب التذبذب في أسعار النفط وبالتالي التذبذب في إيراداتها النفطية، فضلاً عن تآكل أصولها الأجنبية التي كونتها خلال سنوات الطفرة. وبسبب العجز المستمر في موازناتها الحكومية وتزايد حجم الإنفاق الحكومي كنتيجة لتزايد السكان وبروز طبقة من العاطلين ازدادت الأعباء المالية المترتبة على صيانة مشاريع البنية التحتية التي نفذت في السبعينيات. وبسبب آثار حرب الخليج الثانية وتزايد النفقات العسكرية.. أصبح البحث عن مصادر للتمويل أمرًا ملحًا، فضلاً عن الرغبة في إنعاش الاقتصاد الواهد ومسايرة الركب الاقتصادي العالمي، وكانت الاستثمارات الأجنبية مصدرًا ملائمًا يلبي هذه الاحتياجات. رابعاً: الاستثمار في الخليج: تعريفه و أهميته و أنواعه في مواجهة انخفاض مواردها المالية وارتفاع حجم التزاماتها تجاه مواطنيها تسعى دول الخليج العربية إلى تشجيع الاستثمارات الخارجية والأموال المحلية التي اتجهت إلى الأسواق الخارجية على العودة، واتخذت هذه الدول كثيرًا من الخطوات الهادفة إلى خلق البيئة الجاذبة للاستثمارات.. ولكن لا تزال هذه الاستثمارات غير كافية وهو ما سيتضح من خلال العرض التالي: أـ المقصود بالمناخ الاستثماري: المناخ الاستثماري هو محصلة إجمالية لمجموعة كبيرة ومعقدة من العوامل المترابطة التي تضم الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تكتمل بوضع البنية التشريعية والإدارية والتنظيمية داخل الدولة. وهناك نوعان من الاستثمارات هما: الاستثمار المباشر، والاستثمار غير المباشر: ـ ويقصد بالاستثمار المباشر، انتقال رأس المال عبر الحدود السياسية ـ للاستثمار خارج موطنه الأصلي بهدف تحقيق الربح، ويتوقف حجم تدفقاته على مدى ملاءمة المناخ الاستثماري سالف الذكر. وللمستثمر الأجنبي رقابة حقيقية على المشروع الذي يقيمه في الدولة المستقبلة. ويقصد بالاستثمار غير المباشر، امتلاك المستثمرين، سواء كانوا أفرادًا أو شركات لبعض الأوراق المالية من أسهم وسندات لمؤسسات وطنية في دولة أخرى، وذلك دون القيام بممارسة أي نوع من أنواع الرقابة أو المشاركة المتمثلة في الأسهم والسندات. وينتشر النوع الأول من الاستثمارات في الدول الخليجية، على عكس النوع الثاني الذي ينتشر في الدول المتقدمة ذات الأسواق المالية الواسعة والبورصات العريقة. خامساً: نبذة تاريخية عن الاستثمار الأجنبي في الخليج لم تعرف دول الخليج العربية حركة الاستثمارات الأجنبية منذ فترة الاكتشافات النفطية فحسب أي مع بدايات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ـ وإنما يعود ذلك إلى القرن التاسع عشر الميلادي حيث كانت المنطقة بفضل موقعها الاستراتيجي المتميز مركزًا تجاريًا مهما لحركة السلع بين الشرق والغرب. وتميزت دول كثيرة في المنطقة وعرفت في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط بصيد اللؤلؤ وصناعته وأنشطة الغوص، حتى يقال إن أنشطة وإيرادات صناعة اللؤلؤ كانت تعادل الإيرادات النفطية أحيانًا لبعض الدول بعد اكتشافها له. وسمح نشاط اللؤلؤ للتجار الهنود بالاستقرار في المنطقة ووفد إليها أيضًا عدد كبير من التجار الإيرانيين الذين مارسوا أنشطة متعددة في هذا المجال. ثم كانت للاتفاقيات السياسية والاقتصادية التي عقدتها بريطانيا مع عدد من دول الخليج في بدايات القرن التاسع عشر الأثر الكبير في المسار الاقتصادي والسياسي لهذه الدول، حيث عمدت إلى ضرب اقتصادياتها وتكريس تواجدها وهيمنتها من خلال شركة الهند الشرقية ومن خلال عدد من الاتفاقيات مع دول المنطقة (كالإمارات والبحرين) واتباعها لعدد من الإجراءات والقيود التي حدت من النشاط التجاري للمنطقة. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت القوى الاستعمارية قد بدأت في أعقاب النهضة الصناعية التنافس على مناطق المواد الخام وعلى الأسواق والمناطق الاستراتيجية في العالم. ونشطت بريطانيا لتعقد عددًا من الاتفاقيات المانعة للتنقيب عن المعادن، واتسمت هذه الفترة بهيمنة المصارف الأجنبية على الأنشطة المصرفية في المنطقة والتي كان من أهمها البنك البريطاني للشرق الأوسط الذي أنشئ في دبي عام 1946. ومع الاكتشافات النفطية في منطقة الخليج والتي بدأت في إيران عام 1872، ثم العراق عام 1914، شهدت منطقة الخليج نشاطا اقتصاديا واسعا لاسيما بعد توسع نشاط الشركات الأمريكية في العالم ومنطقة الشرق الأوسط من خلال سعيها للحصول على امتيازات التنقيب عن البترول في الخليج والذي أثار خلافًا بينها وبين الشركات الإنجليزية خلال العشرينيات من القرن الماضي. وفي عام 1928 نجحت الشركات الأمريكية بالفعل في الحصول على الامتياز الكامل للتنقيب عن النفط في البحرين وعثرت عليه بالفعل عام 1932، وإزاء ذلك قامت بريطانيا بتكوين شركة نفط إنجليزية لتعمل في الخليج في أكتوبر 1935. وتوالت الاتفاقيات البترولية وكانت بشكل عام اتفاقيات احتكارية وقامت الشركات البريطانية بصياغة بنودها وألزمت حكام الإمارات والبحرين بالتوقيع عليها تحت ضغط البوارج الحربية البريطانية، وبالطبع كانت هذه الاتفاقيات لا تحمل أي معنى للاستثمار ولكنها تضمنت تنفيذ رغبة بريطانيا في النص على كل الإعفاءات الضريبية، واتسمت أيضًا بطول مدة الامتياز ولكنه لا يمكن أن يطلق عليه استثمار طويل الأجل، إذ لم يكن له مردود اقتصادي إيجابي على الدول الخليجية وإنما كان المقابل فقط إتاوة سنوية بسيطة تدفعها بريطانيا لهذه الدول التي لم تدخل بالطبع في علاقة شراكة في رأسمال الشركات الأجنبية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عادت شركات البترول للعمل في منطقة الخليج ونشطت بصورة أكبر بعد اكتشاف النفط بكميات تجارية، ومع ميلاد منظمة الأوبك عملت بعض هذه الدول على تشجيع دخول الشركات المستقلة لكي لا تعتمد كلية على شركات البترول الاحتكارية، كما عمدت دول أخرى إلى إسناد مهمة التنقيب والاستخراج لشركات وطنية مثل (أرامكو) السعودية. سادسا: الواقع الاستثماري الخليجي تتسم المرحلة المعاصرة بانتشار ظاهرة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويرجع ذلك إلى اتساع نشاط بعض الشركات الكبرى التي عملت على تدويل نشاطها وانتشرت عالميًا، ولهذه الاستثمارات القدرة على نقل التكنولوجيا والخبرات الاستثمارية والتدريبية للدول التي تتدفق إليها، ومن ثم سعت معظم الدول ـ ومن بينها الدول الخليجية ـ للعمل على اجتذاب هذا النوع من الاستثمارات للمساعدة في العمليات التنموية التي تشمل كل القطاعات الاقتصادية. ولدول الخليج عدد من المقومات التي تشجع على الاستثمار المباشر من أهمها: 1ـ الاستقرار السياسي والأمني وما يوفره من حماية للاستثمارات، سواء الوطنية أو الأجنبية ويحميها من أخطار الانقلابات المفاجئة والتغير من نظام حكم لآخر يطيح بقوانين ولوائح سابقة. 2ـ توفر بنى تحتية متطورة للمستثمرين بما يخدم أعمالهم، سواء عن طريق المطارات أو الموانئ وشبكة الاتصالات القوية إلى جانب منظومة متعددة من الخدمات التي تقدم للمواطنين والمقيمين بأسعار تكاد تكون مجانية. 3ـ استقرار السياسة المالية والنقدية واستقرار سعر الصرف نسبيًا إزاء العملات الأخرى. 4ـ محدودية الضرائب والرسوم المفروضة في الاقتصادات الخليجية. 5ـ ارتفاع عوائد الاستثمار والذي يعود إلى ارتفاع مستويات الطلب على السلع والخدمات، سواء لارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، أو لارتفاع متوسط نصيب الفرد منه، أو لوجود النزعة الاستهلاكية بشكل عام لدى المجتمعات الخليجية. 6ـ اتساع الأسواق الخليجية بفضل تواجد ملايين الوافدين إلى سوق العمل والذين يسهمون أيضًا في رفع معدلات الطلب الكلي على السلع والخدمات. 7ـ تمتلك دول الخليج مستويات سيولة مرتفعة، حيث تزيد قيمة الودائع المصرفية في السعودية على 75 ملياراً مقابل 24 مليار دولار للكويت و28 مليار دولار للإمارات. ولكن هل استغلت دول الخليج هذه المقومات الاستثمارية على الوجه الأمثل أو تتمكن من ذلك؟ والإجابة عن هذا التساؤل تأتي بالنفي، وهناك دلائل على ذلك: أهم الدلائل على قصور البيئة الاستثمارية الخليجية: 1ـ حجم الأموال التي استقطبتها دول الخليج لايتناسب مع وزنها الاقتصادي في الاقتصاد العالمي. حيث حصلت دول مجلس التعاون العربي على 3% فقط من الاستثمارات الأجنبية التي قدرت عام2000 بحوالي 632 مليون دولار للدول النامية، في حين حصلت الدول الآسيوية على 48% منها، ودول أمريكا اللاتينية على 44% منها، ودول إفريقيا على 4% منها، و1% لدول أخرى، كما قدر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الخمس الماضية بحوالي 5.5 مليارات دولار في حين تصل الاستثمارات الأجنبية في الصين إلى حوالي 35 مليار دولار سنويًا و5.8 مليارات دولار سنويًا في ماليزيا. 2ـ وعلى الجانب الآخر خرجت أموال خليجية طائلة تبحث عن سبل للاستثمار خارج منطقة الخليج والتي تتراوح ما بين 800 إلى 1000 مليار دولار يوظف منه 80% خارج دول الخليج من خلال المصارف ومراكز الأفشور، وقدرت الفوائض المالية لدول الخليج في الخارج بحوالي 500 مليار دولار موزعة على مختلف الأسواق العالمية وإن كانت أسواق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية مازالت تستقطب الجزء الأهم من هذه التوظيفات، كما لم تتعد مساهمة رأس المال الخليجي 25% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية لعام 1999. وقدرت منظمة الخليج للاستشارات الصناعية الاستثمارات الفعلية الخليجية في الخارج بحوالي 200 مليار دولار. 3ـ بطء خطوات تحرير الأسواق المالية وعجزها عن زيادة اهتمام المستثمرين بالفرص الاستثمارية، فمؤشرات السوق المالي الخليجي باستثناء السعودية فقدت ما بين 20% إلى 30% من قيمتها حتى الآن في العام الماضي، وهناك حوالي تريليون دولار من أموال دول مجلس التعاون خارج النظام المالي العربي. 4ـ تدني مستوى الشفافية بل يقال إن عددًا قليلاً من رجال الأعمال يحتكرون المعلومات الخاصة بفرص الاستثمار و انعكس هذا على قلة فرص جذب الاستثمارات العابرة للقارات، فضلاً عن انخفاض القدرة التنافسية للأسواق الخليجية في استقطاب الاستثمارات المحلية. 5ـ صغر حجم سوق المال الخليجي وتدني عدد الأوراق المالية المدرجة وقلة عدد الأسهم والسندات المتداولة. 6ـ قصور المعلومات عن بيئة الاستثمار في الخليج، الأمر الذي أدى إلى إذكاء سيطرة العوامل النفسية والسلوكية على قرارات المستثمرين خصوصًا في الأسواق المالية التي تتصف بتحركات المستثمرين الجماعية لا الفردية. 7ـ يلاحظ أيضًا أن عدد البائعين في بورصات الخليج يفوق المشترين. ويجب إدراك أن الانتقال الفعلي لرؤوس الأموال لايتحقق بمجرد توفر الاستقرار ووجود الأنظمة والتشريعات، بل يتطلب الأمر وجود فرص استثمارية مناسبة في الدولة تحقق عائدًا قادرًا على المنافسة مع ما تدره فرص استثمارية أخرى تتواجد في بقاع أخرى من العالم. وليتمكن المستثمر وهو غير مناضل أو زعيم سياسي من حساب المخاطر والاحتمالات فإن الأمر يتطلب قدرًا من الشفافية الاستثمارية ليطمئن بها المستثمر على أمواله. وينبغي إزاء وجود هذه الدلائل على قصور الدور الاستثماري الأجنبي في منطقة الخليج البحث في أهم المعوقات التي تقف في طريق هذه الاستثمارات. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: