على الرغم من ان قضية كشمير تمثل طموحا اسلاميا لباكستان، وفي ذات الوقت هاجسا امنيا للهند، وهو واقع وضع تلك المنطقة الحساسة من العالم نصف قرن من الزمان في صراع هدد بحدوث حرب شاملة، حيث ان الهند رفضت التدخل الدولي ووساطة الاصدقاء، الا في حدود ضيقة جدا لم تؤد لانهاء المشكلة، وأصرت على تناول القضية في حدود بحثها فقط مع طرف الصراع باكستان، وقد تحقق للهند الآن هدفها بعدم تدويل المشكلة، وذلك بزيارة الرئيس الباكستاني «برويز مشرف» للهند وعقد قمة اعتبرها العالم حتى هذه الساعة تاريخية، فهل لقاؤه برئيس الوزراء الهندي «اتال بيهاري فاجبايي» هو بداية لنهاية الصراع؟ فكشمير ليست وحدها سبب الصراع بين البلدين المنفصلين من رحم ام واحدة، بل هناك عوامل اخرى اهمها سباق التسلح النووي الذي بدأ في التكشير عن انيابه بصورة واضحة عام 98، اضافة لصراع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية داخل شبه القارة الهندية، والصراع الاكبر المتمثل في الصراع العقائدي بين الهند بأغلبيتها الهندوسية، وجارتها باكستان الاسلامية. حول القمة الهندية الباكستانية التي عقدت منذ أيام في مدينة «أجرا» الهندية، وتجدد الآمال في انهاء الصراع والمشاكل المعلقة بين الجارتين، التقى «الملف» بخبير الشئون الآسيوية الهولندي «سيمون فان فيين» وحاوره بشأن التطورات الاخيرة، فماذا يقول؟ أزمات متعددة بداية يقول الخبير الهولندي: لم تأت القمة الهندية الباكستانية فجأة، فهو امر كان حدوثه متوقعا دائما، حيث بقي رهينة الوقت والمناخ المناسبين، فتصعيد الازمة الراهنة بين هاتين الجارتين ليس في مصلحة اي منهما لمعرفة كل من الهند وباكستان ان حدوث حرب شاملة يجلب مزيدا من الفقر والدمار. وقد نبه الاتحاد الاوروبي بصفة دائمة لمخاطر حدوث حرب، وهدد بتجميد مشروع شراكة من باكستان وطالبها بسرعة محاربة الفساد، ووضع الضوابط السياسية لانقاذها من الازمة الاقتصادية، واعداد برنامج للاصلاح لضبط الموازنة العامة، والصين وامريكا ايضا نبهتا لمخاطر الحرب. واعرف ان الهند وباكستان تعهدتا للدول الكبرى بضبط النفس في عام 99، والا يؤدي التسابق النووي بينهما لجر المنطقة الآسيوية لحرب شاملة، وقد قبلت الهند بتهدئة الوضع شريطة تحجيم دور القوات التي تأتي لباكستان من افغانستان وتشترك في قوات كشمير العسكرية، وان تتوقف عن دعم الحركات الاسلامية داخل كشمير ضد الهند، واتضح ان باكستان التزمت بتعهداتها للهند، الامر الذي هيأ المناخ لعقد القمة بينهما في الايام الاخيرة. ـ هل هدف القمة هو المصالحة وانهاء الصراع ام الهروب من ازمات داخلية؟ ـ تواجه باكستان البالغ عدد سكانها 140 مليون نسمة مشاكل كثيرة، وهي تعتبر واحدة من عشر دول ذات كثافة سكانية عالية، ومتوسط مستوى دخل الفرد لا يزيد عن 47 دولارا سنويا، وقد تعرض دخلها الاقتصادي من التجارة لهزة عقب اجرائها التجارب النووية عام 98، والبنوك ايضا تعاني من حالة تضخم نظرا لصعوبة استردادها للقروض، اما الضرائب فتمثل حالة خاصة في باكستان نظرا لارتفاعها. جذور الصراع ـ هل تعتبر مشكلة كشمير عقبة ام تدفع للسلام بين الهند وباكستان؟ ـ التحدث عن مشكلة كشمير يتطلب معرفة جذورها، فمنذ تحرر الجزيرة الهندية من بريطانيا في 15 اغسطس عام 1947 بدأت حوادث مصادمات بين الهندوس والمسلمين بالجزيرة الهندية، جاءت مواكبة للتحرر من الاستعمار، وانقسمت الجزيرة لدولتين هما الهند والباكستان في عضون ايام. غير ان هذا الانقسام وخروج الدولتين من رحم أم واحدة لم يحدد معه ماهية الصفة القانونية او المعالم الواضحة للسيادة حول كشمير، فهذه مشكلة قانونية لابد من حلها اولا، كأساس للسلام المنتظر. وجاء تقسيم المناطق بين الهند وباكستان ليقع ثلثي مساحة ارض كشمير تحت سيطرة الهند، والثلث الاخير تحت سيطرة باكستان، ويتمثل الثلثان في كل من (لاداكه ـ جامو ـ كشمير) في شمال الهند على الحدود الباكستانية وحدود تبت والصين، وعاصمتها سريناجاز، وذلك في فصول الصيف فقط حيث مناخ تلك المدينة والاقبال السياحي الشديد عليها، اما في الشتاء فتصبح جامو هي العاصمة. ومنطقة جامو يسكنها 5.8 ملايين نسمة، وتعد هي المنطقة الوحيدة التي توجد فيها اغلبية مسلمة، بينما حول جامو تسكن الغالبية العظمى من الهندوس، وفي لاداكة يسكن البوذيون. اما ثلث منطقة كشمير الواقع في باكستان، فمعظم السكان البالغ عددهم 2 مليون نسمة هم من المسلمين. وفي اكتوبر من نفس العام حدث انقسام الجزيرة الهندية وتقسيم كشمير وزحفت قبائل يطلق عليها «باتهنانين» مع آخرين من الثلث الواقع تحت سيطرة باكستان الى داخل كشمير، وطلب الزعيم الروحي الكشميري «ماهراجيا هاري سينج» المساعدة من الهند للتخلص من السيطرة الباكستانية، وتنازل عن سلطته من عرش همالايا في مقابل حصوله على الدعم الهندي وعقب لجوء هذا الزعيم الروحي الكشميري «ماهراجيا هاري سينج» للهند وتنازله عن السلطة، طالبت الهند باكستان بتسليمها الثلث الاخير من كشمير لتبقى تحت سيطرتها بصورة كلية ودعمت مطلبها بموقف الزعيم الكشميري، بينما رفضت باكستان التنازل عن الاراضي الكشميرية الواقعة تحت سيطرتها حيث تمثل اهمية امنية بالنسبة لها على الحدود بجانب وجود غالبية مسلمة فيها، مما ادى لاندلاع الحرب بين الجانبين في اكتوبر 1947 والتي استغرقت اكثر من خمسة عشر شهرا، وانتهت في يناير 1949، وذلك بضغوط من مجلس الامن لوقف اطلاق النار، وفرض خطوط حدودية لتقسيم كشمير بين الهند وباكستان، وضغطت الامم المتحدة لاجراء استفتاءات شعبية حول انضمام كشمير لأي من الجانبين، الهند او باكستان، الا ان ضغوطها باءت بالفشل ولم يتم اجراء هذا الاستفتاء الى الآن. نزع الفتيل ـ بما ان المشكلة تتعلق بأراض عليها نزاع، فهل يمكن ان تحل القمة الهندية الباكستانية هذا النزاع وهو نزاع تاريخي قديم؟ ـ القمة هي بداية نزعت فتيل الحرب الموقوتة منذ عام 47، فقد بقيت الحدود التي رسمتها الامم المتحدة هي الفاصل في صراع الهند وباكستان حتى سبتمبر 1965 حيث اندلعت الحرب من جديد بين الجانبين حول كشمير وذلك في شرق باكستان، وفي يوليو 1973 بعد انتهاء الحرب وقعت كل من «انديرا غاندي» رئيسة الوزراء الهندية، و«ذو الفقار علي بوتو» رئيس الوزراء الباكستاني اتفاقية سلام في شيمالا، حيث وافق الطرفان على وقف اطلاق النار وترسيم خط حدودي طوله 720 كيلومترا وعلى عمل اجراءات نهائية توقف النزاع حول كشمير، ومنذ اتفاق سلام شيمالا بقيت الاوضاع حول كشمير تتسم بالهدوء وان كانت لا تخلو من الحذر، فالهند لن تتخلى عن رغبتها في ضم بقية أجزاء كشمير اليها للقضاء على طموح باكستان في اقامة جمهورية اسلامية تتاخم حدود الهند، كما وقفت الصين الشيوعية عقبة غير مباشرة دون تحقق هذا الهدف الباكستاني، بينما لم تتخلى ايضا باكستان عن حلمها في تخليص بقية اجزاء كشمير من الهند خاصة وأنها تضم اغلبية مسلمة لا يستهان بها. وفي عام 1988 بدأ شعب كشمير في الاعتراض والثورة ضد السيطرة الهندية وقادت تلك الثورة حركات المجاهدين الاسلاميين وقد حاولت الهند كبح جماح تلك الحركات التي تطالب بالانفصال والتحرر من السيطرة الهندية خاصة مع ما يعانيه المسلمون على ايدي الهندوس في كشمير، وقد تفجر الموقف في كشمير الهندية في يناير 1990 عندما اندلعت مظاهرات الكشميريين في منطقة سريتاجار، ودون سابق انذار فتحت القوات العسكرية الهندية النيران على المتظاهرين، مما ادى لسقوط عشرات الآلاف من القتلى، وحتى الآن تختلف الآراء حول الاعداد الحقيقية للضحايا فيقال انها تتراوح ما بين 15 ـ 25 ألف قتيل وجريح. وقد ادى ذلك الحدث الى هروب كثير من الهندوس خارج المنطقة، واتهمت كشمير الهند وقواتها العسكرية بخرق الاتفاقيات السابقة للسلام واهدارها لحقوق الانسان. ومنذ ذلك التاريخ شهدت هذه المرحلة بداية لقيام حركة مسلحة في كشمير تطالب بالانفصال عن الهند والاستقلال، غير ان الحركات المسلحة داخل كشمير منذ نشوئها وحتى الآن تنقسم الى ثلاثة آراء واتجاهات: الاولى: تريد الانضمام لباكستان. والثانية: تريد الانضمام للهند. وفريق ثالث توحيد كشمير المقسمة بين الهند وباكستان والاستقلال بها. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي