ربما لم تحظ فكرة الوحدة بين بلدين في الدنيا بقدر ماحظيت به فكرة الوحدة بين مصر والسودان ـ أو مثلما يحلو للبعض أن يسميها «وحدة وادي النيل» ـ من شد وجذب، وصراعات وخلافات، بين مؤيد يدفع حياته ثمنا للدعوة إليها ومعارض يدفع حياته أيضا للحيلولة دون قيامها. وتراوحت الشعارات بين «مصر والسودان لنا» و«عاشت وحدة وادي النيل» وبين «السودان للسودانيين» و«خصوصية العلاقة» كما تفاوتت المشروعات بين الاحتلال والضم والتكامل والإخاء. ولعل تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير مؤخرا ـ والتي أعلن فيها أنه لن يقبل سقفا للعلاقات مع مصر أقل من الاتحاد ـ لن تكون الأخيرة على هذا الطريق. ورغم تاريخية العلاقات والوشائج التي تصل في عمقها إلى فجر التاريخ، إلا أن وحدة حقيقية لم تتحقق على مدى نحو أربعة آلاف عام من العلاقات بين القطرين الشقيقين، وإنما كل ما تحقق فترات من احتلال الشمال للجنوب، وفترة من احتلال الجنوب للشمال دامت نحو قرن، ثم محاولات في العصر الحديث لتحقيق شكل ما من أشكال التعاون يضمن لمصر حماية عمق أمنها القومي جنوبا ويحقق للسودان نفس النوع من الضمان شمالا. وبعيدا عن المستوى الرسمي، وعلى الصعيد الشعبي، ربما كانت العلاقات أكثر ودا ودفئا، تدعمها وشائج القربى والمصاهرة وامتزاج الدماء خاصة عند الأقاليم الحدودية بين القطرين، وربما كان مثقفو البلدين أكثر إدراكا لأهمية تمتين العلاقات بينهما وضرورتها لحماية مصالح كل منهما والدفاع عنها ضد الأطماع الخارجية، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل مع كل ذلك، بعض رواسب الماضي الذي خلف مرارات ما، وتوجسات ما، لدى البعض على الجانبين، ساهم في تغذيتها عوامل ذاتية نتجت عن فترات الاحتلال ومقاومته، وسوء تصرف البعض وسوء فهم البعض الآخر، بينما عمل على تكريسها على مر العقود ـ بالتفنن في استخدام سياسة فرق تسد ـ قوى خارجية يهمها في المقام الأول استمرار مناخ الفرقة والتنافر لتضمن استمرار سيطرتها على مقدرات البلدين ودوام بسط نفوذها على المنطقة بأسرها. لاشك أن خطوات المصالحة التي جرت مؤخرا بين القطرين الشقيقين، تستحق الكثير من التأييد والاستحسان، بيد أنها تستحق قبل ذلك مزيدا من النوايا الصادقة على الجانبين لإزالة أي عوائق يمكن أن تقف في سبيل تصحيح وضع أقل ما يقال فيه أنه خاطئ ومناف لمنطق الأشياء. كما يلزم هنا الإصرار هذه المرة على متابعة خطوات التعاون المشترك وبرامج التكامل للوصول بالعلاقة بين مصر والسودان إلى صيغتها الصحيحة المحققة لمصالح كل من الشعبين، والداعمة لقوتهما وصلابتهما في مواجهة أطماع خارجية ما فتئت تسعى جهدها عبر العصور لبث بذور الفرقة بينهما أملا في الانفراد بكل منهما على حدة. ولما كان منطق الأمور يؤكد أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، فنحن نأمل أن تكون هذه الخطوات الأخيرة بداية صحيحة وصادقة على الطريق الوحيد الصحيح: وحدة وادي النيل. ولا يمكن لمنصف أن يتجاهل العوامل الذاتية والموضوعية وراء تلك «الخصوصية» التي تتسم بها العلاقة بين شعبي الكنانة وأرض الأنهار السبعة. فعلى امتداد تاريخ البلدين تربط أبناء وادي النيل ذخيرة من الذكريات المشتركة السعيدة والمريرة معا، وبينهما مثلما بين أبناء الأسرة الواحدة ذلك المزيج من ألفة وحب ومشاجرات ومنازعات، ومؤازرة ووحدة موقف في مواجهة غزاة خارجيين: منذ فجر التاريخ ووقوف شعب الجنوب إلى جانب ثورة شعب الشمال ضد الرومان وحتى أيامنا الحالية حيث المطامع الاستعمارية في ثروات ومقدرات كل من البلدين مرورا بالكفاح المشترك ضد الاستعمار الإنجليزي. ولا نقول جديدا عندما نذكر بالأهمية الاستراتيجية التي يشكلها كل منهما للأمن القومي للآخر، نظرا لامتداد جغرافي منبسط لا تحده أي موانع طبيعية بين البلدين. ومياه النيل التي تمثل الشريان الرئيسي لحياة الشعبين، فضلا عن مقومات متنوعة تتيح إمكانات عريضة للتكامل الاقتصادي بين القطرين بما يمكنهما معا من الخروج من ورطة الضائقات الاقتصادية ويتيح الرفاهية لشعبيهما معا. رواسب الماضي وإذا كان لمصر مكان عميق في قلوب معظم السودانيين باعتبارها نافذة الحضارة ومنهل الثقافات التي نهل منها أبناء السودان الثقافة الفرعونية ثم المسيحية ثم الإسلام، كما تربى وجدانهم في العصر الحديث على كتابات وأفكار وآداب وفنون أعلام مصريين، وانتقلت بذور الحركة الوطنية من مصر على أيدي مناضلين سودانيين شكلت علاقاتهم مع المصريين، وما تلقاه بعضهم من علم في مصر، رافدا مهما من روافد حسهم القومي والفكري بداية من علي عبد اللطيف ورفاقه مفجري أول ثورة سودانية في القرن الماضي وفي عام 1924 تحديداً وحتى اسماعيل الأزهري رئيس أول مجلس للسيادة في السودان المستقل. وتذكر كتب التاريخ أن مناضلي ثورة 1924 زج بعضهم في السجون لمجرد هتافهم في وجه المحتل البريطاني «تحيا مصر» ذكر الكاتب السوداني حسن نجيله في كتابه الممتع «ملامح من المجتمع السوداني» تحت عنوان «انفجار الثورة» أن شرارة اندلاع الثورة اشتعلت إثر تشييع جنازة عبد الخالق حسن مأمور أم درمان «ذلك الرجل المصري الشهم الذي أحبه سكان المدينة حبا عظيما» والذي قدر عدد مشيعيه بعشرين الف شخص ...وإذا بصوت الشيخ عمر دفع الله التاجر المعروف بأم درمان يرتفع في قوة وعنف وهو يهتف.. يسقط الانجليز.. تحيا مصر... وكان هذا الصوت بمثابة الشرارة التي تلقى في الهشيم... وانفجر المرجل». نقول انه إذا كان لدى معظم أبناء الشعبين من الذكريات ما يؤكد عمق ومتانة الروابط وأواصر المحبة، فمن الموضوعية أيضا أن نرصد أنه مازالت لدى البعض من أبناء وادي النيل ذكريات مريرة كرسها الاحتلال على مر العصور عملا بمبدأ «فرق تسد» للحيلولة دون تحقيق الوحدة بين البلدين التي كانت تهدد في المقام الأول،أطماع الطامعين في الانفراد بثروات كل قطر على حدة، فمازال بعض السودانيين يعتبر أن الجنوب كان له إسهامه الأكبر في الحضارة الفرعونية وأن أهل الشمال نسبوا لأنفسهم الفخر دونهم. ومازال لدى البعض رواسب مرارات تخلفت عما صاحب الاحتلال التركي المصري للسودان في عهد محمد علي من جور وافتئات ونهب لثروات السودان، ويغفل هذا البعض أن هذا الاحتلال شهد أيضا على حد قول العديد من المحللين مولد السودان الحديث بما أقامه من مشروعات للري والزراعة وتحديث للبلاد. كما يتذكر البعض المظالم التي عانى منها السودانيون تحت الحكم الثنائي البريطاني المصري ورغم أن المعروف أن جميع مشروعات تحديث السودان وتطويره في تلك الفترة تم على حساب الخزانة المصرية التي كان عليها دائما تسديد العجز في الميزانية السودانية وتمويل كافة المشروعات (ورد في كتاب المفكر السوداني محمد عمر البشير «تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900 ـ 1979» أنه «منذ عام 1899 وحتى 1913 منحت مصر السودان ستة ملايين من الجنيهات لتغطية الفرق في الميزانية وتمويل المشروعات. وشملت المشروعات تشييد منازل ومكاتب وعدد من مشروعات التنمية مثل السكك الحديدية، والبواخر النيلية، ومعدات التلجراف وخطوط اللاسلكي وتشييد ميناء بورت سودان وبعض المنشآت الهامة» ويلاحظ الدكتور البشير أن مصر كانت تدفع هذه المبالغ الضخمة في وقت كان الدائنون الأجانب يلحون في استرداد قروضهم من ايرادات مصر و«أن الشريك الآخر في مسئولية إدارة السودان والسيد الفعلي المسيطر ـ بريطانيا ـ لم يساهم بأي نصيب من المال لإدارته أو تنميته الاقتصادية».(إلا أن هناك من ينسبون هذا التحديث للمستعمر البريطاني ويلصقون المظالم بالمصريين وحدهم بينما تؤكد جميع الشواهد أن الإنجليز كانوا الحريصين على أن تنال بريطانيا مغانم هذا الحكم الثنائي بينما يتحمل المصريون جميع مغارمه). وعلى الجانب الآخر مازال هناك البعض من المصريين الذين لا ينسون موقف بعض الطوائف والجماعات الدينية وفي مقدمتها المهدية والأنصار والأعيان في السودان التي كانت حريصة على تأييد المستعمر البريطاني على حساب المصريين (يقول الأستاذ محمد عمر البشير أن زعماء الطوائف الدينية كانوا مسرورين لأن اتفاقية 1899 أعطت بريطانيا السلطة العليا في البلاد. بل أن هذه الطوائف ذهبت في خضم ممالأتها للحكم البريطاني إلى حد أنها ناصبت بقية الوطنيين السودانيين وفي مقدمتهم جماعة اللواء الأبيض وتيارات داخل مؤتمر الخريجين، وذلك لانحيازهم إلى جانب المصريين في مواجهة الإنجليز. بل أن هناك من لم ينس وقوف أهل الجنوب إلى جانب الهكسوس الذين غزوا مصر قبل أن يدحرهم المصريون بقيادة أحمس الأول. حلايب والنيل ولا يجب الاستخفاف بتأثير هذه المرارات القديمة، فاستمرار ترديدها عبر العصور يؤكد استقرارها في الضمير الشعبي والتراثي، على نحو لايمكن إغفال تأثر حتى بعض المثقفين والإصلاحيين به، بما يمتد في بعض الأحيان إلى ما شهدناه مرارا من التوجس وانعدام الثقة اللذين شابا أساليب معالجة بعض قضايا الخلاف الحديثة التي مازالت قائمة حتى الآن، ومن أهمها قضيتا حلايب، ومياه النيل. والحقيقة أن هاتين القضيتين لا تظهران على السطح إلا كلما ظهرت بوادر خلاف سياسي بين قيادتي البلدين، وسرعان ما تتواريان ويحفظ ملفهما مؤقتا بمجرد تحقيق مصالحة ما. غير أنه لا ينبغي تأجيل حسمهما أكثر من ذلك، إذا كانت النية خالصة فعلا هذه المرة، لرأب الصدع أو سد منافذ الشقاق. التحكيم هو الحل وقضية حلايب، أو الأراضي المتنازع عليها بين الجانبين، هي إحدى صور نزاعات الحدود التي حرص الاستعمار القديم على بذر بذورها قبل رحيله عن المستعمرات، لتظل قنبلة كامنة يمكن إشعال فتيلها في أي لحظة للحيلولة دون توحيد مواقف الدول المستقلة واتخاذها خطوات تهدد مصالح المستعمرين. والمعروف أن المشكلة بدأت في الظهور في أواخر الخمسينيات عندما أرسلت الحكومة المصرية فرقة من الجيش المصري إلى تلك المنطقة باعتبارها تقع على الحدود المصرية، فأرسلت حكومة السودان في ذلك الوقت كتيبة من الجيش السوداني إلى هناك أيضا، وحال دون وقوع الصدام بين الجيشين موافقة مصر على اللجوء إلى طريق المفاوضة بدلا من القتال مؤكدة أن الوثائق التي لديها من أيام الحكم العثماني واتفاقية الحكم الثنائي عام 1899 تؤكد بما لا يدع مجالا للشك مصرية هذه الأراضي. ثم عادت المشكلة للكمون، لكنها تثار من حين لآخر كلما بدت بوادر خلاف سياسي بين الحكومتين، وكان آخرها في 1992 عندما أرسلت كل من البلدين قوات لها إلى المنطقة، وسارعت مصر بإصدار بطاقات هوية للمواطنين وإقامة مركز إعلامي وبعض المكاتب الإدارية كما عملت على مد الإرسال الإذاعي والتلفزيوني إلى حلايب. ومع توتر العلاقات بين الدولتين إثر محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس المصري في أديس أبابا واتهام مصر السودان بإيوائه الإرهابيين المسئولين عن المؤامرة عادت القضية للظهور مرة أخرى، وفي سبتمبر 1999 أعلن الرئيسان مبارك والبشير اعتبار مثلث حلايب منطقة تكاملية بين البلدين تقام فيها مشروعات التكامل لصالح الشعبين، وذلك في البيان الصادر بمناسبة زيارة الأخير لمصر ضمن خطوات المصالحة التي أعقبت تحجيم البشير لنفوذ جبهة الترابي المناوئة لمصر. إلا أن نزع فتيل هذه القضية في رأينا لن يتم إلا بحسمها تماما، ولعل لجوء الدولتين للتحكيم الدولي يكون علاجا لهذه العلة المزمنة، يحسم أمرها مرة واحدة وإلى الأبد، مثلما حدث مؤخرا في تسوية مشكلات الحدود بين البحرين وقطر، فيأمن الشعبان أن تطل أفعى الفتنة من مكمنها في حلايب مرة أخرى مع أول خلاف قادم بين القيادتين. تسييس المياه ثم تأتي مشكلة مياه النيل، وهي مثل شقيقتها «مشكلة حلايب» تظل دائما رهينة الموقف السياسي ومدى التقارب بين نظامي الحكم في البلدين، وظل تسييس قضية مياه النهر سمة مميزة للعلاقات المصرية السودانية، بل والعلاقات بين بلدان حوض النيل ككل. والمعروف أن تخوف مصر من سيطرة قوى خارجية على السودان أو قيام حكم مناوئ فيه يتحكم في كمية مياه النيل التي تصل الى الشمال ظل دائما هاجسا تاريخيا يحكم التوجهات المصرية ويدفعها إلى مقاومة جميع محاولات السيطرة الأجنبية والحرص على الا يتبوأ سدة الحكم في السودان سوى حكومات موالية لها. وغني عن الذكر أن كلا البلدين يعتمدان على النيل لإقامة مشروعات التنمية، فمصر في أشد الحاجة لإعادة رسم خريطتها الزراعية بهدف تحقيق اكبر قدر من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، مثلما تحتاج مشروعات التنمية في السودان ما يتجاوز حصتها في مياه النيل البالغة حاليا 18.5 مليار متر مكعب سنويا، الأمر الذي يستلزم جهودا حكومية لترشيد استهلاك المياه وإقامة شبكات ري عالية الكفاءة. كما تتميز مصر والسودان من بين جميع دول حوض النيل بعدم اعتمادهما على مياه الأمطار في الري الذي يعتمد في المقام الأول على مياه النيل. ونشأت الخلافات بشأن استغلال مياه نهر النيل عن اتفاقيتي 1929 و1959، وكانت الاتفاقية الأولى تهدف إلى التوفيق بين احتياجات ومطالب الطرفين، وتحددت بمقتضاها حصة مصر بمقدار 48 مليار متر مكعب من مياه النهر سنويا، بينما تحددت حصة السودان بمقدار اربعة مليارات. وبعد قيام ثورة يوليو 1952 واستقلال السودان في 1956، وبناء السد العالي في أسوان، ظهرت الحاجة إلى إعادة تنظيم حصص المياه فأبرمت اتفاقية 1959 وهي مازالت سارية المفعول للآن. ورغم أن اتفاقية 1959 لم تطرح تغييرا يذكر على حصة مصر، إلا أنها وضعت إطارا قانونيا أكثر شمولا لتنظيم العلاقات الثنائية فيما يتعلق بتنظيم المياه، كما أكدت على الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل. وبالطبع تعرضت الاتفاقيتان لمعارضة العديد من الساسة السودانيين، وكان لهذه المعارضة دائما دوافع واسس سياسية أكثر منها قانونية أوفنية. نيلنا سوا ويرى العديد من المحللين أن غياب استراتيجية شاملة للعلاقات المصرية السودانية، تشمل تحديدا ثابتا لحصص المياه، جعل من تاريخ العلاقات المصرية السودانية سلسلة من الفرص الضائعة ومشروعات التعاون التي تعطلت بفعل العلاقات المتوترة، برغم أغنية المغني السوداني إبراهيم العبادي التي تقول« النيل نيلنا سوا..ينساب تحت واحد لوا». ولعل البدء في تنفيذ الدعوات المتكررة لإقامة مشروعات تنمية مشتركة بين البلدين، يكون نقطة انطلاق للتعاون بينهما في مجال استغلال المياه. ويشار في هذا السياق إلى مشروع قناة جونقلي الذي بدأ العمل فيه في 1980 وتوقف في 1983 بسبب الحرب الأهلية السودانية. والمطلوب الان أن تشهد خطوات المصالحة الجديدة بين البلدين خططا جديدة لاستغلال وإدارة مياه النيل، للحيلولة دون اندلاع نزاعات اقليمية، مع ما تواجهه الاتفاقية الحالية من صعوبات نتيجة عدم قبولها من جميع القوى السياسية في السودان. ولاشك أن التعاون بين مصر والسودان في مجال المياه يمكن أن يشكل قوة دفع لتحقيق تعاون إقليمي مع بلدان حوض النيل فضلا عما يمثله من دعم للتعاون الثنائي بين البلدين. وقد تصاعدت الدعوات لتوسيع التعاون في حوض النيل ليشمل مجالات تتجاوز استغلال المياه، وتحقق توازنا في المصالح ينبني على اساس استراتيجية تنمية جماعية يدعمها هيكل مؤسسي، يهدف إلى تحقيق توزيع عادل للمياه على اساس المتطلبات الفعلية لكل دولة، ومن الممكن أن يأخذ هذا التعاون شكل عدد من المشروعات الإقليمية. ويرصد المهتمون عددا من المجالات التي يتعين البحث فيها، فعلى سبيل المثال يتعين بحث سبل تقليل هدر المياه في مناطق المستنقعات وتقليل كمية المياه التي تضيع هباء عند مصب النهر في البحر المتوسط، فضلا عن دراسة جدوى إقامة مجار ملاحية في النيل، وإنشاء مناطق تجارة حرة مع التركيز على المشروعات الزراعية ومشروعات البنية الأساسية. السكك الحديدية وفيما يتعلق بالبنية الأساسية تبرز أهمية تيسير سبل المواصلات بين البلدين، الأمر الذي يعتبر الأساس الأول لإنجاح خطط التكامل الاقتصادي. وفي هذا السياق ظهرت مشكلة صعوبة ربط شبكتي السكك الحديدية بين البلدين، فرغم أن الشبكتين أنشئتا إبان الاحتلال البريطاني، إلا أن المحتل ـ ربما لتخوفه من أن يؤدي ربط الشبكتين إلى تسهيل التواصل بين الحركة الوطنية في كل من البلدين بما يهدد نفوذه وسيطرته على كل منهما ـ عمد إلى إنشاء الشبكتين بمواصفات قياسية مختلفة تستلزم تغيير احداهما على نحو يوافق مواصفات الأخرى حتى يسهل ربطهما. وبطبيعة الحال يشكل تغيير المواصفات القياسية لأي من الشبكتين صعوبات مادية ضخمة بالنسبة لضعف الحالة الاقتصادية في كل من البلدين. غير أن بعض الفنيين يرجح ضرورة تغيير شبكة السكك الحديدية السودانية نظرا لأن مواصفات الشبكة المصرية توافق مواصفات بقية الشبكات المناظرة في شمال أفريقيا، الأمر الذي ييسر فيما بعد إمكانية ربط جميع الشبكات العربية في أفريقيا معا، بما لذلك من آثار إيجابية ضخمة على اقتصاديات هذه البلدان. بقلم: إكرام يوسف