لم تمض ايام قليلة على اللقاء الذي جمع بوش وبوتين حتى تكشفت حقيقة ما جرى فيها، حيث ذهب عدد كبير من المراقبين إلى أن الوصال الأمريكي الروسي الأخير اقنع الطرفين بانهما ابعد مما كانا يعتقدان عن بعضهما البعض، وان العجز يبدو جليا لمحاولات المقاربة والتسديد، خصوصا التي تتبعها واشنطن لاغواء الفاتنة الروسية الشرسة. ويذهب هؤلاء إلى القول بان هذا اللقاء كان عنوان مرحلة أخرى من العلاقات المتوترة بين روسيا العائدة أو التي تريد أن تعود وبين واشنطن التي لا تريد أن تتخلى عن كونها قطبا اوحد وواحدا. وذهبت كاميرات التلفزة العالمية بالابتسامات والمصافحات، وربما علق بعض مندوبي محطات التلفزة أن العالم ما زال بخير طالما هذان الرجلان يبتسمان، على أن حكماء العالم قرروا الانتظار قبل الحكم على ما يجري. فما الذي بدأ يتداعى لاحقا ؟ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بان إدارة بوش ستطلب من الكونجرس 18.4 مليار دولار زيادة إضافية على مخصصات الدفاع وبذلك تزيد ميزانية العام المقبل عن الحالي بـ33 مليار دولار. وفي الجهة الأخرى أعلن بوتين أن بلاده ستعمد إلى إنتاج المزيد من النظام الصاروخي متعدد الرؤوس للرد على الدرع الصاروخية الأمريكية، وحتى لا تفرح واشنطن بان موسكو أفقر من تنفيذ هذا الإعلان الحق بوتين بتصريحه ما يلي: أن ذلك «أي إنتاج مزيد من النظام الصاروخي» وان التكلفة ستكون قليلة وهي ضمن القدرة الروسية. فهل بدأ العالم يميل إلى عودة القطب الآخر والإعلان ولكن في البداية بصورة خفية عن سباق جديد للتسلح؟ وفي المقابل أظهرت موسكو تطورا ملحوظا في مجلس الأمن في الملف العراقي ورغم موافقة المندوب الروسي على الاقتراح القاضي بإعطاء المجلس مهلة شهر لدراسة المشروع البريطاني الأمريكي حول «العقوبات الذكية» إلا أن بلاده في المقابل دفعت الأمور إلى منحى مختلف عندما تقدمت بمشروع في الاتجاه المعاكس عن المشروع البريطاني وبغض النظر عما يطرحه بعض المحللين في أن انتظار موسكو لرفض المشروع جاء لقراءة موسكو المزيد في ملف الموقف الأمريكي من تطوير الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ إلا أن النتيجة النهائية جاءت أيضا بان وعدت العراق روسيا بمكافأة مجزية جراء تهديد الأخيرة بورقة الفيتو.. وإذا كنا لا نريد الذهاب إلى حد التفاؤل بان عالما جديدا آخر سيأتي بعد قليل بعيدا عن القطبية الأمريكية الواحدة نكتفي بالقول أن روسيا بوتين ليست بالتأكيد هي نفسها التي ليلتسين سواء نجح بوتين أم فشل. وبعيد عن برودة الدب الروسي فان السياسة الأمريكية في عهد الرئيس كلينتون اثرت على مجمل مسار السياسة الخارجية للادارة الحالية، وفي حين اتسمت ادارة كلينتون بالتحرش بكل ما هو خارجي سواء المتعلقة منها بالصراعات الإقليمية أو الصراعات المحلية للدول التي من الممكن أن تؤثر على المصالح الأمريكية، وهذا ينسحب على منطقة الشرق الأوسط كما تمثل كوسوفو نموذجا له بالإضافة إلى بعض المحاور الافريقية، إلا أن بوش يبدو انه اكثر جبنا من صاحبه فوضع سياسة خارجية ذات توجهات جديدة تحاول إقامة علاقات تحافظ على المصالح الأمريكية، مع اقل تدخل مباشر ممكن ودون دفع أي ثمن لذلك، على أساس أن مثل هذه التدخلات في إدارة كلينتون تظهر أن هذه الإدارة هي التي فشلت ودفعت إلى رسم الولايات الأمريكية بأنها خسرت جولة من جولاتها، وقد لوحظ ذلك في الأشهر الأخيرة هذا التوجه بوضوح، وهذا ما يدل عليه إدارة ظهر بوش للصراع العربي الصهيوني في بداية حكمه. ولكن وعلى النقيض من هذا القول بدأت هذه الإدارة من جهة أخرى بجس نبض بعض مراكز القوى ومنها الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا الاتحادية. وهذا الأمر لا يعني انه ناتج عن جهل بوش بالسياسة الخارجية للعالم، وهو كذلك، فمن المعروف أن الطاقم الذي يحيط به لا يقل كفاءة وقدرة عن الإدارة السابقة. صورة منسوخة بعد فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتول اسحاق رابين في سياسته المعروفة بكسر عظام المنتفضين التي اتبعها أثناء الانتفاضة الأولى، تداعت الولايات المتحدة الأمريكية بكل امكانياتها السياسية لنجدته فعقد أول مؤتمر لمواجهة «الإرهاب» في شرم الشيخ أطلق عليه اسم «مكافحة الارهاب». إلا أن واقية الرصاص في شرم الشيخ لم تستطع إقناع العالم بعدم دفن رابين قبل أن تفوح رائحة جثته التي أطلق عليها يهودي مثله رصاصات سمته قتيلا. كانت حصة جسد رابين من هذه الرصاصات واحدة في رأسه واخرى في عنقه وثالثة الاثافي في الصدر.. مات رابين. ماذا بعد. أيضا بيريز ونتانياهو لم تنقذهما إطارات أوسلو للنجاة من الغرق في رمال جنوب لبنان المتحركة، أما الآخر اعني باراك فلم ينفعه قصر قامته من أن يرتطم رأسه بجذع شجرة الانتفاضة المباركة، فلا كامب ديفيد الثانية تفاؤلا ولا واشنطن أو شرم الشيخ.. فماذا فعل.. حينها أعلن المجاهد الكبير حسن نصر الله نبأ تحرير الجنوب اللبناني.. وبعد فترة وجيزة استنجد باراك بالدميم شارون ليقتحم مدججا بأسلحة عوزي ساحات المسجد الأقصى فاشتعلت المنطقة انتفاضة. هذه الدروس المتلاحقة لم يستطع العم سام فهمها جيدا، وبدا ان إطارات النجاة الأمريكية مثقوبة ولا تحتمل أن يتكيء عليها صاحب الوزن الثقيل شارون وها هو يغرق. فحاول الأمريكان مرة أخرى أن يستروا عورته بورقة تينيت. الدميم «شارون» انطلق من حيث صنوه باراك ، لمتابعة مسلسل الارهاب، تحت غطاء كامل وصمت تام، من قبل العالم الغربي المتصهين، وصراخ من قبل العالم العربي. وافتتح في كل مستوطنة إسرائيلية احتفال لان الدميم سينقذهم ويقضي على الانتفاضة قضاء مبرما، لكن «شارون» بدا عاجزا، وكانت العمليات الاستشهادية في العمق. وشرح الشهيد حسن الحوتري تصوره للحل في «تل ابيب» ، وكان دقيقا جدا في شرحه، فصمت الإسرائيليون خاشعين لعذوبة صوت الانفجار الهائل.. في الحقيقة لم يكن هذا رأيهم قالوا «إن شارون لم يستطع انقاذنا وجلس الدميم أمام الأسر الإسرائيلية كتلميذ فاشل، فهرعت أمريكا كما العادة.. لانقاذ شارون ..أم العملية السلمية.. أم المنطقة من الانفجار هذه أسئلة اجابت عليها الرؤية الأمريكية في تينت بوضوح. ولان «ميتشيل» لا يستطيع أن يكون إلا أمريكيا فقد هندس تقريره، وجاء «تينت» بناء ما صممه رئيس لجنة تقصي الحقائق. لماذا وافقت السلطة؟ في اجابته على سؤال حول سر توقيت اتفاق تينت، وما الذي يقدمه في هذا الصدد من جديد رفض نبيل عمرو وزير الشئون البرلمانية ومستشار الرئيس عرفات للشئون الإعلامية تسمية ما قام به مدير المخابرات الأمريكية بين الفلسطينيين وإسرائيل بأنه اتفاق وإنما على حد قوله «مجرد ترتيبات ميدانية أمنية تلقى على الجانب الإسرائيلي مهمة إلغاء كافة الإجراءات العدوانية على الشعب الفلسطيني، وترتبت على الخطة بعض الالتزامات الأمنية»، واصفا موافقة الفلسطينيين على الورقة بأنها مواجهة الموقف بذكاء ومسئولية، حيث أن رفع الحصار على حد فهم الفلسطينيين للورقة يتلوه جانب سياسي هو تجميد الاستيطان بالكامل، وان كل يأتي في إطار التسوية الدائمة والكاملة على أساس قيام الدولة وعودة القدس الشريف وحل قضية اللاجئين حلا عادلا. مشددا على أن نضال الشعب الفلسطيني أكبر من حصره في محطة صغيرة، بل هو طريق طويل والانتفاضة «جزء» من هذا الطريق ومحطة على طريق التوصل لحقوقه واستعادتها، انتهى قول المسئول الفلسطيني. وفي الحقيقة فان بحثا مضنيا على الأرض يمكن لأي من السياسيين القيام به، دون أن يجد أي اختلاف افرزته الورقة فيما يتعلق بالرؤية الفلسطينية وفهمها لاندلاع الانتفاضة، وغادر مدير المخابرات الأمريكية على عجل المنطقة والانتفاضة مستمرة من جهة والإرهاب الصهيوني قائم من جهة أخرى، وكما جاء تنيت عاد، ومن اجل هذه الحالة التي يعرفها الامريكيون جيدا ظهر مصطلح متوافق معها، حتى لا يقال أن شيئا لم يحدث، وهو مصطلح «وقف إطلاق النار الهش» الذي دأبت وسائل الإعلام الغربية والعربية على حد سواء في الحديث عنه. وعمدت في المقابل إسرائيل كما هي عادتها على الموافقة على كل ما يتم طرحه من وقف العنف وضبط النفس باستثناء أن من «حقها الدفاع عن نفسها من خلال طريقة اسمتها بالفعالة وهي أسلوب اغتيال نشطاء الانتفاضة، ومع إجراء بعض عمليات التجمل على القتل والابادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين خرج مصطلح «الخروقات» من قبل الطرفين. وعلى النسق الذي تم منذ مدريد وإن بصورة مصغرة يتم تناسي الاتفاقات و «التسويات الصغيرة» الانتقال إلى تسويات ربما اصغر منها وهذا ما يوضحه عدم ذكر المبادرة المصرية الأردنية وتاليا تقرير ميتشيل الذي يحكى عنه حتى الآن ولكن بحياء، لتأتي ورقة التوت التي أراد بها مدير المخابرات الأمريكية تغطية عورات الموقف الأمريكي أو ربما لكشفها اكثر مما هي عليه، أما العرب اعني المسئولين منهم فيستبعدون فكرة أن تكون السياسة الأمريكية الراهنة موجهة في الأساس إلى إنقاذ شارون وليس الوضع في المنطقة، حيث لا يوجد أي مؤشر لاهتمام الإدارة الأمريكية بالاوضاع المتأزمة في المنطقة من حيث المعاناة الفلسطينية، التي يذهب ضحيتها العديد من الشهداء «الذين لا يريدون الموت.. وهم أبرياء بمعنى انهم يموتون وهم مارة في شارع أو يقصفون في بيوتهم أو يقتلون وهم يمنعون الجرافات الإسرائيلية من التعرض للممتلكاتهم، وليسوا في المقابل مقاتلين» وفي المقابل ايضا، فان عملية استشهادية واحدة بحجم عملية تل أبيب قادرة على تشغيل عدد من كبير من الطائرات الدبلوماسية الشمالية التي تقل ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إضافة إلى كوفي عنان دائما لتطبطب على «جراح الثكالى اليهوديات». ومن هنا يمكن فهم اقتصار وثيقة ميتشيل على الجانب الأمني دون السياسي الذي تم ترحيله إلى مفاوضات لاحقة كما العادة حيث لم يتم تحميل إسرائيل أي شيء من شأنه تخفيف الضغط على الفلسطينيين ويدل على ذلك أن الجانب الأمني نفسه عالج الاتفاق حسب الرؤية الإسرائيلية وليست الرؤية الأمنية للطرفين معا. فعندما تغتال أجهزة الاحتلال الإسرائيلي نشطاء الانتفاضة فان الامريكيين والاوروبيين لن يفعلوا شيئا عمليا أو حقيقيا تجاه ذلك بل أن وثيقة ميتشيل بررت مسبقا اطلاق يد حكومة شارون في ملاحقة ومطاردة المقاومين الفلسطينيين، وذلك «للتصدي للإرهاب الفلسطيني»، وكان القيد الوحيد الذي وضع على قوات الاحتلال هو: عدم قصف منشآت فلسطينية أو مقرات ومراكز السلطة الفلسطينية، وعدم استخدام وسائل مميتة في التصدي للمظاهرات والمسيرات الفلسطينية، ولا ندري أن سمحت للإسرائيليين باستخدام وسائل لتحويل الشعب الفلسطيني إلى شعب من المعاقين والجرحى. إن النقطة الأبرز في زيارة «تينيت» إلى المنطقة أن الانتفاضة والعمليات الاستشهادية ألحقت أذى كبيراً بكيان الاحتلال، وعلى الأخص على صعيد الأمن الشخصي والجمعي لليهود، ولم تنجح أكثر الحكومات الصهيونية ارهابا وعنفاً تجاه الفلسطينيين في تكريس رجاحة ميزان القوة العسكرية الصهيونية على واقع الأرض، ووقفت عاجزة عن التصدي لرغبات الفلسطينيين الطامحين إلى الموت، ولم تمنعهم طائرات الـ «إف 16» ولا ترسانة الأسلحة النووية عن الوصول لأهدافهم، وجعل فاتورة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عالية جداً وفوق قدرة الاحتمال للمجتمع الصهيوني الهش. معادلة الرعب وهذا لا يعني أن الفلسطينيين قادمون من السماء فلا تسري عليهم نواميس الطبيعة وانهم لايخافون ولا يتبول اطفالهم جزعا من الآلة العسكرية الصهيونية، ولا تبكي زوجات شهدائهم لفقد الاحبة، ولكن ما فعلته الانتفاضة واستطاع الشعب الفلسطيني تحقيقه جعل الرعب متساويا أو متعادلا. ودفعت المقاومة الفلسطينية إلى إيجاد معادلة «رعب» جديدة في الصراع، تعمل على انهيار قدرة الإسرائيليين على الصمود، واقناعهم بأنهم يتحملون الخسائر البشرية المتصاعدة كما يتحمل الفلسطينيون، وتدفعهم إلى التفكير في إخلاء المستوطنات ومطالبة حكوماتهم بالرحيل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب تأكدهم من انهم ليسوا في أمان على هذه الأرض. في حين كانت الإدارة الأمريكية في السابق قد تبنت تقرير ميتشيل الذي عمل بعد الموافقة المتحفظة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي عليه على ما رآه الامريكيون توازنا معقولا للقضية أي وقف «العنف الفلسطيني» في مقابل تجميد وليس إزالة أو حتى إلغاء الاستيطان، بالإضافة إلى الدعوة إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28 سبتمبر العام الماضي. واثناء بحثها أو مماطلتها في البحث عن حل سياسي لما يجري على الأرض الفلسطينية قال عدد من الإستشهاديين كلمتهم فيما يجري واستطاعوا الحاق اذى كبيرا وحقيقيا وموجعا بالمحتل وزادت معادلة الرعب من سطوتها على صانعي القرار الدولي اثر صياح الإسرائيليين اضف إلى ذلك انسجام اللغة الاستشهادية مع النبرة العالية لصوت مدافع الهاون التي أوقعت أكثر من « 120» جريحاً في صفوف المستوطنين وقوات الاحتلال- حسب اعتراف ناطق باسم جيش الاحتلال... وفجأة تسارعت التحركات الدولية على جميع المستويات للضغط على السلطة الفلسطينية للقيام بدور أمني حارس لدولة المحتل المطلب الذي تريده دوما إسرائيل من الضحية وهذا ما تؤكده تجاربها في الجنوب اللبناني. أما قيادات السلطة الفلسطينية فقد رفعت يدها بالموافقة على هذه المقترحات، على أساس أنها مجرد بوابة لتطبيق توصيات لجنة ميتشيل، وعلى اعتبار أن الاتفاق الأمني جزء «من الرزمة» أما ما هي هذه الرزمة فان الفلسطينيين وحدهم الذين يتكلمون عنها فالإدارة الأمريكية وحكومة شارون لم يربطا بين الأمرين ولكن ما دامت السلطة الوطنية الفلسطينية قد وافقت على المقترح الأمريكي الإسرائيلي فلا بأس حاليا من «قول» أي شيء. غني عن القول أن موافقة السلطة الفلسطينية بتنفيذ اعتقالات في صفوف المقاومين الفلسطينيين في حال تنفيذهم عمليات ضد الاحتلال، والعمل على جمع أسلحتهم، يطرح علامات استفهام كبيرة حول إعلان السلطة بأنها لن تكون شرطة للاحتلال، ولن تنفذ اعتقالات في صفوف المقاومة، الأمر الذي يشير إلى تراجع ملموس في موقف السلطة الفلسطينية التي رفعت طوال الفترة الماضية يدها عن المقاومة الفلسطينية وأطلقت لها العنان، بما في ذلك تنظيم «فتح» الذي يخضع مباشرة لرئيس السلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن التحفظات التي أوردتها السلطة الفلسطينية على الوثيقة برفض تنفيذ اعتقالات فورية بحق المقاومين تأسيسا على أن وثيقة تينيت ترتب التزامات على الطرفين بعد وقف إطلاق النار وليس قبله، وأن السلطة الفلسطينية تلتزم فقط بحفظ الأمن في الأماكن الواقعة تحت سيطرتها الأمنية «مناطق أ» دون غيرها، فإنه لم يحدث انزياحات مهمة على بنود الوثيقة يأخذ بهذه التحفظات بعين الاعتبار، فضلاً عن أن المقاومين سيبقون مقاومين، وبالتالي فإنهم سيكونون مستهدفين بالاعتقال مستقبلاً تحت حجة الإخلال بتعهدات السلطة الفلسطينية وتعريض «الأمن الوطني الفلسطيني» و«المصالح الوطنية العليا» للخطر.. وهي نفس المبررات التي سيقت لاعتقال المقاومين قبل انتفاضة الأقصى. حركة فتح التي تبدو أنها فتحين من حيث التوجه والتحرك في ساحة الانتفاضة رفضت هذا الاتفاق الأمني بالإضافة إلى مواجهته بمعارضة شديدة من قبل الفصائل الفلسطينية الأخرى الفاعلة في الانتفاضة. هذه المعارضة التي لم تلغ حرص الجميع على الوحدة الوطنية والاتفاق حتى في ظل الاختلاف الجذري في النهج والتطلعات. وصدر لاحقا «بيانان» الأول للسلطة الوطنية الفلسطينية ممثل بالرئاسة يقول إن التفاهمات التي توصل إليها مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية- في المجال الأمني خطوة مهمة وأولية لتنفيذ تقرير لجنة ميتشيل وتفاهمات قمة شرم الشيخ أما الثاني لكتائب الأقصى التابعة حسب ما هو مشهور عنها لحركة فتح وفيه تتبنى هذه الكتائب عدداً من العمليات التي تم تنفيذها بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار. هذا التناقض الذي دفع المراقبين للقول بان ذلك مؤشر على افتراق بين القيادات السياسية والقيادات الميدانية. كل ذلك لم يجعل شارون خجلا من الاستمرار قمعه للانتفاضة، وعاد في الحقيقة إلى نهج سابقه في تنفيذ عمليات تصفية تحت زعم الدفاع عن النفس ومن قبل الإعلام الغربي فانه وقف للنار ولكنه هش.. هذا كل شيء. وحسب مصادر إعلامية وسياسية فان الإدارة الأمريكية وافقت في الحقيقة على خطة التصعيد الشارونية ضد الشعب الفلسطيني، بالاستناد إلى فشل الاتفاق الأمني. ميتشيل وتينت وكول قدموا إلى المنطقة تأسيسا على المطالبة بتفعيل الدور الأمريكي وها قد حصل هذا التفعيل إلا أن المطالبين به نسوا على ما يبدو تذكير الولايات المتحدة أن تفعل دورها بصورة عادلة. مسلسل فاشل ويتساءل المراقبون في هذا الصدد عن هل أن ما تجري حلقاته بصورة متتابعة حاليا هو تحول جذري في مسار الأحداث منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، أم أن كل ما تلا المبادرة الأردنية المصرية مجرد حلقات من مسلسل فاشل. واذا ما تناولنا ما تود العقيدة الأمريكية تأكيده عن نفسها من أنها أم الديمقراطيات في العالم وراعية السلام الكوني، فإنه في هذا المجال يمكن ملاحظة انه في اليوم الذي قامت فيه مروحيات جيش الاحتلال بالإغارة على عدد من المواقع الفلسطينية في قطاع غزة وفي مدينة رام الله، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد القرار الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بتاريخ 28/3/2001، بخصوص إرسال قوة مراقبة دولية إلى المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، من أجل توفير الحماية للمواطنين الفلسطينيين، وأعلنت واشنطن أنها تتفسهم «حاجة إسرائيل» إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها، في مقابل طلبها من الفلسطينيين وقف «العنف» ومقاومة الاحتلال. ولم تمل الإدارة الأمريكية من أسماع السلطة بضرورة إعلانها بشكل حازم «وبلغة يفهمها الفلسطينيون» دون تحديد ما عنته من ذلك، عن شجبها واستنكارها للإرهاب وأن تقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف «أعمال العنف» واعتقال المنفذين وتقديمهم للمحاكمة، واستئناف التنسيق والتعاون الأمني مع جيش الاحتلال. وأظهرت زيارة شارون إلى واشنطن تطابق مواقف الطرفين الأمريكي والإسرائيلي في عدد من القضايا واهمها تحميل المسئولية الكاملة للفلسطينيين عما يجري في الأرض المحتلة، ويخشى عدد كبير من المراقبين أن ورقة امريكية تم تمريرها إلى شارون سمحت له بحق التصرف كما يراه مناسبا للرد على «العنف الفلسطيني» ولم لا تعطي الولايات الأمريكية هذا التفويض لإسرائيل ممثلة الآن بشارون وهي التي اعطتها حق التصرف بدماء الفلسطينيين طوال عقود من الزمن خمسة عن طريق اللعب بالمصطلحات والمفاهيم. ونود الإشارة في هذا الصدد إلى انه وبعد أن كان الاتفاق الاستراتيجي الذي تم توقيعه بين إسرائيل وواشنطن في من عام 1983 موجها ضد النفوذ السوفييتي في المنطقة حول هذه التعاون ليصبح موجها ضد ما اسموه الإرهاب الإسلامي الذي دخل على خط الصراع بعد بروز الصحوة الإسلامية على الساحة السياسية. ولم تكن زيارة شارون الأخيرة إلى واشنطن بعيدة عن الملف العراقي الإيراني بالإضافة إلى مناقشة ضرورة وقف تزويد روسيا لإيران بالأسلحة، ومن اجل ذلك تم التأكيد على ما تم في عام 1983 بل ورفع مستواه التنسيقي، إضافة إلى إقامة مشاريع مشتركة جديدة لتطوير أسلحة حديثة، فيما أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول التزام بلاده بالحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقه النوعي، باعتبار ذلك ركناً أساسياً في سياسة الولايات المتحدة، وكهدية ذكر الرئيس الأمريكي يهود العالم بأنه لن يتراجع عن اصراره في نقل مقر السفارة الأمريكية لدى الكيان الصهيوني، من تل أبيب إلى القدس. الرهان وبالرغم من التجارب الطويلة والسنوات المديدة التي خبر بها العرب الولايات المتحدة بجميع اداراتها السياسية فان عددا لا بأس به من السياسيين العرب ما زالوا يراهنون على حصان أمريكي وادارة أمريكية جديدة تتفهم الموقف العربي. ومن هنا يشير حاملو فكرة أن استراتيجية الولايات المتحدة الشرق أوسطية غير متبدلة وتخضع لحسابات أساسية ثابتة إلى تاريخ السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية تلك السياسة التي يقولون عنها أنها كانت مبنية في الأساس «على الحفاظ على الكيان الصهيوني قوياً من الناحية العسكرية ومستقراً من الناحية الاقتصادية هو ضمانة للمصالح الأمريكية في المنطقة»، مما دفعها إلى تبني فكرة التوازن الإقليمي بين الكيان الصهيوني والدول العربية مجتمعة. ويصف أطباء السياسية الخارجية للولايات المتحدة في العالم العربي بان واشنطن تعمل على إزالة الاعراض عن الجسم أو المنطقة المصابة دون التعرض لسبب المرض، ومن هنا تنطلق رؤيتها في حل التوتر في الأرضي المحتلة تأسيسا على الاجراءات الامنية الحافظة لسلامة الإسرائيليين «هنا والآن» دون الالتفات لهذا الشعب الغاضب من شيء ما.. ويقول هؤلاء بان الدبلوماسية الامريكية بدءا بالمقترحات والافكار التي حملها مساعد وزير الخارجية الامريكي وليم بيرنز ومرورا بخطة مدير وكالة المخابرات الامريكية جورج تينت وانتهاء بجولة وزير الخارجية الامريكية الاخيرة كولن باول ترتكز كلها على طرح لا يخرج عن كونه محاولة لوقف الانتفاضة وانهاء الاوضاع المتفجرة في المناطق المحتلة تمهيدا لاحالة الملف الفلسطيني الى طاولة المفاوضات التي لم يقل الامريكان على اي اساس ستجري وعلى اي مرجعية ستستند. إضافة إلى ذلك فان الإدارة الأمريكية العاجرة عن تطبيق المقترحات الصادرة عن مسئولين امريكيين من امثال ميتشيل وتينت والمتعلقة في مطلب يفترض ان اسرائيل التزمت به منذ مؤتمر مدريد وهو قرار تجميد بناء المستوطنات يجب أن تكون عاجزة أيضا على إقناع العرب للجلوس على طاولة المفاوضات التي «لن تكون سوى الثلاجة التي ستتحول فيها عملية تبريد الانتفاضة الى عملية تجميد طويلة الامد خاصة وان شارون وتؤيده في ذلك امريكا ليسوا بوارد حل نهائي للقضية الفلسطينية ويفضلون على ذلك حلا مرحليا طويل الامد مع الفلسطينيين». وتأسيسا على ذلك يبدو أن السؤال الذي بدأ يطرحه حتى دعاة السلام هو: هل بإمكان الادارة الأمريكية مواءمة مصالحها الحيوية الموجودة في غالبيتها عند العرب وبين استمرار الانحياز الى جانب اسرائيل والعمل على نحو سافر لحماية الاحتلال وتعطيل العملية السلمية والتهرب من تطبيق قرارات الشرعية الدولية. وحسب إجابة هؤلاء أيضا فان التعاطي مع هذا السؤال يحتاج إلى «استقراء للتطورات السياسية الاخيرة حول الملف الفلسطيني والملف العراقي والمحاولات الامريكية المستميتة لتجميد الملف الفلسطيني من خلال ما يسمى بتبريد العنف في الاراضي الفلسطينية المحتلة في مقابل تحريك الملف العراقي ومحاولة اصطياد عصفورين بحجر واحد». ويعترف المحللون السياسيون أن انتفاضة الأقصى ليست عبئا على الإسرائيليين وحدهم بل هي أيضا عبئاً على الولايات المتحدة الأمريكية لأنها أصبحت هي وقضيتها الفلسطينية برمتها معوقا لتنفيذ الرؤية الأمريكية في العراق، وكحل لازم وجب على أمريكا وضع القضية الفلسطينية في ثلاجة الموتى إلى حيث لا نهاية منظورة من اجل تنفيذ اهدافها ضد العراق. عمان ـ لقمان إسكندر: