القمة الهندية ـ الباكستانية الأخيرة هل استطاعت أن تجسد أفكار الرجل الذي يؤمن به الطرفان ألا وهو المهاتما غاندي حين قال: «يجب أن يكون في أذهاننا صورة أفقر الناس عند صنع القرارات الكبيرة»؟ أم ان هذه القمة تناست صفاء غاندي الروحي واستسلمت لسلاح العصر النووي الذي يعتبر المشكلة الأكبر في الصراع الحديث لتلك الدولتين، بغض النظر عن السبب المباشر للاحتكام إلى لغة الحرب التي سادت منذ الاستقلال عام 1947 وأسفرت عن ثلاثة حروب أنهكت الدولتين، ناهيك عن المناوشات العسكرية المستمرة في اقليم كشمير. وهي التي قد تقذف بشبه القارة الهندية إلى حرب نووية تكون فيها نهاية أكبر التجمعات البشرية في العالم. ملفات خجولة ولكن كيف تبدو حقيقة الخلافات الهندية ـ الباكستانية؟ هل هي حقا تخص اقليم كشمير الذي يعتبر عقدتها الرئيسية أم ان هذه القمة استطاعت أن تأخذ على محمل الجد حقائق كبيرة تخص الدولتين أولها ما يحاول الطرفان اخفاءه أو الخجل منه. وإلى جانب ذلك مسائل عالقة سواء داخلية أو اقليمية أو دولية تتركز في معظمها على معطيات العلاقة بين إسلام أباد ونيودلهي وبالتحديد العلاقة الخلافية، مع ان العلاقات التكاملية واردة في طبيعة الدولتين المتجاورتين والمتشابهتين من حيث المنبت التاريخي، رغم الانفصال أو لنقل التجزئة التي خلفها الاستعمار البريطاني وكان اولها المشاكل الحدودية التي مازالت عالقة، سواء في كشمير او في الحدود البحرية التي بدورها تحمل اهمية كبيرة في الشأن الصراعي او السلمي بين البلدين، اضف الى ذلك ان قمة «اجرا» تحمل على عاتقها ابعاداً اخرى بالطبع لا يمكن حلها بقمة او قمتين. ولعل استعراض المشاكل الكثيرة والكبيرة القائمة بين البلدين تؤكد انها ذات ابعاد تاريخية واقتصادية واستراتيجية لا يمكن ان تحل بعصا سحرية، وهذه المشاكل اولها كما ذكرنا كشمير وباقي الحدود البحرية، وثانيها نزع الاسلحة من نهر الجليد «سياشين» الذي يرتفع 7365 متراً ويعتبر اعلى منطقة معارك في العالم، وهذا الارتفاع يوازي ارتفاع تكاليف الخدمات العسكرية فيه نتيجة لتلك الطبيعة الجغرافية، ويأتي الخلاف حول استخدام المياه المشتركة لكلا البلدين ليشكل نقطة هامة في طبيعة العلاقة بين اسلام اباد ونيودلهي، وكذلك ينظر الطرفان الى مشروع خط انابيب الغاز الذي يبدأ من ايران ويمر عبر باكستان اضافة الى الفرص الاقتصادية الكبيرة للبلدين وحرية تحرك رجال الاعمال للاستثمارات والانعاش الاقتصادي. وبالطبع يبقى موضوع الاسلحةالنووية هو الاكثر جدية اثر التجارب النووية التي تباهت بها الدولتان 1998 ودخولهما النادي النووي، حيث تمتلك الهند 69 منها والباكستان اكثر من عشرين سلاحاً اضافة الى الاسلحة الاستراتيجية التي تشكل ترسانة كبيرة في شبه القارة الهندية. ولكن هل يمكن ان يستخدم السلاح النووي بين البلدين وكيف ينظر اليه الطرفان؟ لقد قال رئيس الوزراء الهندي فاجبايي قبل القمة: «ان الهند اصبحت دولة نووية ولكنها لن تكون البادئة باستخدامه كما أنها لن تستخدمه ضد اي بلد لا يمتلكه». والواقع يعتبر اشد مرارة فقد خاض حزب «بهارتيا جناتا» الهندوسي الذي يتزعمه رئيس الوزراء فاجبايي حملة انتخابية شرسة ضد اسلام اباد حملت شعارات تدعو الى اجراء تجارب نووية ومتابعة السباق النووي، كما انها دعت الى استعادة الجزء الكشميري الذي يتبع اسلام اباد، بل ان بعض المتعصبين لا يعترفون بباكستان ويعتبرونها جزءاً من الهند. اذن حالة التوتر وان كانت تغيب احياناً فانها تبقى تحت كومة من الرماد كامنة بانتظار لحظة الاشتعال لأن الطرفين مازالا يحملان ابجديات مختلفة ووجهات نظر تعتبر جزءاً من الخريطة السياسية القائمة عليها كل دولة والتي لا يستطيع اختراقها سواء الرئيس الباكستاني الطامح في شعبية كبيرة او رئيس الوزراء الهندي الذي يرى موقفه من خلال حزبه رغم دعوته المستمرة لاحلال السلام، ولكن ضمن شروطه ان لم نقل ضمن شروط حزبه القاسية والتي لا ترفض قرارات الامم المتحدة حول كشمير بل تسعى للسيطرة عليها كاملة، ان لم نتحدث عن رأي المتطرفين في الحزب الحاكم الذي يدعو الى ضم الباكستان الى الهند. معركة خلفية في الواقع اذا كانت بداية المعركة الحالية تبدو من قناعة السلطتين في الهند وباكستان فإن ذلك يعكس صورة مختلفة لقمة (اجرا) فبالنسبة الى الهند فانها تريد من باكستان وقف الحرب التي تخوضها الميليشيات في كشمير وترفض اي احتمال لاجراء استفتاء في الولاية ذات الغالبية المسلحة، وهي تسعى للقضاء على الثوار الذين يشنون حرباً منذ 12 عاماً. وبالمقابل لا ترضى اسلام اباد بهذا وتعتبره تهمة، اي ان باكستان تعلن عدم دعمها للحرب القائمة في كشمير رغم مطالبتها باستفتاء في ذلك الاقليم ودعمها السياسي العلني للكشميريين. ونقرأ هذا التناقض بشكل واضح باعلان وزير الخارجية الهندي سوانت سيج الذي يقول: «ان كشمير لا تعتبر مشكلة مركزية في القمة»، مشيراً الى ان السيادة الهندية المنصوص عليها في الدستور غير قابلة للمناقشة، بينما يعتبر رئيس الوزراء الباكستاني برويز مشرف ان حل الخلافات على كشمير ضروري لحصول تطبيع كامل للعلاقات بين اسلام اباد ونيودلهي. وهذه المعركة الخفية بين الطرفين تحمل عمقاً ايديولوجياً وشخصياً في آن معاً. فلا يمكن للهند ان تنسى الهجوم الذي قاده برويز مشرف على مرتفعات كارجيل شمال كشمير بعد زيارة فاجبايي باكستان وتوقيعه مع نواز شريف اتفاقاً للعمل على حل الخلافات، وكان ذلك عام 1999 اي قبل ان يكون برويز مشرف رئيساً للوزراء. اذن مشكلة الحرب الخلفية تكمن في مجموعة من الاشكاليات مازالت بارزة رغم القمم الهندية ـ الباكستانية الاربع التي بدأ عام 1972 وكانت آخرها قبل قمة «اجرا عام 1999 في مدينة لاهور الباكستانية. ولكن كل ذلك وكل تلك الاشكاليات ترتبط بشكل مباشر بسباق التسلح الذي تقوم به الدولتان سواء النوي او غيره، ولعل الرعب النووي ومستويات الأمن يمكن ان تؤدي الى فقدان النظرية الامنية النووية وانهيارها على ساحات المفاوضات المتناقضة، رغم التصريحات بانجاز تقارب بين اسلام اباد ونيودلهي ورغم كل الاتصالات المباشرة واللقاءات الدولية، وذلك لأن الدولتين لا تعيشان حرباً باردة كما كان الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، بل هما تعيشان حرباً متقطعة تظهر حيناً وتعود لتشتعل. وهذا التوتر يزيد من احتمال انهيار النظرية الأمنية النووية وخطرها. ثم لا يمكن ان ننسى في هذا المجال التدخلات الدولية الكثيرة والتي يبرز اشدها التداخل الصيني الداعم للابحاث النووية الباكستانية وبالمقابل المهدد الدائم للهند، حيث تعتبر باكستان الدولة الواقعة في الدرجة الثانية بالنسبة لتفكير نيودلهي لأن المشاكل الحدودية وغيرها من الصين مازالت قائمة، ولا يمكن للهند ان تنسى حرب 1962 مع الصين وهزيمتها مما يشكل الخطر على الحدود الشمالية الشرقية للهند، ومع ذلك فإن استقرار الوضع بين الصين والهند ورضا الطرفين عن الوضع القائم لا يعتبر نسبياً مهدداً للهند. ان المشكلة الحقيقية بين الهند وباكستان تعود بنا الى تكرار قول المهاتما غاندي: «يجب ان يكون في اذهاننا صورة افقر الناس عند صنع القرارات الكبيرة» فهل استطاع الزعيمان مشرف وفاجبايي ان ينظرا الى شعوبها قبل التحدي النووي الذي يعيق النتيجة بشكل كبير حيث يشغل حوالي 3% من الناتج المحلي الهندي مع الانفاق العسكري الذي يبلغ 10 مليارات دولار وفي الباكستان فإن الانفاق العسكري يبلغ 5.3 مليارات دولار ويشكل 8.5% من الناتج المحلي. وامام كل هذا تبدأ الهند وباكستان مرحلة جديدة بعد قمة اجرا ليستفيد كلا الشعبين، فهل سيكون الاقتصاد هو المسيطر الاول بشكل عملي على الجهود المبذولة في القمة المنصرمة؟ ومع ملاحظة ان الدولتين تسعيان الى ذلك، فبرويز مشرف يقول: «ان العالم مشغول بالاقتصاد ونحن مشغولون بالنزاع، وبالرغم من اننا قوة نووية ومع ذلك فإننا نسعى الى السلام» ولعل الرغبة الحقيقية في السلام بين الدولتين تبدو اليوم في اشد لحظاتها رغم كل تلك المسائل العالقة بين الدولتين. فهل تستمر اسلام اباد ونيودلهي لمواصلة الاجتماعات واللقاءات وعلى اعلى مستوى كي تصلا الى حل لخلافاتهما ليتعزز الامن في شبه القارة الهندية ام سيبقى التوتر ولغة الحرب فصلا بين الاجتماع والآخر؟! بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني