لاشك ان قضية العلاقات الهندية الباكستانية تمثل حلقة الاستقرار والتوتر في جنوب اسيا، استناداً لتاريخ العلاقات بين البلدين التي شابتها ثلاث حروب شهدتها شبه القارة الهندية، كانت خلالها مشكلة كشمير لب النزاع بين البلدين، وسبباً لوقوع اثنتين من حروبها الثلاث. وقد استنزفت هذه الحروب والصراعات المستمرة بين البلدين الكثير من الموارد البشرية والمادية، ولا يزال يستحوذ على جانب كبير من نفقاتها الدفاعية، ومما لاشك فيه ان كلا من الهند وباكستان ستجني المنافع من وراء خفض حدة التوتر في كشمير. ولو رجعنا بالتاريخ للوراء بالنسبة لمشكلة كشمير، فسنجد ان جذور مشكلة كشمير بدأت عندما اشترى احد المهراجات الهندوس يدعى هاري سنج حق إدارة ولايتي جامو وكشمير من شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1846 مقابل مليون ونصف المليون دولار بأسعار ذلك الزمان، وهذا ما اشارت اليه نشرة الحقائق الصادرة عن «حركة تحرير كشمير» عام 1991، والتي تعتبر احدى الحركات الإسلامية العاملة في الاقليم، وتضم عدداً من المنظمات الإسلامية الاصغر. ولقد قوبلت هذه الصفقة بالسخط والاحتجاج من جانب سكان الولايتين التي يسكنها الاغلبية المسلمة. وبعد نهاية الاحتلال البريطاني، قسمت شبه القارة الهندية إلى دولتين «الهند ذات الاغلبية الهندوسية»، و«باكستان ذات الاغلبية المسلمة» هنا طالب سكان جامو وكشمير المسلمون بأغلبيتهم بالانضمام إلى باكستان، وقامت ثورة شعبية دعمها مقاتلون من قبائل «الباتا» الباكستانية، ففر المهراجا «هاري سنج» إلى الهند التي طالبته بتوقيع اتفاقية تقضي بضم المملكة إليها. وبخروج الاحتلال البريطاني 1947 وقرار تقسيم شبه القارة الهندية، وبفرار هاري سنج إلى الهند بدأت القوات الهندية في التدفق على الاقليم وما كان من باكستان الا التدخل. الحروب الثلاث نشبت الحرب الاولى التي استمرت من اكتوبر عام 1947 حتى بداية عام 1949، وفي يناير 1949 أصدر مجلس الأمن الدولي بناء على طلب الهند، قراراً يطالب الطرفين بوقف اطلاق النار، ثم اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو لاجراء استفتاء بين سكان الاقليم يعطيهم حق تقرير المصير، لكن الهند راوغت طويلاً في تنفيذ القرارين الدوليين، ثم أعلنت رفضها للتنفيذ وضمها للاقليم. وادى استمرار الهند في احتلال كشمير ورفضها تنفيذ القرارات الدولية المتتالية بشأن الاقليم إلى نشوب الحرب الثانية بين الهند وباكستان عام 1965 والتي انتهت بهزيمة الجيش الباكستاني للمرة الثانية. أما الحرب الثالثة بين البلدين فقد كانت في ديسمبر عام 1971، ولكن اسبابها كانت بعيدة كل البعد عن كشمير وأزمتها، فقد كانت الهند خلف هذه الحرب، وذلك باستمرارها في تشجيع النزاعات الانفصالية لدى زعماء الاقليم الشرقي في باكستان مستفيدة من اخطاء الحكومة المركزية في التعامل مع ابناء القومية البنغالية، وانتهت الحرب بهزيمة فادحة لباكستان، وانفصال اقليمها الشرقي عنها تحت اسم «بنجلاديش»، والتوصل لاتفاق «شيملا» في يوليو عام 1972 والذي يتضمن مباديء العلاقة بين الجانبين وسبل تسوية الخلافات بينهما بالطرق السلمية واحترام السيادة والوحدة الاقليمية، وعدم اتخاذ أية اجراءات تغير الواقع على الأرض والالتزام بخط وقف اطلاق النار في الاقليم. واستهدفت الهند من الاتفاق منع اسلام اباد من الاستعانة بالأمم المتحدة في النزاع على اقليم كشمير من منطلق رؤية الهند له على أساس انه شأن داخلي لها، ولم تملك باكستان سوى قبول الاتفاق في ظل 90 ألف اسير لها في الهند. أما في الثمانينيات فقد اختلف نمط النزاع، حيث نشأت جبهة تحرير جامو وكشمير، وهذه الجبهة تتكون من الكشميريين أنفسهم، وهي تطالب بالاستقلال، ولقد ألقت بظلالها على مسرح الاحداث لتضيف اعتباراً وبعداً جديداً للقضية، فقد بدأت العمليات المسلحة بالظهور داخل الاقليم واسفرت عن قتل 30 الفاً في عام 1989 وحتى وقف اطلاق النار في نوفمبر 2000. سباق التسلح في فترة التسعينيات تنامى سباق التسلح بين الهند وباكستان ووصل ذروته في مايو 1998 من خلال التجارب النووية التي اجريت، فقد بدأت الهند بخمس تجارب نووية في 1998م، فبادرت باكستان بدورها فوراً وقامت بست تجارب نووية مماثلة، وبهذا ينتقل سباق التسلح من نمط السلاح التقليدي إلى نمط جديد وهو السلاح النووي الفتاك. فقد كان التسلح قبل التسعينيات مقتصراً على تجارب اطلاق الصواريخ قصيرة المدى، فمنذ عام 1994 بدأت تجارب اطلاق الصواريخ مثل «بريتفي» الهندي و«حتف 1 و2» الباكستاني، ثم قامت باكستان بتجربة صاروخ «جوري ـ 1» في 6 ابريل 1998 بعد فوز حزب بهاراتيا جاناتا المتطرف في الهند والاعلان عن عزمه تنفيذ اجندته تجاه باكستان، وقبل التجارب النووية الهندية بـ 36 يوماً، علماً بأن الهند كانت قد اجرت تجربة ناجحة على صاروخ «اجني ـ 1» والذي يصل مداه إلى 1500، واعدت تجارب على «اجني ـ 2» المعدل والبعيد المدى والذي يمكنه ضرب كافة الأهداف الباكستانية حتى لو وضع في اخر الهند. ويعتبر صاروخ «شاهين» الذي اطلق بعد صاروخ «غوري ـ 2» بيوم واحد، أساساً لبرنامج صاروخي باكستاني متفوق على البرنامج الصاروخي الهندي، وذلك لما يميز صاروخ شاهين عن غوري، فصاروخ شاهين يعتمد على الوقود الصلب في حين ان غوري يعتمد على الوقود السائل، فالوقود الصلب يعطي الصاروخ عمراً افتراضياً اطول، ويسمح بتطوير صناعة صواريخ اصغر حجماً وهو ما يجعل القدرة على التحكم والتوجه اكثر سهولة، كما انه يسمح برد اسرع حيث يمكن ابقاؤه في وضع الاستعداد للاطلاق، ويمكن تبديل الوقود الصلب بسهولة وبمجرد انتهاء صلاحية الوقود الصلب، في حين تحتاج الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل إلى ملء خزان الوقود قبل اطلاقه وهو ما يحتاج إلى ثلاث أو اربع ساعات. أما الميزة الثانية التي تميز صاروخ شاهين فهي نجاح سياسة باكستان في تشكيل هيئتين لتطوير الصواريخ وانتاجها، وهما مختبر خان للابحاث، ومجمع الدفاع الوطني، وكلاهما في هيئة الطاقة النووية الباكستانية، في حين ان البرنامج الصاروخي الهندي هو مسئولية «مؤسسة الابحاث والتطوير الدفاعي «Drdo». تطبيع العلاقات لقد مرت العلاقات الهندية الباكستانية بمراحل تذبذب بين مد وجزر، وتطلعات إلى الحلول السلمية لقضية كشمير، فتكررت المحاولات عدة مرات، بدأت في عام 1964 حيث التقى رئيس الوزراء للجزء الذي تسيطر عليه الهند من اقليم كشمير بالرئيس الباكستاني الجنرال «ايوب خان»، وتم الاتفاق بينهما على ان يزور ايوب خان رئيس الوزراء الهندي «جواهر لال نهرو»، غير ان نهرو توفي في اليوم التالي لإعلان اسلام اباد استعداد ايوب خان لزيارة الهند ولقائه. وفي أكتوبر من العام التالي 1965 شهدت مدينة طشقند عاصمة اوزباكستان حالياً أول مفاوضات على مستوى القمة الهندية الباكستانية، حيث التقي ايوب خان برئيس الوزراء الهندي «لال بهادور شاستري» واتفق الجانبان على ضرورة ايجاد حل عادل ونهائي للقضية الكشميرية، وبالطرق السلمية، ووقع الطرفان على اتفاق بهذا الخصوص، غير ان شاستري توفي بعد اربع ساعات من توقيع الاتفاق، الأمر الذي اعاد مجريات الأحداث بين الهند وباكستان إلى سابق عهدها من التوتر. وارتفعت حدة التصعيد والتوتر بين قوات البلدين عام 1984 تبعها محاولات من الجانبين لتهدئة الاجواء، وكاد الرئيس الباكستاني ضياء الحق ان يلتقي رئيسة الوزراء «انديرا غاندي» غير ان مجموعة من حرس غاندي الشخصيين سبقوه اليها واغتالوها في منزلها. وما وقع في صيف عام 1999 كان من أهم الأحداث في تاريخ البلدين حين اقتربا من دخول حرب شاملة في أزمة كارجيل، وقد جاءت هذه الأزمة بعد شهرين من إعلان لاهور بين نواز شريف واتال بهاري فاجبايي، حيث تعهد الطرفان ببذل جهدهما لتطبيع العلاقات. أما قمة «اجرا» التي عقدت ما بين 14 ـ 16 يوليو 2001 فتعتبر أحدث الوقائع المهمة في تاريخ العلاقات الهندية الباكستانية حيث كان الطرفان يتطلعان إلى قمة فاجبايي وبرويز مشرف للتوصل إلى حل سلمي للقضية الكشميرية، ولكن هذه التطلعات أصيبت بخيبة أمل، لان قضية كشمير، وكما في كل اتفاق، وقفت حجر عثرة أمام إعلان بيان مشترك حول القمة الهندية الباكستانية في اجرا... ومن يعلم كم من القمم ستعقد بين البلدين الجارين لتحقيق الهدوء والاستقرار في المنطقة؟ اعداد: هويدا سعيد