تبادل الزيارات الرئاسية بين أقطار الاحتقان الطائفي والقومي، يعتبر عملا رائعا ومهيبا، حتى ولو لم يؤد إلى النتائج المطلوبة. هذا ما ينبغي أن ينظر به إلى المحاولة التي لم تكن مخفقة تماما، والتي استهدفت تخفيف حدة التوترات والصراعات المزمنة بين الهند وباكستان. المفرطون في التفاؤل وحدهم هم الذين كانوا يتوقعون ـ بدون حيثيات معقولة ـ أن تتمخض زيارة الرئيس الباكستاني برويز مشرف إلى الهند عن اعلان ثنائي ينهي حالات العداء المحتقنة بين الطرفين، الهندوسي، والإسلامي، منذ نحو قرن ونصف، أي منذ أن انتهى حكم الأغلبية الإسلامية الكشميرية لنفسها، وتولى الهندوس حكم ذلك الاقليم القابع في قمم الهملايا. بريطانيا ـ كالعادة ـ هي وراء كل مشكلات الحدود في المستعمرات التي تولت حكمها. كان اقليم كشمير تابعا للأفغان حيث حكموه لمدة خمسمائة عام، إلى ان ضعفوا واجتاحتهم جحافل «السيخ» وأخذت منهم ذلك الاقليم، ثم اجتاحت بريطانيا السيخ وأخذت منهم الاقليم، وباعته للهندوس، في عام 1846 بمبلغ زهيد، يقل عن المليون جنيه «استرليني»، ومن يومها والمسلمون يتململون، ويثورون، ويطالبون باقليمهم السليب. واذا كانت بعض عقد الاحتقان بين الهندوس والمسلمين قد انحلت، بفضل الفكر الثاقب للدكتور محمد اقبال، الذي قدم حلا جذريا للمشكلة بقيام دولة باكستان، الا ان عقدة كشمير ظلت محتقنة على الدوام، بل ظلت مصدر تعكير لعلاقات الهند وباكستان، وسبب توترات ومشاكل ومناوشات وحروب حدود بين القطرين، ومكمن حذر دولي من ان تتصاعد وتنفجر في ظل توازن الرعب النووي بين القطرين، فتسبب كارثة عظمى في شبه القارة الهندية. «قشة» كشمير لذا ما كان من عجب ان أدى مجرد نص تضمن كلمة «كشمير»، إلى أن تباعد الجانب الهندي من مائدة التفاوض، ورفض التوقيع على ما تم الاتفاق عليه من نقاط أخرى خلال قمة مشرف ـ فاجبايي. وهي نقاط تم الوصول إلى اتفاق حولها بسرعة ملحوظة. لقد أصر الجانب الباكستاني على تضمين مشروع الاعلان المشترك نصا يقول بأن «تطور علاقات القطرين يرتبط ارتباطا صميميا بتحقيق آمال الشعب الكشميري» ومع ان هذا النص نص غائم، إلا انه لم يكن مبهما بالنسبة للهنود، فتطلعات الشعب الكشميري تعني تحقيق استقلاله عن القبضة الهندية كخطوة أولى، ثم الانضمام إلى وطنه الطبيعي ـ باكستان ـ في الخطوة الأخيرة. ونسبة لحساسية الهند الشديدة تجاه موضوع كشمير، فإنها لا ترتضي أية صيغة توحي بمجرد وجود نزاع حول كشمير أو أي تشكيك في شرعية بقائها جزءا لا يتجزأ من الهند، وقد قضى وزيرا الخارجية الهندي والباكستاني طوال الليلة الأخيرة للمباحثات، يقلبان مفردات اللغة الانجليزية لاختيار كلمات تؤدي معنى باهتا حول الموضوع، وفشلا في التوصل إلى أي صيغة، من أي نوع. خطوة إلى الأمام انهارت المحادثات ولكن بعد أن خطا الطرفان خطوة إلى الأمام. إن مجرد ترك باب التفاوض مفتوحا، يعطي أملا بتجنب التوتر والتصعيد والعودة إلى عهد الحرب. وكما قال الرئيس الباكستاني: «لقد خضت الحربين كلاهما ـ 1965، 1971 ـ وأعرف تماما ماذا تعني الحرب، ولذلك ابتدأت خط التفاوض الدبلوماسي مع الهند، ولن أعمد أبدا إلى اغلاق ذلك الخط».. واذا أدركنا ان مشرف كان يعتبر من صقور الجيش الباكستاني، وأقصى حركات التشدد فيه، والى الحد الذي حدا به لرفض تحية رئيس الوزراء الهندي فاجبايي، عندما زار لاهور قبل عامين، لأدركنا أي تحول طرأ على تفكيره في الوقت الأخير. ونفس هذا النوع من التطور الايجابي كان قد انتاب فاجبايي، ودفع به لزيارة باكستان، بعدما أعطى الإذن ـ مبادرا ـ باجراء التفجيرات النووية، التي سرعان ما ردت عليها باكستان. طرفا التشدد أدركا أخيرا خطورة ما اندفعا فيه، فأخذا يمزجان تفكيرهما بصبغة «واقعية» تروض القوة والجموح. وان الذي يستبطن اتجاهات التفكير في كل من نيودلهي واسلام اباد الآن، لابد أن يصل إلى نوع من التفاؤل الحذر بامكان تقدم علاقات القطرين إلى الأمام. ترحب الهند الآن بمشرف، وتقدم له دعما «معنويا» ضخما، يحتاج إليه في هذه الآونة بالذات حيث تتساءل كثير من الأوساط السياسية العالمية، عن مشروعية تنصيبه لنفسه رئيسا. والهند وحدها هي التي رحبت بخطوته تلك، وساندته بلا تحفظ، لانها تريد أن ترى في باكستان «رئيسا»، وتريده رئيسا قويا غير مزعزع الجانب، ويستطيع أن يبادر، ويمضي في مبادرته إلى آخر الشوط. ومشرف قد يزايد بموضوع كشمير كثيرا في أول الشوط، وذلك طبيعي جدا، فهو عسكري كان ـ إلى قبل نحو عامين ـ يقود جنوده في أحراش كشمير، ولا يستطيع أن يخذل جنده، ولا مواطنيه، بالتخلي، أو التنازل المفرط، في موضوع كشمير، هكذا من أول الشوط. وقد بدا اصرار مشرف على وضع مشكلة كشمير على رأس أجندة الحوار، واصراره على اشراك الكشميريين أنفسهم في الحوار، بدا كل ذلك مفهوما للهنود، وان لم يكن مقبولا، ولم يحل دون الاستمرار في الحوار طوال أيام الزيارة الثلاث، فقد كان مفهوما لهم أيضا ان تلك الجولة ستكون بمثابة جولة أولى ستتلوها جولات، تنضج الحوار حول كشمير، وحول القضايا الأخرى العالقة، ما يتصل منها بالأمن، وما يتصل بالاقتصاد. الحلول الوسطى يصعب تصور معالم حل لمعضل كشمير فلا الكشميريون يقبلون بغير الانفصال، ولا ترضى الهند بغير الاحتلال، بل حتى مسلمي الهند فان قسما واسعا منهم لا يرحب بانفصال كشمير عن الهند، لانها الولاية الهندية الوحيدة ذات الأغلبية السكانية الاسلامية، ومن ثم فهي ذات دلالة عالمية مهمة لسائر مسلمي الهند، ولكن قد تجنح الهند نحو تخفيف قبضتها الارهابية على كشمير، وتجديد وقف اطلاق النار المعلن منذ ستة شهور، وكذلك قد تبدي باكستان بعض التنازل عن شروطها، وقد تخفف دعمها العسكري لمجاهدي كشمير، وربما أمكن في خطوات لاحقة التوصل إلى صيغة من حكم ذاتي معتدل في كشمير. عند ذلك قد يتمهد طريق للمضي في مخاطبة الشئون الأخرى العالقة وأهمها شأن الخطر النووي، اذ لابد من الاكتفاء بحالة الردع المتبادل بين القطرين، بلا مزيد من تسابق أو تصعيد، وحينها تنجاب عن كل من القطرين العقوبات الأمريكية المؤذية التي نالتهما منذ 1998. وعلى الصعيد الايجابي يمكن أن تقدم باكستان تنازلا للهند فتسمح بمرور أنابيب الغاز الطبيعي الايراني عبر أراضيها إلى الهند، وتلك ميزة كبرى تحظى بها باكستان، ولكنها لن تبذلها من دون مقابل ضخم في جولات التساوم بين القطرين. من ايجابيات لقاء القمة الأخير، تجديد العزم على مواصلة السير. ففي العام المقبل من المقرر أن يلتقي الرئيسان مرة أخرى في اسلام اباد، كما تقرر أن يلتقي وزيرا خارجية البلدين مرتين كل عام، وقد يطلق سراح أسرى الحرب من الجانبين، وتنمو تدريجيا تجارة الحدود، وتتواصل البعثات الدراسية، حيث منحت الهند فرصا دراسية لطلاب من باكستان، وينتظر أن ترد الأخيرة بالمثل، وهذه كلها خطوات تطبيعية حرية بأن تبعد عن القطرين شبح الحرب، وتقودهما نحو حلول شاملة مرتضاة.