دخلت في منتصف الأسبوع الماضي مبنى رئاسة المؤتمر الوطني قرب مطار الخرطوم لأول مرة للاستماع الى الندوة التي نظمها المنبر السياسي بالحزب حول «المبادرة المصرية الليبية وتحديات المستقبل السياسي»، واكتشفت أني لا أعرف مدخل الدار فقد ظننت أن البوابة الرئيسية التي تواجه مطار الخرطوم هي المدخل لمناشط الدار وان ارتبت لعدم وجود عربات أمام البوابة. ورغم أني أوقفت عربتي في مكان بعيد من البوابة إلا أن أحد شباب الحراسة لحق بي وقال لي بأدب لا ينبغي أن تقف العربة هنا، وعلى كل ليس هذا هو المدخل للندوة إن كنت تريدها ووجهني الى باب جانبي من الناحية الشمالية وقال لي بامكانك أن تدخل العربة أيضاً. وبالفعل وجدت حوش الدار رحبا اتسع لعشرات من العربات، واستغربت أن تكون تلك المنطقة الراقية والغالية من الخرطوم تقسم بهذا الحجم الكبير على الأندية المختلفة الموجودة هناك، ومن الطبيعي أن تحتج الكنيسة الكاثوليكية التي استمتعت بتلك المساحة الشاسعة لأكثر من ثلاثة عقود تحت اسم النادي الكاثوليكي لفقدانها بسبب انتهاء عقد الإيجار ورأت الحكومة أن من حق الحزب الحاكم أن يجد فرصة مماثلة للاستماع بتلك القطعة المتميزة! كان الحضور كبيرا بضع مئات جذبهم موضوع «المبادرة المصرية الليبية» الذي حرك ركود الساحة السياسية وكذلك وجود الدكتور غازي صلاح الدين، أمين المكتب السياسي بالحزب الحاكم ومستشار الرئيس لشئون السلام، بصفته أكثر المعنيين في الحزب بالمبادرة لأنها تمثل نقلة سياسية كبيرة وتسعى لوقف إطلاق النار وتحقيق السلام في الجنوب، ويبدو أن عدداً كبيراً من الحضور من قيادات الدولة الوسيطة فان الوجود المكثف لعربات الكريسيدا البيضاء في حوش الدار يدل على ذلك، وآثار النعمة تتجلى في رحابة الدار ونظافتها ومسرحها الكبير ومكروفاناتها الحديثة وكراسيها البلاستيكية اللامعة وما قدم للحضور من ضيافة هي صحون التمر والفول السوداني والمرطبات بالاضافة الى حفاظات الماء البارد الموزعة بين الصفوف. بدأ الحديث الأستاذ ربيع حسن أحمد بروح متفائلة ان المبادرة المصرية الليبية إذا ما نجحت ستنتقل البلاد الى مرحلة سياسي جديدة، فقد وجدت المبادرة تجاوباً واسعاً مما يشير الى تغير في واقع الحياة السياسية، وحدث تطور في العلاقة بين الأطراف وفي المزاج النفسي وطريقة التعامل مع الآخر لقد قبلت الحكومة المبادرة لعدة أسباب أهمها الدعوة لوقف إطلاق النار الذي يشكل القضية الأولى في استقرار السودان ومستقبله، وقبلت المعارضة بالمبادرة لأنها تمثل نجاحاً سياسياً يمكنها من الحصول على تنازلات حكومية وربما أملاً في تفكيك جدار الإنقاذ وبصرف النظر عن أهداف كل فريق يمكن للمبادرة أن تنقل الناس إلى واقع جديد ربما أدى إلى مشاركة كل القوى السياسية مما يؤدي الى مزيد من الحوار السياسي ومن الانفتاح، ونحن في حاجة بعد اثني عشر سنة من حكم الإنقاذ إلى جرب حساب الماضي والحاضر والمستقبل، ولنبدأ بتهيئة الأجواء قبل الوصول الى حل سياسي شامل. أوضح د. غازي صلاح الدين ان الحكومة تأخرت شيئاً ما في الرد على المبادرة لأنها أخضعتها الى مشاورات واسعة داخل مجلس الوزراء وفي أمانة الشئون السياسية ثم في المكتب القيادي، وبرز اتجاهان أثناء المناقشات يقول أحدهما بقبول المبادرة مع ابداء شيء من الملاحظات حول بعض بنودها، ويقول الثاني بقبولها كما هي وانتصر الرأي الأخير، ونحن الآن أكثر قناعة بأن القرار كان صحيحاً بعض الأصوات الجنوبية قالت ان المبادرة لم تعن بقضية الجنوب ولا تذكر تقرير المصير صراحة، وكان هناك تحفظ على الحكومة الانتقالية وعلى الانتخابات الحرة، وبعد جدل طويل قبل الجميع الحجة القائلة بأن سبعة من بنود المبادرة التسعة موجود حرفياً في اتفاقية السلام ومضمنة في الدستور وتعالج لب قضية الجنوب فالمشكلة الأساسية لم تكن هي تقرير المصير أو فصل الدين عن الدولة فهذه موضوعات نشأت لاحقة، ولكن الورقة عالجت تأسيس الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، وتحدثت عن لا مركزية الحكم التي يطالب بها الجنوبيون منذ عام 1947 وعن التعددية العرقية والدينية وعن التوزيع العادل للسلطة والثروة. وقلنا ان الحديث عن المبادرة بنداً بنداً لا معنى له لأنها حزمة مترابطة من المبادئ وينبغي أن تؤخذ مجتمعة، ونسعى لاجراء اتصالات واسعة مع القوى السياسية بالداخل من أجل توحيد المواقف ونرجو أن يكون الوفد الحكومي في المفاوضات من كل القوى السياسية الموقعة على البرنامج الوطني وتلك التي نسعى للتقارب معها، ولخص د. غازي حيثيات قبول المبادرة في أنها لا تهدد وجودنا ولا مبادئنا، وأنها لا تفرض علينا النكوص عن اتفاقياتنا وتعهداتنا السابقة، ولا تخرجنا بخيار صعب بين الانفصال أو فصل الدين عن الدولة. أما مداخلة الأستاذ أمين حسن عمر في بداية فترة النقاش فقد عكست الرأي الآخر داخل المؤتمر الوطني فقد حكم دون دليل على غياب المزاجية الوفاقية في السودان التي يمكن أن تقود إلى تصالح وطني، وقال إن من يظن أن نظام الإنقاذ يمكن أن يذهب بهدوء وتتحول مرجعيته إلى محطة انتقال تضم القوى التي حاربت الإنقاذ طيلة السنوات الماضية عليه أن يراجعه مواقفه، وفيما يشبه التهديد قال أمين ان الانقاذ تحولت الى برنامج عقدي تسنده قوة جماهيرية وعسكرية وفكرية لا تقبل أن يذهب مشروعها أدراج الرياح، ويريد أمين أن تقوم انتخابات تعددية أولاً قبل أن تأتي حكومة انتقالية لأنه يدرك أن إجراء انتخابات تحت هيمنة كاملة للحزب الحاكم سيكون مردودها لمصلحة النظام في حين تربط المعارضة بين عدالة الانتخابات ونزاهتها ومشاركتها في السلطة، ويعكس أمين وجهة النظر الشمولية التي ما زالت تعشعش عند بعض قطاعات النظام مع تخوف لا يفصح عنه من نتائج انتخابات حرة نزيهة، فان كانت الانقاذ تستند على قاعدة جماهيرية عريضة كما يدعي بعض قادتها فلما الخوف من فترة انتقالية تعقبها انتخابات تعددية حرة، وعندها سيحكم الشعب السوداني ان كانت الانقاذ مرحلة عابرة ام باقية. كان تجاوب الحضور هادئا ومتزنا مع اطروحات المتحدثين مما يشير إلى تواجد الرأيين بينهم وربما غلب عليهم التخوف من نتائج المبادرة ومما ستتمخض عنه الفترة الانتقالية والانتخابات الحرة، وظهرت اعتراضات واضحة على المبادرة المشتركة من قطاعات هامة في النظام مثل اتحاد المحامين والدفاع الشعبي وتتداولت الصحافة اخبار اجتماعات مهنية ونظامية تعارض المبادرة، وينبغي اخذ هذا التباين في الاعتبار من القوى السياسية المعارضة حتى لا تصب المزايدة في مصلحة الفئة الشمولية من اتباع النظام. بقلم:د.الطيب زين العابدين