ذكرتني قراءتي للفصل الثالث من الكتاب، بزيارة سابقة قمت بها لديترويت من نحو عشرين عاماً. كانت التجمعات العربية من المدينة بعيدة جداً عن التيار الأمريكي العام، الذي يتحدث عنه هذا الكتاب. وكانت تلك التجمعات تموج في قلب اللجج العقائدية الصاخبة، حيث الشوارع تضج بملصقات العرب التروتسكيين واتباع أنور خوجة، وابراهيم الحمدي، وصوت الشيخ عبدالحميد كشك ينطلق مجلجلاً من مكبرات الصوت ببعض المتاجر، والصراع الفكري يحسم بالمسدسات أحياناً على قارعة الطريق. وعندما زرت مسجد ديربورن، تشبث بي بعض أصحاب المتاجر، طالبين ان اعطيهم فتوى بجواز بيع الخمر لغير المسلمين احسست انهم يريدون مجرد فتوى من أي شخص، يريحون بها ضمائرهم وهم يمارسون تلك التجارة المقيتة، فقلت لهم ان تلك التجارة ليست حراماً فقط، وانما هي خطر داهم على الوجود العربي بتلك الضاحية. تجارة الخمر كانت مهنة رائجة عند اليهود، ولم يتخلوا عنها الا بعد ان تزايدت عليهم احتجاجات وضغوط قادة السود، الذين اتهموهم باستغلال جهل دهماء السود، وقابليتهم للادمان السريع، فغدوا يترصدونهم ويبيعونهم ابخس أنواع الخمر، وبالطبع فما كان لليهود ان يتخلوا عن تلك التجارة، الا بفعل الضغط والتهديد! انتهز بعض صغار النفوس من التجار العرب، فرصة تخلي التجار اليهود عن تلك التجارة الاستغلالية، فاحتلوا مكانهم، ومنهم كان اولئك الذين التفوا حولي يسألون بإلحاح عن تحلة لبيع الخمر. وما وجدوا تلك التحلة مني، وما اظنهم وجدوا من يفتي لهم بالحل أبداً، ولكنهم مع ذلك ما ارعووا، ومضوا في شططهم غير آبهين بتحذير ولانذير وذلك حتى اخذنا نرى حوادث العنف والاغتيال ضدهم في تلك الضاحية. أثناء تلك الرحلة سمعت بقصة ذلك المسجد الذي بنى في الثلاثينيات، ثم قام أبناء المهاجرين واحفادهم بتحويله لغرض آخر. والآن يقوم هذا الكتاب برواية قصة تلك التحولات ببعض التفصيلات. لقد ظل بناء المسجد شاخصاً ولما كان عقاره ملكية مسجلة باسم الابناء والاحفاد فقد قرروا ان يستخدموه لأداء مهام اخرى، بعدما اضاعوا الصلاة. قرر احفاد اولئك المهاجرين ان يستخدموا صالات المسجد للاغراض الاجتماعية البحتة، فخصصا طابقاً بأكمله من طوابق البناء للاحتفالات، متى ما كان هناك عرس أو مناسبة شبيهة. أما صالة الصلاة فقد ظلت مغلقة لا تفتح الا احياناً في بعض أيام الآحاد، حيث اختلط مفهوم المسجد عندهم بمفهوم الكنيسة. وظل الوضع على ذلك عهوداً طويلة، حتى وصلت موجة كاسحة من المهاجرين الجدد استقبلتها مصانع فورد، التي تقوم قريبا من مبنى المسجد، وما ان استقر الوضع بأولئك المهاجرين حتى اخذوا يبحثون عن المسجد، وبعثورهم عليه ساءهم وضعه كثيراً، فاندفعوا إلى اصلاحه اصلاحاً فورياً شاملاً، واعادوه إلى سيرته الأولى مركزاً للعبادة والصلاة. الفتح الدرامي هذه القصة سمعتها قديماً ولكني وجدت البروفسور نبيل أبراهام يحكيها في تشويق لطيف في فصل مطول بالكتاب سماه «مسجد عرب ديترويت الأمريكي!». حيث يحكي عن ان المصلين «يقصد المهاجرين الجدد، لانهم هم وحدهم الذين كانوا يصلون!» تكاثروا عند باب مسجد ديكس في أحد نهارات الجمعة في 1976، ثم ما لبثوا ان قرروا اقتحامه بعد ان فشلوا في العثور على مفاتيح الباب. ثم فعلوا ما يفعله سائر المسلمين في المشرق في ذلك الوقت من نهار الجمعة، حيث اقاموا الصلاة لأول مرة، في ذلك المسجد، بعد ان هجرها مسلمو ديربورن لعهود وعهود. ذلك الدخول الدراماتيكي لساحة المسجد مثل استعادة له بواسطة «المسلمين الاصليين».. ومصطلح «المسلمين الاصليين» لا يستخدمه الكاتب في مقابلة مصطلح «المسلمين الجدد» الذي يعني المسلمين الامريكيين الذين تحولوا أخيرا إلى الإسلام، وانما يستخدمه في مقابل مصطلح ابناء المهاجرين الاوائل، الذين اخذوا يتحولون تدريجياً عن الإسلام، حتى أحدثوا البدعة الغليظة، بذلك المسجد الذي يعد من اوائل المساجد الذي شيدها المسلمون بأمريكا في القرن الماضي. اولئك «المسلمون الاصليون» الذين استعادوا المسجد، ما كانوا متعصبين أبداً، وانما كانوا مسلمين عاديين، وصورة طبق الأصل لما تجده في اوسط المواطنين بالعالم الإسلامي. ويقول الكاتب الذي اجرى بحثاً ميدانياً وسط عرب ديترويت، انهم لم يستنكروا ما فعله اولئك المسلمون القادمون، وحتى بعض المرتدين القلائل ممن شملهم البحث، فقد افادوا بأن تصرف القادمين طبيعي، وان بدا غريباً بالنسبة لهم، فهؤلاء جميعاً قد سمعوا من مصادر شتى ان المساجد في بلاد الشرق الأوسط أجمع هي مراكز للعبادة والصلاة، لا للمكاء والتصدية الذي كانوا يمارسونه بالطابق السفلي للمسجد. وهكذا استسلم هؤلاء تماماً واقلعوا عن ممارساتهم التي كانوا يحسون انها فاضحة أو خارجة عن نطاق الذوق، ولكن كانوا فقط ينتظرون من ينهاهم أو تكفهم عنها وقد جاء الآن. لقد استسلم أصحاب العقار القديم لممارسات القادمين الجدد، ولكنهم لم يشاءوا ان يسلموهم إدارة المسجد بالكامل، لاسيما بعد ان قرر اولئك القادمون ان يفتحوا المسجد، لا مرة واحدة في الأسبوع «بعد تغييرها من يوم الأحد إلى يوم الجمعة» وانما لأربع وعشرين ساعة يومياً، طوال أيام الاسبوع ثم بعد ان أعلنوا منع الاحتفالات والغناء، واحتفالات الزواج، بقاعات المسجد، وقرروا منع دخول النساء المسجد بغير زي يراعي الحشمة والوقار، وغير ذلك من الاجراءات المتحفظة، التي ضاق بها أصحاب المسجد من القدامى ذرعاً، وقرروا حينها مواجهة القادمين، ولو في قاعات المحاكم، وفقاً للقانون الأمريكي. التدخل القانوني هكذا التقى الجمعان في ساحات القضاء حيث تذرع القادمون بأن كل ساحات المسجد هي مكان للعبادة والصلاة، بينما ادعى القدامى بأن المسجد منتدى اجتماعي، وادانوا دعاوى فصل الجنسين في المسجد، والزام النساء بلبس غطاء الرأس، بأنه مخالف للقانون الأمريكي، ولكن القاضي بعد ان استمع لكل تلك السجالات، قرر ان المسجد هو مكان للعبادة في المقام الأول، وان الاعراف الإسلامية هي التي ينبغي ان تحكم المكان، ومن ثم حكم لصالح القادمين، واعطاهم حق إدارة المسجد حسب احكام الشرع الإسلامي. وكأنما كان حكم القاضي الأمريكي مترافقاً مع دفع المرحلة، حيث كانت هجرة العرب إلى أمريكا عموماً، ومنطقة ديربورن خصوصاً تتكاثف بشدة، ومن ثم تناصرت وفود القادمين المحدثين، بقادمين أحدث، فطغوا بالتالي على المكان، حتى أصبحت مظاهر الحياة الخاصة بالعالم العربي تبدو أوضح للعيان في ذلك المكان وغداً الناس يتكلمون بالعربية في الشوارع، ولم تعد مظاهر الازياء النسائية التقليدة المجلوبة من اليمن، وجنوب العراق، وغيرهما، من قبيل الاشياء التي يبرزها لغرابتها ـ الإعلام، وانما من قبيل المألوفات اليومية على شوارع الضاحية المكتظة بالسابلة. ومع تكاثر الوافدين تكاثفت مؤسسات الحياة العربية الإسلامية بديترويت، حيث نشأ بها اثناء عشر مسجداً تضم مدارس حربية إسلامية بدوام كامل، كما قامت مكتبات لبيع الكتب العربية، ومقالات لبيع اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية والخضروات المألوفة بالشرق الاوسط، وقد أدى ذلك كله خلال وقت وجيز نسبياً، إلى تغذية حس الهوية وسط عرب ديترويت، الذين غدوا أقل قابلية للذوبان في المحيط الأمريكي، بل أصبحوا محوراً لاستعادة الاجيال القديمة مما انصهر منها وما ذاب طوعاً، في المحيط الأمريكي. تحولات سوسيولوجية كانت تلك هي قصة استعادة مسجد ديكس بديربورن، لكن ماذا عن التاريخ القديم لذلك المسجد المستعاد. يقول الكاتب ان ما استعاده القادمون الجدد، كان قد أصبح مؤسسة أمريكية ذات جذور عربية إسلامية، تحول مع التحولات السوسيولوجية التي تطورت بتلك الجالية، فكاد ان يحدث له ما حدث للكنيسة الكاثوليكية، على يد البروتستانت في غمار الثورة الصناعية، التي انهت عهد الاقطاع والحروب الاهلية بأوروبا في العصور الوسطى. خضع ذلك المسجد في 1959 لدراسة أكاديمية اخرى اعدها عنه طالب دكتوراه بجامعة جورجتاون يدعى عبده الخولي أكد في خلاصاتها ان اكثر رواد المسجد لا يصومون رمضان، ولا يؤدون الصلوات الخمس، ومع أنهم يحتشدون في حفلات الطابق السفلي عند المناسبات الاجتماعية الا ان اكثرهم لا يحضرون صلاة الجمعة، وان تلك الصلاة اذا اقيمت فان عدد حضورها قد لا يتعدى اصابع اليدين، كما رصد ذلك الباحث اتجاهاً للتنصر وسط رواد ذلك المسجد، وان كانت النسبة لم يتجاوز 2% وابان ان غالبية المتنصرين كانوا نسوة من العرب تزوجن من الأمريكان النصارى. وفي 1963 قام طالب دكتوراه آخر يدعى وصفي بدراسة احوال المسجد، فلاحظ على مجتمعه انه يقوم على أساس الأسرة الصغيرة «زوجان وطفل واحد، أو طفلان على الأكثر» وان المرأة هي رئيسة الأسرة، وان صراعات كثيرة تنشب بين الزوجين، بسبب اصرار المرأة العربية على المساواة الكاملة مع الزوج، اسوة بالمرأة الأمريكية بسبب الحماية والمحاباة الكبيرة التي يقدمها لها القانون الأمريكي، حيث يكفل لها الحصول على نصف ثروة الزوج، في حالة الطلاق. ومما ذكره الباحث وصفي عن شباب الجالية المنضويين تحت «اتحاد الشباب المسلم» انهم كانوا يرقصون التويست والدبكة وان كانوا يفضلون الرقصة الأولى اما البنات فيمارسن الرقص الشرقي وذلك في الاحتفالات التي يقصد بها جمع التبرعات وان قيادة المسجد قد آلت اليهن لذلك السبب المادي. وقد تحالف امام المسجد المرحوم الشيخ «كروب» مع مجتمع النساء، وقاوم مقاومة شديدة ذلك الاتجاه الذي دعا إلى استقدام امام متخرج من الأزهر، او اي جامعة او معهد إسلامي آخر، ليتفرغ لإدارة المسجد، وليعلم ابناء العرب بعض مفردات اللغة العربية واصول الدين وبفعل دعم النساء لكروب، فقد أصبح في موقف قوي جداً، دفع به إلى الأمام تيار «امركة» المسجد. وزاد الطين بلة تولي كروب الابن لامامة المسجد بعد وفاة ابيه، وهو من مواليد أمريكا، وينطق العربية بلكنة اعجمية، ولم يقم بزيارة العالم العربي إلا بعد ان بلغ سن الخمسين. وقد مضت خطوات الأمركة إلى ابعد مدى في عهد كروب الابن، وذلك إلى ان دهمته ودهمت مجتمع المسجد موجة الهجرة الكاسحة للمسلمين الاصليين، الذين تمكنوا من استبعاده عن الامامة، وابعاد مظاهر التفسخ الاجتماعي عن حرم المسجد. تنازلات شكلية هذا ما جرى لمسجد «ديكس» أما المسجد الآخر الكائن بشارع جوي، فان امامه قد صمد امام موجة الهجرة التي جاءت من لبنان اثناء تفاقم الحرب الاهلية فيها. حيث تمكن الامام شرى من مقاومة الضغوط، بعد ان قدم بعض التنازلات للوافدين الجدد، وفي مقدمة تلك التنازلات قبوله لمطلب تعيين مساعد له في شئون الامامة يستقدم خصيصاً من العالم العربي. قبل الامام ذلك المطلب ولكنه اشرف على تعيين ذلك المساعد وعلى عملية استقدامه، أي انه عينه على شروطه هو لا على شروط الوافدين، واستمرت الاوضاع الاجتماعية المتحررة في المسجد على حالها، وظلت النساء يدخلن بكامل زينتهن إلى المسجد، وبعضهن كن يتزين خصوصاً للحضور الى المسجد، وكما ذكر حارس رصد أموال المسجد في ذلك الحين فان بعضهن كن يأتين مباشرة من صوالين الكوافير إلى المسجد. ويذكر كاتب هذا الفصل البروفيسور نبيل ابراهام، انه قام بزيارة المسجد في اواسط الستينيات، بصحبة صديقته الأمريكية من أصل ألماني وهي حاسرة، وقام الامام بالترحيب بهما معاً، ولم يستنكر احد قدومها، بل لم يلاحظه احد، لانه لم يكن مستغرباً على الاطلاق. لم تزد تنازلات الامام شبري على الشكليات ومن بينها موافقته على انزال الصورة الضخمة التي كانت معلقة بالمسجد ويبدو فيها الامام شبري يصافح الرئيس الأمريكي الاسبق رتشارد نكسون. وموافقته على كتابة رجاء على باب المسجد، يستعطف فيه النساء لوضع غطاء على الرأس، عند دخول المسجد. وقلائل من النساء من كن يستجبن لذلك النداء فيضعن غطاء على رؤوسهن وهن يخطين الخطوات الأولى في حرم المسجد وبعضهن يلتقطن ذلك الخمار من داخل المسجد، حيث تبرع البعض بوضع مجموعة من الخمارات في صندوق بالمسجد. وقد قبل الامام شبري أيضاً ملاحظة القادمين الجدد بضرورة تغيير مواقع دفن المسلمين لتواجه القبلة، وقد كان الموتى من المسلمين من قبل يدفنون في اتجاه مغاير. وهذه طبعاً ليست من الشكليات، ولكنها مسألة تخص الموتى، ولا تؤثر في أحوال الاحياء بمجتمع المسجد، وان كانت اثرت قليلاً في بعضهم، ممن اكتشفوا ان موتاهم القدامى لم يدفنوا باتجاه القبلة، فحزنوا لذلك لبعض الوقت. رويداً رويداً تمكن مساعد الامام من استدراج المسلمين القادمين، الى خارج المسجد، وزين لهم ان يؤسسوا مسجداً آخر بعيداً عن المسجد القديم الذي ظل محافظاً على طابعه «المتأمرك بإدارة الامام شبري. وحتى بعد وفاة الامام شبري في بداية التسعينيات فان نمط الادارة المتحرر لم يتغير كثيراً، وفي مفارقة لنمط التحرر أو في محاولة للحفاظ عليه، فإن مجلس امناء المسجد مازال يرفض مبدأ الانتخابات، ويفضل عليه مبدأ التعيين سواء لمجلس الامناء، أو لمنصب الامام ومساعديه. وبذلك النمط الإداري «الأوليجاركي» لم يحافظ المسجد على طابعه فقط، وانما واصل التوسع وقد اشترى مجلس الامناء قطعة ارض لبناء مركز اسلامي، ومدرسة، ومركز اجتماعي، ومسجد آخر، بتكلفة ثمانية ملايين دولار، وتواصل إدارة المسجد تقديم التنازلات كلما تكاثفت عليها الضغوط، وعندما سأل الباحث نبيل ابراهام عضو مجلس امناء المسجد رونالد أمين ان كان المسجد سيعود إلى سيرته الأولى فيسمح ببث الموسيقى وممارسة الرقص فيه؟ أجاب بالنفي: قائلاً لا يمكن ان نعود أبداً لممارسة تلك الموبقات بالمسجد. وعندما واجهه الباحث بالخريطة الجديدة لبناء مركز اجتماعي في مجمع المسجد، صمت قليلاً قبل ان يجيب: ان المركز الاجتماعي سيشيد في مكان منفصل عن مبنى المسجد، ولا يتصلان الا عبر الممشى الجانبي. وقد عقب الباحث على تلك الاجابة بانها اجابة دبلوماسية تراعي جميع الاتجاهات الاجتماعية المتباينة وسط عرب ديترويت من القدامى والقادمين. يقول الباحث نبيل ابراهام في تعقيبه على الفصل الطويل الذي عقده عن هذه الشئون: اخبر اي مسلم في الشرق الأوسط ان بعض مسلمي أمريكا يغنون ويرقصون داخل حرم المسجد، وستحس فورا بتوتره وغليانه بالغضب وشعوره بأن ممارسات اولئك القوم هي فضيحة، ولكن مع ذلك فان الأمر لم يكن ليؤدي إلى أي غضب أو احساس بالفضيحة، أو الغرابة وسط عرب ديترويت، الذين اعتادوا على تلك الممارسات.