أثار الاعلان عن قمة بين الهند وباكستان آمال الكثيرين، داخل البلدين وخارجهما، بإمكانية التوصل إلى أسس مشتركة لتحقيق مصالحة طال انتظارها بين العدوين الجارين والشقيقين اللدودين، بعد أكثر من نصف قرن من الصراع الذي كانت غالبية مراحله دامية، وكلها مكلفة وباهظة الثمن بالنسبة للبلدين والشعبين. غير ان رغبة التفاؤل هذه التي سبقت القمة وصاحبتها في معظم أيامها الثلاثة، لم تكن لتخفي عمق الخلافات وحجم المشاكل العالقة بين البلدين، فضلا عن الحواجز النفسية والأبعاد العاطفية التي نمت واتسعت على مدى نصف القرن الماضي. كما ان أكثر المتابعين تفاؤلا لم يكن ليتوقع ان تزول كل هذه الخلافات والعقبات من «النظرة الأولى» في أول لقاء يجمع الخصمين (على المستوى الشخصي وليس السياسي فحسب) برويز مشرف وأتال بيهاري فاجبايي. لذلك فإن وصف القمة الأولى بينهما بأنها كانت «فاشلة» لم يكن مفاجئا بالنسبة لمن نظروا إليها نظرة أكثر موضوعية وشمولية، وان كان في هذا الوصف أيضا بعض من المبالغة لا يقل عما أثاره البعض من تفاؤل زائد قبل انتهائها. القمة ـ بلا شك ـ لم تكن ناجحة بمقاييس من لا يرى الأمور إلا من خلال اللونين: الأبيض والأسود.. ولا شيء غيرهما. وهي في كل الأحوال لم تحقق النجاح الكامل حتى في حدود الحد الأدنى من التوقعات المعتدلة. ولكن القمة بالتأكيد لم تفشل فشلا كليا، وما كان يمكن لها أن تصل إلى هذا الحد من الفشل الكامل.. لان معنى ذلك لو حصل هو اعلان حرب شاملة وجديدة، لا البلدان ولا الزعيمان المجتمعان كانا على استعداد لها ولتحمل أعبائها الثقيلة. وهذا ما يؤكده اتفاق البلدين على استمرار الحوار، وعلى عقد قمة ثانية خلال سبتمبر المقبل (في باكستان هذه المرة)، رغم بعض التصريحات المتشنجة الصادرة من هذا الطرف أو ذاك. لقد فشلت القمة في تحقيق النجاح المأمول، ولكنها نجحت في تخطي حواجز مهمة، نفسيا وسياسيا، وفتحت صفحة جديدة في علاقات البلدين وهيأت الأرضية لوضع أسس أكثر قوة ومتانة لمصالحة تاريخية، قد لا يكون البلدان جاهزين لها في الظرف الراهن.. لكنها قابلة للنمو والتوسع في المستقبل. الملف