أنهى الرئيس الباكستاني برويز مشرف الاثنين الماضي زيارته التاريخية للهند والتي أجرى خلالها مباحثات هامة مع المسئولين حول سبل انهاء الصراع والتوتر الذي دام لسنوات طويلة ونتج عنه نشوب ثلاث حروب خلال أقل من خمسين عاما.. الزيارة التاريخية للرئيس الباكستاني صاحبها سيل من التوقعات والتساؤلات حول انعكاساتها على مستقبل العلاقات بين البلدين، ومواقف القوى الاقليمية والدولية من هذا التقارب الهندي الباكستاني، وانعكاساته على المنطقة العربية ودول الجوار الاقليمي.. (الملف) التقى لواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في حوار للاجابة على هذه التساؤلات حيث أكد أن هذه القمة التاريخية لا يمكن اعتبارها محاولة للهروب من الأزمات الداخلية في البلدين ولكنها محاولة لحلها. وقال إن القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة يهمها تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة ومن هنا فهي ترحب بهذا التقارب وأضاف أن قضية كشمير شائكة وصعبة وتحتاج لتحركات مستمرة من الجانبين لتطويقها حتى لا تحدث صدامات مسلحة مستقبلية بينهما بسببها. ـ بداية لقد تردد أن قضية كشمير استحوذت على الاهتمام الأكبر في المحادثات الباكستانية الهندية فهل ترى امكانية حل هذه المشكلة المستعصية في المستقبل القريب؟ ـ لقد كانت قضية كشمير على قمة أولويات المسئولين الهنديين والباكستانيين خلال هذه الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الباكستاني مشرف للهند، وطبعا لا مجال هنا للحديث عن حلول فورية لهذه القضية التي استمرت لسنوات طويلة تنغص وتهدد استقرار منطقة جنوب آسيا بما تسببه من توتر مستمر ودائم بين الهند وباكستان، ولكن على الأقل من المؤكد أن الزعيمين الباكستاني والهندي قد اتفقا على عدد من الاجراءات التي من شأنها وقف مسببات التوتر وحتى لا يعوق ذلك احراز تقدم على صعيد الملفات الأخرى مثل الحد من التسلح والتعاون المشترك وغيرها، هذه الاجراءات يمكن أن تشتمل على اتفاق الطرفين على عدم دعم الجماعات المسلحة لديهما، وتأجيل مسألة حسم السيادة عليها واخضاع ذلك للطرق السلمية والحوار المستمر وبحيث لا تترك الأمور وبما قد يهدد في المستقبل بنشوب صدام مسلح آخر يؤدي الى مواجهة عسكرية شاملة بين الطرفين.. الحوار المستمر بين باكستان والهند من شأنه تقليل سوء الفهم والتصورات الخاطئة لديهما. ويضيف د. محمد قدري سعيد: إن قضية كشمير شائكة وتحتاج بالفعل لتحركات باكستانية وهندية على درجة عالية من الحنكة السياسية اذا أرادت الدولتان تجنب الصدام المسلح. فمعروف أن الهند وطبقا لدستورها ترى بسيادتها الكاملة على هذا الاقليم وأنه لا مجال هنا للحديث عن مفاوضات واجراء لاقتسام السلطة عليه، في حين تطالب باكستان بتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتلك المشكلة واجراء انتخابات لمواطني الاقليم وخصوصا في ظل ثقتها في الأغلبية المسلمة التي تعيش في الاقليم، وكل من الطرفين يدرك جيدا أن تخليه عن حقوقه في الاقليم ستسبب له مشاكل داخلية كبيرة . ففي الهند طوائف كثيرة لا يمكن لها أن تتقبل فكرة الدخول في مفاوضات لحل المشكلة واقتسام السلطة عليه، ولكن على أي حال فمن المؤكد أن كل طرف قدم خلال المفاوضات تصوراته لحل المشكلة مستقبلا، وفي مثل هذه المشكلات ومن خلال متابعة الحالات المشابهة التي تم التعامل معها على المستوى الدولي يمكن أن يصبح إقليم كشمير اذا حسنت النوايا بين الطرفين منطقة تعاون مشترك بينهما وليكن تعاونا تكنولوجيا وخصوصا في ظل التقدم الكبير للهند في هذا المجال، أي أن الطرفين عليهما أن يبحثا عن نقاط الاتفاق التي تجمعهما وليس تلك التي تفرقهما لأن هذا في صالحهما. ـ كيف ترون انعكاسات التقارب الهندي الباكستاني على المنطقة العربية؟ ـ لو افترضنا أن هذا التقارب الذي بدأ هذا الاسبوع استمر في تصاعد خلال الأعوام العشرة المقبلة فمن المنتظر أن تكون له آثاره الواضحة على منطقة الخليج العربي التي يتواجد بها أعداد كبيرة من العمالة الهندية والباكستانية، فاتفاق هاتين الدولتين النوويتين سيجعل لهما ثقلا استراتيجيا كبيراً وسيصبح لهما صوتا مسموعا في تشكيل هذه المنطقة وقوة ضاغطة عليها مثل ايران. هروب من الأزمات ـ هناك من يرى أن القمة الباكستانية الهندية جاءت كرغبة مشتركة للطرفين للهروب من الأزمات الداخلية عندهما فهل توافقون على هذا الرأي؟ ـ نعم هناك أزمات داخلية كثيرة في الدولتين ولكنني أعتقد أن القمة لم تأت لمجرد الهروب من هذه الأزمات أو لالهاء الشعبين عنها، ولكن هذا الاجراء وتلك الخطوة بدت ضرورية حتى تتفرغ الدولتان لحل هذه الأزمات الداخلية، بمعنى أن ايقاف التوتر الحاصل حاليا بين الطرفين سيتبعه تقليل للنفقات التي تصرف على عمليات التسلح،والتفرغ للقضاء على المشكلات الداخلية وخصوصا البطالة. إننا اذا نظرنا الى باكستان على سبيل المثال لن نجد أزمات داخلية يمكن أن تعصف بالنظام هناك فمشرف لا يواجه مقاومة داخلية من شعبه حتى بعد أن عين نفسه رئيسا لباكستان، لأن الشعب الباكستاني يشعر بالاستياء من الأحزاب وفسادها خلال الفترة التي سبقت مجيئه للسلطة، ومن هنا فالشعب الباكستاني ربما شعر أن هذه الخطوة التي أقدم عليها رئيسه مشرف بالتقارب والتفاوض مع الهند هي الطريق لتحسين الأوضاع في باكستان، والحال لا يختلف كثيرا بالنسبة للهند، أي أن هذه الخطوة ليست هروبا من الأزمات الداخلية ولكنها محاولة لحلها. ـ وماذا عن مواقف القوى الدولية من هذا التقارب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية؟ ـ الجانب الأمريكي يميل الى أن يتم هذا التحرك فلا توجد تحفظات لديه عليه وخاصة في ظل التقارب الهندي الأمريكي وتبادل الزيارات الذي تم خلال الفترة الماضية، وتقليل الضغوط الأمريكية على باكستان بالنسبة لعدم آخذها بالنظام الديمقراطي في مقابل أن تكون باكستان عنصر توازن وليس إرهاب في المنطقة، ولذلك فالولايات المتحدة تنظر للتقارب بنوع من التأييد لأنها تخشى أنه اذا حدث صدام بين الدولتين يمكن أن يتطور الأمر الى نشوب حرب مدمرة في هذه المنطقة المتوترة وخاصة في ظل امتلاكهما لأسلحة نووية، الولايات المتحدة تريد استقرارا في المنطقة لأن لها قوات في الخليج ويمكن أن يؤثر أي توتر عليها. حوار سياسي أوسع ـ هل يمكن أن يكون لهذا التقارب آثاره فيما يتعلق بالحد من عمليات التسلح في منطقة جنوب شرق آسيا؟ ـ لاشك أن هذا التقارب سيزيد الاستقرار لهذه المنطقة وخاصة أنها الوحيدة التي لا يوجد بها أي حوار سياسي، فمعروف أن منطقة جنوب شرق آسيا بها حوار سياسي وأقامت مجموعة الآسيان للتعاون الاقتصادي والتجاري بين دولها وهذا كان له مردوده الايجابي عليها بأن أصبح لها منظمة لها ثقلها وتواجدها على الصعيد الدولي. أما منطقة جنوب آسيا ومنها الهند وباكستان فلا توجد بها أية ترتيبات أمنية، ومن هنا فالتقارب الهندي الباكستاني يفتح الطريق لبناء حوار سياسي أوسع في هذه المنطقة ومن خلاله يمكن التحرك لبناء أمن اقليمي وبالتالي تقليل وضبط لعمليات التسلح، لأنه طالما كان هناك أمن متبادل وحوار وثقة وزيارات فإن ذلك سيقلل من هذا السباق، ولذلك من المتوقع أن تتوقف مستقبلا الاجراءات التي بها نوع من الاثارة مثل تجارب الصواريخ طويلة المدى، ولكن على المدى القريب ليس متوقعا أن يقلل الطرفان من إنفاقهما على الصواريخ أو التجارب النووية إلا اذا حدث تطور أكثر ايجابية من خلال المفاوضات. ولكن ما هو واضح حتى الآن هي أن الأولوية هي لحل قضية كشمير، بالاضافة الى العمل على تقديم شهادة مزدوجة من الطرفين للمجتمع الدولي تفيد بأنهما يسيران باتجاه نزع فتيل التوتر من المنطقة، وهذه الشهادة هامة بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية حتى ترفع الحظر المفروض حاليا على تقديم القروض والمساعدات بالنسبة للدولتين، أي أن هذا التقارب نعيد ونؤكد أنه ليس هروبا من الأزمات الداخلية بل محاولة لتطويقها وحلها. القاهرة ـ مكتب «البيان»: