لم يكن فشل (قمة اجرا) في التوصل الى اعلان مشترك، أو حتى بيان مشترك بين الجانبين - كما كان مقررا.. مفاجأة كبيرة لكثير من المراقبين، بالرغم من اجواء التفاؤل (غير الحذر) التي اشاعتها وسائل الاعلام حول القمة قبيل واثناء انعقادها، وبالرغم من الاستقبال الحافل الذي أعدته الهند للرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف، واللفتات الودية العديدة التي حرص الجانبان على ابدائها، والتصريحات التي أوحت برغبة قيادتي البلدين القوية في التوصل الى نوع من التفاهم حول سبل حل الخلافات الكثيرة والمعقدة بين الهند وباكستان، وخاصة حول قضية كشمير والسباق النووي والصاروخي المحتدم بينهما. وبالاضافة الى اللفتات والتصريحات الودية والاستقبالات الحافلة، كان مما عزز أجواء التفاؤل المشار اليها، عقد عدة لقاءات منفردة - لم تكن مقررة أصلا ضمن جدول أعمال القمة - بين الجنرال مشرف ورئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي وامتداد لقائهما المنفرد الأول الى مايقارب الساعتين، بدلا من (15 دقيقة) فقط كانت مقررة له. واستندت التقارير الاعلامية الى هذه اللقاءات لاستخلاص توقعات مفادها ان الزعيمين يقتربان من التوصل الى اتفاق، ويريدان وضع اللمسات النهائية له، بعيدا عن أجواء المحادثات بين الوفدين الكبيرين. لكن كشمير كانت الصخرة التي اصطدمت بها القمة.. تماما كما كانت السبب في حربين كبيرتين بين البلدين عامي 1949 و 1965 وحرب ثالثة صغيرة في منطقة مرتفعات كارجيل عام 1999. فقد أصر الجانب الهندي على تضمين (الاعلان) العتيد بندا حول التزام باكستان بوقف ماتسميه نيودلهي (تصدير الارهاب عبر الحدود).. الأمر الذي كان طبيعيا ان ترفضه باكستان. والواقع ان الجنرال مشرف لم يكن يستطيع أن يمضي الى أبعد مما ذهب اليه بشأن القضية الكشميرية دون المغامرة ليس فقط بنسف مصداقيته السياسية في بلاده، بل وأيضا بمواجهة خطر الاطاحة به سواء على يد الجيش أو على يد الحركة الجماهيرية أو كليهما - فالمعروف أن القضية الكشميرية بالغة الحساسية بالنسبة للجيش والشعب الباكستاني، ويشعر الباكستانيون بغبن شديد لاصرار الهند على الاحتفاظ بالجزء الأكبر من كشمير منذ عام 1947 . ومعروف أيضا أن الجنرال مشرف بنى جزءا كبيرا من رصيده السياسي - منذ أن كان رئيسا لأركان القوات المسلحة - على موقفه المتشدد من هذه القضية. وكان هو المشرف على (عملية كارجيل) في مايو 1999، بعد أسابيع قليلة من زيارة فاجبايي الى باكستان، واجتماعه برئيس الوزراء الباكستاني وقتها نواز شريف في مدينة لاهور. وقد رفض الجنرال مشرف وقتها مصافحة رئيس الوزراء الهندي، بغض النظر عن الاعتبارات البروتوكولية. كما كانت موافقة نواز شريف على سحب المقاتلين الكشميريين - والعسكريين الباكستانيين الذين يساندونهم من مرتفعات كارجيل (تحت ضغوط أمريكية عنيفة) السبب الرئيسي في دفع الجيش للتحرك من أجل الاطاحة بشريف، بعد أسابيع من هذه الخطوة. ومن ناحية أخرى فإن المقاتلين الكشميريين والمناضلين من أجل حق تقرير المصير يحظون بتعاطف شعبي واسع في باكستان. لذلك كله رأينا الجنرال مشرف يصر على استقبال زعماء تحالف (حريات) -الحرية (الذي يضم ممثلي 32 جامعة وحزبا كشميريا تدعو للانفصال عن الهند - في دار السفارة الباكستانية في نيودلهي اثناء زيارته لها رغم الامتعاض الواضح من جانب السلطات الهندية. كما سبق (قمة أجرا) - وتزامن معها - تصعيد واسع النطاق للعمليات العسكرية للمقاومة الكشميرية، راح ضحيته، خلال أيام القمة الثلاثة، أكثر من ثمانية قتلى من الجانبين. وهو تصعيد لم يكن ليحدث - ولم تكن مقوماته لتتوافر - ضد ارادة الجانب الباكستاني. أي انه بينما كانت محادثات القمة وحواراتها تجري في القاعات المكيفة وحول موائد الغداء والعشاء، كان (الحوار) يجري بأساليب ووسائل أخرى على جبهات القتال.. ويبدو هذا منطقيا تماما.. فالمفاوضات هي احدى وسائل ادارة الصراع بين الدول والشعوب.. وهي تتكامل مع مختلف عناصر القوة وأدوات الضغط الأخرى - لهذا لم تعارض الجماعات المقاتلة الكشميرية زيارة مشرف للهند، ومفاوضاته حول قضية كشمير.. بل ساندته بتصعيد القتال. ومن ناحية أخرى فان مشرف استقبل في نيودلهي ايضا رئيس وزراء اقليم (جامو وكشمير) فاروق عبدالله.. وهو هندي مسلم كما يشير اسمه.. وان كان ابناء كشمير الباكستانية يعتبرونه خائنا وخارجا على الاسلام. ورأى بعض المراقبين في استقبال مشرف لعبدالله ايماءة يمكن ان تفتح الطريق لمسار مواز للمفاوضات بين الفرقاء الكشميريين أنفسهم (سواء من الموالين للهند أو لباكستان أو دعاة الاستقلال) يمكن التحرك عليه جنبا الى جنب مع المفاوضات بين اسلام أباد ونيودلهي. ونعتقد أن موافقة نيودلهي، رغم امتعاضها. على استقبال مشرف لزعماء الأحزاب الانفصالية الكشميرية من ناحية، واستقبال الرئيس الباكستاني لرئيس وزراء (جامو وكشمير) الموالي للهند من ناحية أخرى هما حدثان يستحقان الاهتمام، رغم فشل (قمة أجرا) في التوصل لاعلان مشترك بسبب الخلاف حول كشمير بالذات. وتكمن اهمية هذين اللقاءين فيما يشيران اليه عن استعداد الطرفين (نيودلهي واسلام اباد) للتخلى من (الحلول الصفرية) اذا أمكن القول.. أي استعداد نيودلهي - وان يكن ذلك على مضض - للاعتراف ضمنا بنوع من الشرعية للعلاقة بين باكستان وأحزاب كشميرية انفصالية على الجانب الهندي من الاقليم، بما يعنيه ذلك من اعتراف ضمني بأن مقولة (جامو وكشمير) هندية الى الأبد، هي مقولة قابلة للنقاش.. ومن ناحية أخرى فإن استقبال مشرف لرئيس وزراء الجانب الهندي من الاقليم، ينطوي على نوع من الاعتراف الضمني بمصالح هندية في الاقليم، وبأن الموالين للهند يمكن التعامل معهم.. وفي ضوء الانكار الطويل المتبادل من جانب كل طرف لشرعية الطرف الآخر، فإن الأهمية الرمزية للقاءين تصبح واضحة تماما. وفضلا عن ذلك فإنهما يفتحان الباب للاعتراف بالكشميريين كطرف ثالث من أطراف القضية - وهو ماكانت الهند ترفضه باصرار - ولمسار مواز للتفاوض بين الكشميريين أنفسهم، كما سبقت الاشارة. والواقع أننا اذا وضعنا في اعتبارنا المرارات التاريخية المرتبطة بقضية كشمير والتي تغلف مجمل العلاقات بين الهند وباكستان - والظروف السياسية في البلدين، وخاصة صعود الأصولية الهندوسية والمد القومي الهندي من ناحية والتطورات التي أفضنا في شرحها على الجانب الباكستاني من ناحية أخرى، فإننا نعتقد أن توقع (نتائج درامية) لقمة أجرا بناء على اللفتات والتصريحات الودية وطول الاجتماعات المغلقة.. الخ.. كل ذلك لم يكن سوى نوع من (التفاؤل غير الحذر)!! والحكم على فشل أو نجاح القمة بمعيار اتفاق الطرفين على حل أي قضية كشمير يمثل نوعا من التبسيط في تصورنا. ورغم فشل القمة في التوصل لاتفاق حول (الاعلان) العتيد بشأن كشمير، فإنها حققت انجازات لا ينبغي الاستهانة بها في كسر الجمود بين البلدين وتحريك العلاقات بينهما من النقطة المعنية. أولا: نجح الرئيس الباكستاني برويز مشرف بصورة ملحوظة في القيام بحملة علاقات عامة جيدة في الهند لأول مرة في تاريخ الاتصالات بين البلدين. وقدم صورة انسانية ومتحضرة لبلاده ولشخصه من خلال عرض نوايا باكستان ومطالبها السلمية بصورة مقنعة، وايضاح الحقائق للرأي العام الهندي عبر وسائل اعلامه.. وكذلك من خلال زيارته للنصب التذكاري لمهاتما غاندي، الشخصية التي تحظى بنوع من التقديس عند الهنود، وداعية السلام الكبير الذي يحظى اسمه باحترام عالمي. ولا شك أن هذه الحملة الناجحة ستكون لها اثارها الايجابية على الرأي العام الهندي. ثانيا: نجح الزعيم الباكستاني في انتزاع اعتراف هندي ضمني بالطرف الكشميري (على جانبي الحدود) بعد طول انكار. ثالثا: تم الاتفاق حول بعض الاجراءات التطبيعية، دون وضعها في السياق الذي حاولت نيودلهي أن تضعها فيه. أي تقديمها كبديل عن حل القضية الكشميرية.. وفصلها عن التقدم في اتجاه ذلك الحل. رابعا: لم يغلق الطرفان الباب امام المفاوضات وتحسين العلاقات وسوف تنعقد قمة لاحقة بينهما خلال ثلاثة شهور في مدينة لاهور الباكستانية، حيث يمكن مواصلة البناء على ماتحقق خلال القمة الحالية وحتى القمة القادمة. خامسا: اسهمت حملة العلاقات العامة الناجحة التي قام بها مشرف اثناء الزيارة وكذلك هدوءه وانضباطه في نهايتها، في تحسين صورة باكستان امام الرأي العام العالمي. ومن شأن ذلك أن يسهم في فك العزلة الدولية التي تعانيها اسلام أباد نتيجة الانحياز الأمريكي الواضح للهند، وخاصة في قضية التسلح النووي، فضلا عن علاقة باكستان (بطالبان) وتداعياتها الدولية. ويمكن القول أن لدى الطرفين كليهما دوافع قوية لتسوية نزاعهما التاريخي يمكن على أساسها تحقيق خطوات تدريجية لتحسين العلاقات بينهما، في اطار نوع من الحلول الوسط المقبولة. وهي دوافع استراتيجية واقتصادية على السواء. فبالنسبة للهند تمثل المنافسة الاستراتيجية بينها وبين العملاق الصيني الهم الأساسي لنيودلهي. وعلى ضوء امتلاك باكستان للردع النووي يبدو تحقيق انتصار ساحق عليها أمرا مستبعدا الآن. كما ان الاحتفاظ بقوات قوامها 600 ألف جندي في كشمير بصورة مستمرة يبدو أمرا ثقيل الوطأة على الاقتصاد الهندي الذي بدأ يتجه للتباطؤ في العامين الأخيرين (انخفض معدل النمو من حوالي 7% في التسعينيات الى 5% عام 2000، ويتوقع نفس المعدل هذا العام). ويعيش نحو 30% من سكانها تحت خط الفقر، رغم انجازاتها الاقتصادية الملموسة. ويتوقع الخبراء ان يؤدي فتح الأسواق بينها وبين باكستان الى تبادل تجاري يمكن أن يصل الى (5 مليارات دولار) خلال عامين و(10 مليارات خلال خمسة أعوام). أما بالنسبة لباكستان فإن اقتصادها يعاني من عبء الانفاق العسكري، الذي يعوق تحقيق استراتيجية تنموية جدية. وقد اضطرت اسلام اباد لخفض ميزانيتها العسكرية بنحو (850 مليون دولار) هذا العام بسبب الأزمة الاقتصادية - وهي تنفق على قواتها المسلحة (3.5 مليارات دولار) تعادل نحو 5.8% من ناتجها المحلي. ويعيش 32% من سكانها تحت خط الفقر. (تنفق الهند على قواتها المسلحة نحو 10 مليارات دولار تمثل 3% من ناتجها المحلي). ويمثل مشروع مثل خط أنابيب نقل الغاز من ايران الى الهند عبر باكستان، نموذجا لأحد أشكال التعاون الاقتصادي المقترحة، التي يمكن أن تؤمن الهند طاقة رخيصة، ولباكستان رسوم مرور تبلغ قيمتها 650 مليون دولار سنويا، وتسمح المناقشة الجارية للمشروع باستنتاج أن الطرفين يفكران جديا في ثمار السلام الممكن بينهما. فهل تنتصر الحكمة؟؟ سؤال ستجيب عنه القمم الباكستانية الهندية المقبلة. بقلم: د. محمد فراج أبوالنور ـ كاتب مصري