ربما كان الزلزال السياسي الذي ينتظر برويز مشرف أقوى بكثير من قوة 5.8 ريختر التي قدرها الخبراء ، للزلزال الذي ضرب العاصمة الباكستانية إسلام آباد ، متزامنا مع فشل قمة مشرف فاجبايي! ورغم ذلك ، فإن النتيجة - دون مبالغة - لايمكن أن تمثل أكثر من (نصف مفاجأة)! إذ أن ذلك الوصف هو الأقرب إلى الدقة بشأن فرصة جديدة ضائعة، تمثلت في إنهيار محادثات الرئيس الباكستاني مع رئيس الوزراء الهندي، على صخرة كشمير، وبمطارق البيروقراطية من الجانبين الهندي والباكستاني - على السواء - خلال النزاع حول الصياغة، بعد أن استطاعت المحادثات - عند مستوى القمة - التوصل إلى النقاط الرئيسية من حيث المبدأ! النتيجة - بالتأكيد - لا تمثل مفاجأة كاملة من زاوية أن أحدا من المراقبين للنزاع الهندي الباكستاني، لم يكن يتصور أن يقدم مشرف على خطوته- قفزا في الفضاء - بل لابد أن تكون ثمة ضمانات لاحراز تقدم مقبول، وليس بالضرورة النجاح في إحراز تحول كيفي، وكان يكفي لذلك مجرد التوصل لوضع أسس ومعايير عامة تحكم مسار العلاقات بين الجارتين اللدودتين، من ثم كانت مشاعر التفاؤل الحذر تلقي بظلالها على زيارة المتشائل الباكستاني برويز مشرف! بالمقابل كان ما حدث لايمكن التعاطي معه باعتباره منطقيا تماما - وإن كان لا يخلو من منطق - إذ أن كثيرا من الملابسات والشواهد، لم تكن تبشر بإمكان تجاوز تاريخ حافل بالعداء خلال 48 ساعة، مع كوكتيل من النوايا الحسنة والإصرار على النجاح ، والدعوة إلى تحكيم العقل والمصلحة ، فوق ميراث من الصراع والدمار! فشل المرحلية! هل يكفي ذلك الميراث لاستمرار الموقف بين الهند وباكستان بوتيرة مزدوجة من التصعيد والتهدئة؟ لاشك أن الاحتجاج بالميراث العدائي يعني أن أي مبادرة لابد أن تكون محكومة- سلفا - بالفشل، لكن قراءة سريعة لنماذج مشابهة تقود الى أنه يمكن القفز، أو على الأقل طي صفحة الماضي، والإنطلاق إلى آفاق أكثر رحابه إذا كان ثمة رؤية مشتركة تؤمن بهدف استراتيجي، وتؤمن خططا مرحلية لوضع حد للصراع المزمن. من ثم كان طرح مشرف لخطته ذات المراحل الثلاث لإنهاء العداء مع الهند والتي تصور أن المرحلة الأولى منها قد تم اجتيازها من خلال استئناف الحوار بعد عامين من القطيعة، وبالتالي فإن المرحلة الثانية - طبقا لطرح مشرف - كانت تتمثل في الإقرار بأن كشمير تشكل القضية الأساسية التي يجب السعي حثيثا لحلها، الأمر الذي يتطلب التحلي بالشجاعة للقبول بتلك الحقيقة، وصولا إلى المرحلة الثالثة المتمثلة في رفض الحلول التي لا يقبل بها الطرفان، فيما يتعلق بكشمير، إذا كان ذلك ممكنا، لكن الواضح أن ما هو أكثر تواضعا بكثير، لم يكن في إطار الممكن الذي افترضته حسابات مشرف! كما أن النهج الانتقائي الذي رجحته الهند في التعاطي مع المسألة ألقى بظلاله السلبية على الموقف، بل أن المواقف الهندية المعلنة، قبل وأثناء زيارة مشرف، حرصت على صياغة العلاقة بين مشكلة كشمير، والقضايا الأخرى، على طريقة (أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة)، وكانت النتيجة قتل الأولى، وكسر الثانية! هكذا، وجد الطرفان أنهما لا يلعبان ذات المباراة بقانون لعبة واحدة، أو حتى على أرض ذات الملعب! خاصة وأن باكستان، وعلى لسان وزير خارجيتها، أكدت أن القمة لن تناقش مسألة إجراءات بناء الثقة، قبل بحث المبادئ التي يجب أن تحكم تسوية النزاع حول كشمير، والبعد عن الإنتقائية بشأن القضايا المطلوب مناقشتها. موقف عصيب على أي حال، فإنه لايمكن قراءة الواقع، أو الرهان على إنجاز مستقبلي بعيدا عن المفردات القائمة فعليا، وأن كان ثمة فرضيات يمكن إضافتها لما قد يكون عليه الحال مستقبلا، فإن المسألة تتوقف - في المحصلة النهائية - على قبول الأطراف المباشرة من ناحية، والأدوار التي يمكن أن تمارسها أطراف أخرى دفعا للموقف بعيدا عن الإنفجار أو حتى الجمود الذي تكون نتائجه وخيمة في ظل نصف قرن من العداء. وإذا كان الباب لم يغلق تماما بإعتبار أن القمة القادمة المنتظر أن تجتمع في باكستان قبل نهاية العام الحالي يمكن أن تتم في ظل فترة اعداد أكثر دقة وواقعية، فإن من الآن، وحتى إنعقاد القمة المأمولة، فإن برويز مشرف يواجه موقفا صعبا للغاية، إن لم يكن عصيبا. إن أخطر ما قد يواجهه مشرف يتمثل فيما يلي: أولا: ضغوط المعارضة التي كانت ترفض ليس فقط مبادرته بالذهاب إلى الهند، ولكن تشكك - قبل ذلك وبعده - في شرعية اعتلائه سدة الرياسة، حتى أن البعض تطوع بوصف تلك الخطوة بأنها (إنقلاب ثان). ثانيا: إن صقور المؤسسة العسكرية ربما وجدوا فيما حدث مبررا إما لاقالته، أو الحد من حريته في إتخاذ القرار خلال المرحلة المقبلة. ثالثا: إن مجمل مواقف دولية وإقليمية سوف تمثل موقفا خارجيا ضاغطا على القيادة الباكستانية سواء كان ذلك من الولايات المتحدة، أو الصين، خاصة بعد استبعاد منظمة شنغاي لكل من الهند وباكستان عند تأسيسها قبل نحو شهرين، وهي منظمة معنية بالأمن وتعكس التقارب الصيني ـ الروسي، وعلى حساب أطراف إقليمية أخرى في مقدمتها باكستان. رابعا: تغير المواقف التقليدية من أطراف عربية وإسلامية بعد التداعيات الأخيرة في العالمين العربي والإسلامي، وتفاقم الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومجمل السياسات الأمريكية المواجهة للتعاطي مع المشكلة العراقية. غياب المرجعية الدولية إذا كان مقدرا لمشرف الاستمرار في موقعه حتى موعد تنفيذ دعوة رئيس الوزراء الهندي فاجبايي لزيارة إسلام اباد، مع إصرار مشرف على أن بلاده لن تغلق الباب أمام الدبلوماسية، فإنه ونظامه سوف يعانيان من مضاعفات ما حدث في الهند، وهو الأمر الذي وصفه وزير الاعلام الباكستاني بأنه ورطة جديدة، يضاعف من خطورتها ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بعدم قابلية قرار مجلس الأمن الخاص بإجراء استفتاء في كشمير للتطبيق خلال زيارته لباكستان في مارس الماضي، وتأكيده على أن القرار رغم أهميته (إلا أنه ليس ملزما في حد ذاته)، الأمر الذي يعني أن المرجعية الدولية لم تعد في صف مشرف وباكستان، ورغم أن الهند لم تبادر إلى إنتهاز الفرصة وإعلان شطب قضية كشمير، إلا أنه لا يمكن التكهن بالتوقيت الذي ترى نيودلهي أنه مناسب للعب ورقة أنان، وربما كانت حساباتها مرتبطة بما قبل زيارة فاجبايي أو أثناء وجوده في باكستان لتفجير تلك القنبلة. في ظل إنطباق ضلعي الزاوية على نظام مشرف، فإنه قد يجد نفسه مضطرا لاسترضاء الداخل الباكستاني، أيا كانت العواقب الأقليمية والدولية، عبر التراجع عن عدد من القرارات الرمزية التي إتخذها خلال المرحلة القريبة الماضية، وعلى سبيل المثال فقد يعيد التدريب العسكري في المدارس الدينية، بعد أن كان قد الغاه، وقد يسحب مواقفه على مرور خط أنابيب الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند، أو على الأقل يلوح بتفكيره في الإقدام على تلك الخطوة، فربما تتحرك واشنطن للضغط على الهند، وربما تمارس إيران كصاحبة مصلحة أصيلة ضغوطا على نيودلهي في الإطار ذاته، وقد يتراجع عن طرح ما أسماه بالخيار الثالث القائم على فكرة استقلال كشمير عن بلاده وعن الهند، لحساب دعم المقاومة الكشميرية والتصعيد على خطوط التماس و.. و.. و.. إن مثل هذه التحركات قد تفلح في تهدئه الداخل الباكتساني، بشرط ألا تبدو مبادرات للإستهلاك المحلي فحسب، وإلا فإن مستقبل مشرف سوف يصبح وراءه للأبد. لقد تصور البعض، وقد يكون مشرف ضمن هذا البعض أن امتلاك الرادع النووي سوف يكون حافزا لحل الخلافات الملتهبة بين الهند وباكستان لأكثر من نصف قرن، عبر دعم موقف المفاوض السياسي، إلا أن جانبا من تلك الحسابات ربما يكون قد أغفل أن حدود استخدام الرادع النووي لن يتجاوز حدود الدفاع، والرد على استخدامها من الطرف الآخر، من خلال (استراتيجية ردعية) معنية فقط بالتلويح بالإستخدام، وليس الإقدام بالفعل على اشعال حريق نووي في المنطقة يتجاوز الحسابات الوطنية والإقليمية بكثير. ويظل السؤال الأكثر الحاحا: ماذا بعد (اجرا)؟ إن أطراف عديدة على الساحتين الهندية والباكستانية، فضلا عن أطراف إقليمية ودولية أخرى تملك أجزاء من إجابة السؤال، لكن فيما يتعلق بالمتشائل الباكستاني الجنرال مشرف فإن هامش الفعل والمناورة يظل ضيقا، ربما بأكثر مما كان عليه الحال في أي وقت مضى ! خاصة وأن الهروب للأمام لم يعد مجديا مع انكسار ما تصور مشرف من إمكانية لتغيير التاريخ في لحظة أمل أصبح محكوما عليها بالإفول! ماذا يفعل مشرف، وكيف تتفاعل الأحداث بإنتظار المحطة القادمة؟ كل الاحتمالات مفتوحة، وإن كانت الاحتمالات الأسوأ هي الأكثر حظا! بقلم: علاء عبد الوهاب ـ كاتب سياسي مصري