رغم النجاحات التي حققتها الحكومة اليمنية في معالجة كثير من المشاكل الاقتصادية عبر برنامج للاصلاحات بدأت في تنفيذه منذ ست سنوات باشراف البنك الدولي خاصة ما يتعلق بشطب جزء كبير من ديونها الخارجية بنحو 60%، وتثبيت سعر صرف الريال في مقابل الدولار وخفض العجز في الموازنة وارتفاع معدل النمو الا ان تحديات كبيرة لاتزال تواجه بناء اقتصاد قوي وايجاد موارد حقيقية تسند الخزينة العامة وتعمل على ايجاد وضع اقتصادي غير مهتز. فالفساد وغياب الشفافية وعزوف رؤوس الاموال عن الدخول إلى سوق الاستثمار وانقطاع تحويلات اكثر من مليون مغترب في دول الجوار تجعل حكومة عبدالقادر باجمال امام تحديات عظيمة اذ اعلن انه سيركز جهوده على محاولة جذب الاموال غير المحلية وهاجم بشدة الرأسمال في الداخل وقال انه لا يركن عليه في عملية التنمية. ومؤخرا اعلنت الحكومة اعتزامها انشاء سوق للاوراق المالية الا ان اراء المتخصصين في سوق الاوراق المالية والاقتصاد عموما بدت متناقضة ازاء هذه الخطوة اذ يرى البعض انها ستساهم في تعزيز عملية الاصلاح المالي والاداري وتحجم من قدرة الفساد وتصحح العلاقات المالية والمصرفية في البلاد، يقول الاخرون ان هذه الخطوة قد تكون رافدا جديداً من روافد الفساد الذي يعصف بالمؤسسات العامة، ويستند المتفائلون في طرحهم إلى ان هناك نوايا جادة من قبل الحكومة لوضع معالجة صحيحة للمشكلات الاقتصادية والمصرفية، فإعلان رئيس الوزراء اعتزام حكومته استقدام قضاة للعمل في القضاء التجاري الذي يشكو الكثيرون من عجزه وعدم قدرته على توفير اجواء قانونية ضامنة لحقوق المصارف والمستثمرين خطوة متقدمة في الاتجاه الصحيح، غير انهم يتفقون ومعارضو انشاء سوق الاوراق المالية على ان خطوات ضرورية وهامة ينبغي على الحكومة القيام بها تتركز نحو ايجاد آلية لمعالجة الاختلالات المالية في الموازنة والتي تعتمد على الاستدانة الداخلية تحديدا والتي تشكل اليوم عبئا شديدا يتحملها الاقتصاد على حساب الالتزامات الحيوية والقضايا التنموية الاخرى، على ان البدء الفوري بتطبيق آلية الحد من الفساد التي التزمت بها الحكومة عند تعيينها تحتل اولوية في الاتجاه نحو الشروع في تطبيق اجراءات وقرارات اقتصادية اخرى. ويقول الدكتور ناصر محمد ناصر ان اي اصلاح جدي ينبغي ان يترافق واصلاح سياسي يستهدف ضبط مؤسسات الجباية واصلاح دولاب الحكومة. ويرى انه في ظل وضع صناعي لا تزيد مساهمته في الناتج القومي عند 10.1% ولا يستوعب سوى 29 الف عامل اي ما نسبته 5% من اجمالي قوى العمل ونشاط اقتصادي لحوالي 60% من السكان يعتمد على الزراعة في بلد يعاني من فقر وشح في المياه تعد الادنى في منطقة الشرق الاوسط، وبطالة مرتفعة لاتزال في مقدمة النسب العالية في العالم 42% وعدم قدرة الدولة على ايجاد مناخ جاذب للاستثمارات الخارجية يتوقع ان يشهد الاقتصاد الوطني اضطرابات في مختلف قطاعات الاقتصاد بما فيها سوق الاوراق المالية التي تقول الحكومة ان انشاءها سيكون العام المقبل. ويجزم د. ناصر ان الحكومة التي استطاعت تحقيق بعض النجاحات فيما يخص خفض العجز وتحقيق استقرار في سعر الصرف انها فشلت في الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأ تنفيذها عام 1995 اذ اعتمدت في جوانب كثيرة منها على اصلاحات سعرية ولا غير. وخلافا لتلك الصورة يقول الدكتور محمد المتيمي ان امام الحكومة فرصة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وتطوير النظام المصرفي وانجاح فكرة قيام سوق للاوراق المالية اذا ما اقدمت على مجموعة من الاجراءات يأتي في طليعتها خلق وتكوين مدخرات لدى المؤسسات والافراد وانشاء مؤسسة مصرفية قوية قادرة على القيام بدور الوساطة المالية بكفاءة وجاذبية ويسر. ويؤكد المتيمي الذي يعمل استاذا للاقتصاد بجامعة صنعاء على ان وجود سوق للاوراق المالية اصبح امرا مهما لسد الحاجات التمويلية التي تتطلبها القطاعات الاقتصادية في ظل توجه اقتصادي يعطي للقطاع الخاص دورا رئيسيا في العملية الاقتصادية وخطط التنمية المستقبلية، لان قدرة المؤسسات المصرفية على جذب الادخارات لاتزال دون المستوى، كما ان قدرتها على الانشطة الانتاجية لاتزال ضعيفة للغاية بسبب ارتفاع اسعار الفائدة على الاقراض وقلة وصعوبة تحديد المشروعات ذات الجدوى العالمية إلى جانب غياب الاطار التشريعي والقانوني الذي يضمن استرداد الاموال المقترضة. ويشارك في هذه المطالب مدير المراجعة في البنك المركزي عارف موسى الذي يشير إلى ان هناك مشاكل تعترض قيام سوق للاوراق المالية في مقدمتها غياب الوعي الادخاري لدى معظم المواطنين وقلة حجم الاستثمارات والتوسع الضريبي القائم وغياب شركات الوساطة المالية وتدني رؤوس الاموال للبنوك التجارية الموجودة حاليا لان معظمها بنوك عائلية مغلقة تعتمد في نشاطها على الاساليب التقليدية على ان غياب مبدأ الشفافية يجعل ثقة المتعاملين مع هذه القطاعات معدومة أو متدنية في احيان كثيرة. على ان الخبير الاقتصادي احمد الدهي يؤكد ان استمرار الفساد وانتشاره بصورة كبيرة يشكل خطرا مباشرا على مصير ومستقبل السوق المالية وعاملاً معيقاً لحوافز ومناخات الادخار والاستثمار، اذ ان تفشي التهرب الجمركي والضريبي وضعف كفاءة الادارة أمور جميعها قد تحول هذه الخطوة إلى ساحة للتلاعب والمغامرة. ويشير الدهي الذي تولى مناصب عديدة في ادارة ميناء عدن إلى انه اذا لم يتم ضرب واضعاف الفساد وتجفيف منابعه وكبح جماحه فان سوق الاوراق المقترحة ستتحول إلى مصدر جديد للفساد وتحولها إلى ساحة للمقامرة والمغامرة ومركز للتلاعب وغسيل الاموال. وللتأكيد على صدق ما ذهب اليه يقول الدهي ان الارقام الرسمية توضح ان حجم التهرب الجمركي يصل إلى 20% من حجم التجارة كما ان التهرب الضريبي يصل إلى 70% من اجمالي الحصيلة وديون القطاع المصرفي تصل إلى 38 مليار ريال مضافا إلى ذلك ان الحكومة تنتهج سياسة السرية وعدم الشفافية في التعامل مع خصخصة مؤسسات القطاع العام خلافا للقانون الذي ينظم هذه المسألة. وفي الجانب التشريعي والقانوني يقول المحامي سلطان الجرادي ان اليمن بحاجة إلى اصدار قانون خاص ينظم عمل سوق الاوراق المالية بحيث يتجنب العاملون والبلاد في هذا السوق سيل التشريعات القائمة والتي يعالج كل واحد منها جانبا من واحد من العملية ويشدد على ضرورة ان يتضمن القانون المقترح عقوبات قاسية من اجل حماية المتعاملين في السوق ويجمع في هذه العقوبات بين الغرامة والحبس. ويقترح الجرادي ان يحدد القانون خضوع الخلافات الناتجة عن العمل في سوق الاوراق المالية لمبدأ التحكيم لا اللجوء إلى المحاكم لان هذا الاختيار وفق تقديره هو الافضل لانه يوفر للاطراف المتنازعة الوقت والسرعة والسرية ويجنبهم التطويل في المحاكم، وينبه إلى ضرورة التأكيد من تنظيم عملية قيد وتداول الاوراق الاجنبية ووضع كل الضمانات لعدم حدوث انهيار مشابه لما حصل في سوق الاوراق المالية في عدد من دول جنوب شرق آسيا. صنعاء ـ «البيان»: