الانتخابات المحلية التي جرت في الجمهورية اليمنية قبل أشهر أعطت دروسا عديدة سواء المعارضة أو للنخبة الحاكمة. وليس واضحا ان المعارضة قد استفادت من دروس الانتخابات المحلية، أو من الاستفتاء على التعديلات الدستورية التراجعية. فالمعارضة الى اليوم لم تقف مجتمعة وقفة تقييمية لما جرى وحتى تعمق الايجابيات وتتجنب السلبيات وعلى ضوئها تبنى استراتيجيتها للانتخابات القادمة خلال سنة وستة اشهر من الآن. بل ان بعض احزاب المعارضة لم يتمكن حتى من تقييم التجربة منفردا. ولهذا لا يمكن القول ان ما يحرزه الحزب الحاكم من تفوق يعود فقط الى هيمنة النخبة الحاكمة على مؤسسات الدولة وامكانياتها واستخدامها لصالح حزبها. وانما يعود ايضا الى هزال المعارضة وسلبيتها وترددها وحمول قياداتها وشدة الاحباط داخل كوادرها مما يصدق معه قول الأرنب للثعلب والله ما غلبتني بقوتك ولكنك غلبتني بضعفي، أحزاب مجلس التنسيق الموقر «تذهب وتجي»، وتلتقي ولا تلتقي ولكنها في كل الأحوال تراوح في مكانها تلعن الظلام وتنتظر رحمة الله. وموقف التجمع اليمني للاصلاح المتردد من التلاحم مع احزاب المعارضة لا مبرر له سوى حيرة الاصلاح بين ذكريات الماضي المجيدة في خيمة السلطة، وبين النضال الشاق في مربع الشعب. يبدو التجمع احيانا كالضرة التي قد كرهت الحياة الزوجية ولكن كرامتها تمنعها من ان تنهزم امام ضرة اخرى محتملة.. ويبدو الاصلاح احيانا كطفل طرده ابوه من المنزل فوقف عند بابه فلا هو جره على مغادرة الحي والبحث عن مستقبل يصنعه وحده ولا أهله سمحوا له بالدخول بل انهم يركلونه عند الدخول والخروج وفي كل مرة ينزعون قطعة من ثيابه وقد لا يترك الحي حتى يكون قد فقد آخر قطعة من ثيابه وحينها سوف تستقبله المعارضة بالمثل اليمني: عاري سقط فوق مخلوس. وأخشى ان تكون هناك قيادات لها مصالح ذاتية هي التي تعمق هذا التردد القاتل. النخبة الحاكمة وحدها هي التي قرأت بعناية دروس الانتخابات الرئاسية والمحلية. ودروس الاستفتاء على التعديلات الدستورية التراجعية. وبنت على ضوء قراءتها استراتيجيتها وهي سائرة على قدم وساق في طريق تنفيذها ابتداء بالتعديلات الدستورية التراجعية والتعديل الجاري لقانون الانتخابات. وحتى تحويل مساويك اعضاء المؤتمر الشعبي من فرش لتنظيف الاسنان الى مطارق لتكسير اسنان اذا لزم الامر. استراتيجية النخبة الحاكمة ترتكز في جزء منها على تنمية مخالب اعضاء المؤتمر الشعبي، فقد تداول الناس احاديث دارت في اجتماعات اللجنة الدائمة عن تحفيز اعضاء المؤتمر على مواجهة العنف بالعنف وذلك بعد ان شكى بعض الاعضاء من استخدام جماعات التجمع اليمني للاصلاح العنف في الانتخابات الماضية. اما الجزء الثاني في استراتيجية النخبة الحاكمة فهو الاستعداد المبكر للانتخابات القادمة المحلية والبرلمانية والرئاسية. حيث يقوم المؤتمر بجمع المعلومات الدقيقة عن كل دائرة وبإلزام اعضاء المؤتمر بالاحتكاك بالناس في الدوائر ومتابعة همومهم وتطوير مناطقهم وإقامة الجمعيات التنموية والخيرية في الدوائر. وأبلغ اعضاء المؤتمر في كل دائرة ان المؤتمر لن يرشح في الانتخابات القادمة البرلمانية والمحلية الا من كسب الناس وكان محل قبولهم. وهذا الجانب من استعداد المؤتمر لا غبار عليه بل هو الاتجاه الصحيح اذا ما ارتكز على المنافسة الشريفة والوسائل المشروعة التي كفلها الدستور. بل ان هذا الاتجاه في تفعيل احتكاك الحزب بالجماهير والعمل على تحقيق مصالح المواطنين ورفع الظلم عنهم هو علامة تبعث على التفاؤل. فقد تجد النخبة الحاكمة ان المنافسة الشريفة والمشروعة قد تحقق لها من النجاح ما لا تحققه الاساليب غير المشروعة. لكن الجزء الثالث من استراتيجية النخبة الحاكمة لا يترك للتفاؤل مجالاً، بل انه يؤكد ان اعتماد النخبة على امكانيات الدولة وسلطاتها لا يزال هو الاساس. ودليلنا في ذلك هو التعديلات التي ادخلت على قانون الانتخابات والتي قد يكون من شأنها ان تحول العملية الانتخابية والديمقراطية الى مهزلة لم يعد فيها ما يحمس القوى السياسية على المشاركة، والخطورة ان يصل المجتمع اليمني وقواه السياسية الى قناعة ألا مناص لهم من العودة الى مرحلة التآمر، والعمل السري، وتفجير بؤر الصراع.. وهذا سوف يجر الى مزيد من غياب الأمن وانهيار الاستقرار، وهروب رأس المال، وانعدام التنمية وفي وقت لم يعد بمقدور الكيان اليمني المنهك ان يتحمل المزيد من سوء الاوضاع. لم اطلع بعد على مشروع القانون لكني سمعت عنه الكثير من فقراته من زملاء وصل اليهم المشروع بحكم تواجدهم في مجلس الشورى.. أما القضية التي تتصدر اهتمام السلطة والمعارضة فهي تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، فواحدة من الدروس التي استفادتها النخبة ان اللجنة العليا يجب ألا تكون قسمة بين الأحزاب وان يوكل أمر تشكيلها من عناصر يختارهم رئيس الجمهورية ويكونون مسئولين امامه واعتراض المعارضة قائم على ان تواجد الأحزاب داخل اللجنة يشكل ضمانة لحيادها لأن كل حزب سوف يراقب الحزب الآخر وتفويض رئيس الجمهورية لا يشكل ضمانة لأنه رئيس احد الاحزاب المتنافسة.. وفي تصوري ان بالإمكان التغلب على نقطة الخلاف وذلك عن طريق الاتفاق على أعضاء اللجنة من قبل كل القوى السياسية. ولكن ما هو اهم من موضوع اللجنة العليا للانتخابات واللجان التابعة لها هو الاتفاق على آليات ضمان حيادية مؤسسات الدولة وامكانياتها وعدم تجييرها لخدمة طرف واحد.. وبدون ان تتحقق هذه الحيادية لمؤسسات الدولة ستظل الانتخابات غير نزيهة وغير حرة، وغير متكافئة وستظل ديمقراطية بني مطر في سوقها على افتراض بقاء ما نسميه ـ تفاؤلاً ـ هامشاً ديمقراطياً. بقلم :د. محمد عبدالملك المتوكل