ذهب برويز مشرف إلى نيودلهي وهو يأمل في أن يغير مجرى التاريخ ولكن الجغرافيا كانت له بالمرصاد. ذلك هو العنوان الأجدر لتلك الزيارة التي قام بها الرئيس الباكستاني للهند وهي الأولى من نوعها منذ قرابة العامين والنصف. ولا أحد يدري الغرض الحقيقي من هذه الزيارة إذ يصعب على المراقبين السياسيين أن يقبلوا التبريرات الرسمية لإخفاق القمة الثنائية، مثل القول بأن إتفاقا عاما كان قد تم التوصل إليه وأن المحادثات لم تتعرض للإنهيار على المستوى الرئاسي أو مستوى القمة أو المستوى السياسي، ولكن على ما أسمته المصادر (المستوى البيروقراطي) من جراء النزاع حول الصياغة وبعد أن وافق فاجبايي ومشرف على التقاط النقاط الرئيسية وأحالا هذه النقاط للمستويات الأدنى للصياغة. وليس من المستبعد أن الرئيس الباكستاني قد أراد بهذه الزيارة توكيد زعامته للبلاد بعد أن تحول من (رئيس تنفيذي) على اثر الإنقلاب العسكري الذي قاده ضد حكومة (نواز شريف) إلى الرئيس الفعلي للبلاد، ويبدو أنه تطلع للقيام بعمل تاريخي يدعم من ركائز حكمه وذلك بإقتحام أكبر المشكلات التاريخية التي تعترض مسار العلاقات الثنائية بين الهند وباكستان الا وهي مشكلة إقليم كشمير. ولو قدر لمساعي (مشرف) أن تصادف نجاحا لكانت شبه القارة الهندية قد دخلت في مرحلة جديدة من تاريخها الحديث على غرار ما جرى في منطقتنا العربية في أعقاب كامب ديفيد مع الأخذ في الاعتبار الفوارق الجوهرية بينهما. منطق الجغرافيا ومن المؤكد أن الأعمال التحضيرية لقمة (أجرا) لم تتم بالكفاءة اللازمة، كما لم تكن هناك مشروعات محددة تتجاوز الرغبة في تحسين العلاقات. وليس أدل على ذلك من أن الرئيس الباكستاني كان يصر على أن يكون جدول الأعمال من بند واحد عنوانه قضية كشمير، في حين نجح الهنود في إقناعه بأن تتناول المباحثات بعض الموضوعات الأخرى وعلى الأخص خط أنابيب الغاز بين إيران والهند الذي يحتم موافقة باكستان على مروره بأراضيها .ويظهر أن نيودلهي كانت تؤمل في الحصول على موافقة مشرف على مرور خط الأنابيب حتى ولو فشل الطرفان في الوصول إلى إتفاق تاريخي حول كشمير وعلى النقيض من ذلك كان (مشرف) يضغط بورقة كشمير، ويعتبرها مقدمة ومدخلا أساسيا لبحث أي قضايا ثنائية أخرى فلا حديث عن خط الأنابيب قبل قبول الهند بإجراء إستفتاء لتقرير المصير في الإقليم. والحقيقة أن التاريخ قد أعاد إنتاج نفسه في مفاوضات أجرا، وهي مع بعض التبدلات في شخوص المفاوضين وملابسات الأحداث ليست سوى تكرار روتيني لمطالبة حزب المؤتمر الهندي بزعامة نهرو عام 1948 بضرورة التعاون بين (هنادكة) دولة الهند و(مسلمى) الباكستان لاستعادة وحدة شبة القارة الهندية، وإصرار حكومة محمد علي جناح على أن يكون هناك استفتاء على تقرير المصير في كشمير. وعلى الرغم من حدوث تغييرات تاريخية إلا أن منطق الجغرافيا ظل صامدا. ولعل أبرز هذه المتغيرات التي طرأت على العلاقات بين البلدين منذ اعلان استقلال باكستان في 4 أغسطس 1947، إحتلال الهند بالقوة لإقليم كشمير في 27 أكتوبر 1947 بناء على طلب من المهراجا الهندوكي الذي ثار الأهالي ضده، ثم قبولها بقرار اللجنة التي ألفها مجلس الأمن في 21 أبريل 1948 بأن تتم تسوية الأزمة على ثلاث مراحل هي وقف إطلاق النار ثم عقد إتفاقية هدنة ثم إجراء استفتاء. ورغم تنفيذ البندين الأولين إلا أن أمر الاستفتاء تعثر لأسباب فنية ثم بعد ذلك لأسباب سياسية. وكان ثاني المتغيرات إنفصال باكستان الشرقية (بنجالاديش) في عام 1972 بعد حرب ناصرت فيها الهند قوات رابطة عوامي (دكا) ضد قوات كراتشي. ولقد أدى هذا الإنفصال بدوره إلى إنغماس باكستان في مفردات الحرب الباردة وخاصة في ظل التقارب الواضح بين الهند والإتحاد السوفييتي ،وبدت باكستان في صورة الحليف الإقليمي لحلف الأطلسي ولم يحل ذلك دون سعيها لامتلاك القنبلة الذرية لمعادلة الموقف مع نيودلهي التي سبقتها إلى دخول النادي النووي. اختلاف التحالفات وفي العقد الأخير من القرن العشرين أبدى حلف الأطلسي تفهما أكبر وعطفا أوضح على سياسة نيودلهي، ليس فقط بسبب علاقاتها المتوترة مع (بكين) ولكن أيضا للتقارب الواضح بين (كراتشي) والدول العربية والإسلامية في الموقف من (الاحتكار النووي) من ناحية ومن الكيان الصهيوني من ناحية أخرى. وفي ظل حقبة (القطب الأوحد) أو ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أخذت واشنطون في إظهار عدم رضائها عن باكستان، ليس فقط لتكرار الإنقلابات العسكرية ولكن قبل ذلك وبعده لسعي الباكستان لتوظيف موقعها النووي من أجل التواصل مع المواقف العربية - الإسلامية المعادية لإسرائيل، وهوما يشكل بحد ذاته خللا محتملا في موازين القوى بالمنطقة لأول مرة منذ حقبة الحرب الباردة. وعلى النقيض مما جرى في أرجاء مختلفة من العالم من تسويات للنزاعات الإقليمية بعد بداية سياسة الوفاق بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي وما أعقبها من تغيرات أدت لاختفاء الأخير، فإن النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير أخذ يزداد سخونة وخاصة بعد تكرار حوادث لإطلاق النار على الحدود بين البلدين وتصاعد الأعمال العسكرية للإنفصاليين في كشمير. وبدا الأمر وكأن المنطقة على وشك الدخول في حرب إقليمية كبرى قد تستدعي أحداثها استخدام الأسلحة النووية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. هذه التغيرات التاريخية العميقة أضعفت في نهاية المطاف من موقف باكستان في مواجهة الهند، ليس فقط لإفتقادها مساندة القطب الأوحد الذي يعتبر أن باكستان قد خدعته بإمتلاكها للسلاح النووي، ولكن أيضا لأن النظام الدولي يرفض إجراء تعديلات في الحدود الإقليمية اعتمادا على مبدأ القوة أو حتى على مبدأ تقرير المصير إلا في إتجاه واحد فقط إلا وهو تقديم الدول التي تنتمي بصورة أو باخرى لإطار الحضارة العربية الإسلامية. ولذلك فإن نيودلهي تبدي قدرا كبيرا من التشدد حيال قضية كشمير وهي على ثقة من مواتاة الظروف الدولية لرغبتها في الاحتفاظ بإقليم كشمير ضمن حدودها، على الرغم من مخالفة ذلك للقرارات الدولية التي تدعو لتنظيم استفتاء تقرير المصير بين السكان، وأيضا مجافاته للمبدأ الذي تم على أساسه تقسيم شبه القارة الهندية في عام 1947 وهو مبدأ الأغلبية الدينية. وقد سبق للهند أن إستخدمت هذا المبدأ في احتجاجها على ضم باكستان لإقليم (جوناجدة) ذي الأغلبية الهندوسية وإتخذت ذلك ذريعة لاحتلال الإقليم وضمه بالقوة إلى الهند. بدائل محدودة وعلى الطرف الآخر فإن كراتشي التي تعيش في ظل أزمة سياسية واقتصادية منذ إنفصال بنجالاديش عنها عام 1972، تحاول أن تهدئ خواطر الشعب الباكستاني بالحفاظ على أمانيه القومية في كشمير وفي ذات الوقت بالسعي لتهدئة الأجواء على الحدود من أجل التفرغ لتحسين الأحوال الداخلية للبلاد. ويقينا أن الرئيس مشرف الذي ينتمي للجيش، المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكا، لم يدر بخلده أن يتنازل عن كشمير بل أنه أعلن في «أجرا» عن مساندته الكاملة لمطالب الإنفصاليين في (كشمير وجامو) وإنما كان يؤمل في أن تستجيب الهند للمطلب الأزلي بإجراء استفتاء تقرير المصير بالإقليم مقابل تحسين العلاقات الإقتصادية بين البلدين وعدم وقوف باكستان حجر عثرة في طريق مشروع أنابيب الغاز الإيراني والذي يبدو حيويا وضروريا لتطور الهند في ظل إرتفاع أسعار النفط وافتقار الهند لموارد الطاقة. ولكن منطق المصالحات التاريخية، على غرار كامب ديفيد، لقي هزيمة واضحة أمام الجغرافيا التي تقول بأن إمتلاك الهند لإقليم كشمير يضمن على الدوام إقدام باكستان على اللجوء للخيار النووي في المنطقة لأنها ستظل اقتصاديا تحت رحمة الهند، وهذا ما يعرفه مشرف وكل باكستاني. فمن المسلم به أن إزدهار باكستان يعتمد في المقام الأول على أنهارها ونظام الري فيها.ومن بين الأنهار الخمسة الكبيرة التي تروي (البنجاب الغربية) و(السند)، اثنان هما ستلج وراوي ينبعان من الهند، أما الثلاثة الأنهار الكبيرة الأخرى، السند - جيلم- شيناب، فتنبع من كشمير، ولهذا فإن تسلط أي بلد (معاد) على هذه الأنهار يعني دمار باكستان متى شاء هذا البلد. أو ليس بصحيح بعد ذلك القول بأن الجغرافيا قد هزمت التاريخ في «أجرا»؟! بقلم: د. أحمد السيد محمد ـ جامعة القاهرة