ترى دراسة عسكرية خليجية ان اختلاف الأنظمة السياسية في الخليج العربي قد يتسبب في بعض مظاهر الحرب الفكرية التي تعتبر شكلاً من أشكال الحرب العصرية الحديثة التي تستخدم سلاح الفكر ضد فكر آخر، والفلسفة ضد فلسفة أخرى والعقيدة ضد عقيدة أخرى، كما تستخدم أسلحة العقل والمنطق والحوار والحجة والاقناع والقلم واللسان كأداة من أدواتها وسلاح من أسلحتها لتحقيق الأهداف الفكرية المطلوبة والمتمثلة في تدمير المعتقدات الروحية والعقائدية الأخرى. اضافة الى انها تشكل الافكار والنظريات السياسية وتحول نشاط الافراد واتجاهاتهم وميولهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وتوظيفها لمحاربة الأنظمة والمواقف السياسية وبذل الجهود اللازمة لتحطيم العقائد الفكرية ومحاولة جذب الاعوان، واستمالة الأصدقاء والمتحالفين وإقناعهم بالعمل مع جهة ما ومساندة مواقفها وسياساتها العامة، وهذه الممارسات هي ابعد ما تكون عن طبيعة منطقة الخليج. ومنطقة الخليج والجزيرة العربية سترث تلقائياً المشاكل المعقدة والمزمنة السائدة حالياً بين العراق وإيران من جانب وبينهما والولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من جانب آخر، وسيشكل هذا الإرث تركة مثقلة ستستأثر بجهد ووقت طويل لمعالجتها، وقد تتسبب في بذر بذور الشك والارتياب في نفوس حلفاء دول مجلس التعاون مما قد يسبب تدميراً وخللاً لا يستهان به في علاقات ثنائية مهمة تحتاج إليها دول المجلس لحماية أمنها واستقرارها، كما أن المواقف المتصلبة التي تتسم بها تصرفات العراق وإيران في المحافل الدولية ـ والتي غالبا ما تتعارض مع توجهات دول مجلس التعاون المحافظة ـ قد يحرج هذه الدول ويضعها في مواقف صعبة في بعض المناسبات التي تتوقع فيها دولة مثل إيران والعراق شيئاً من التوافق من دول المنطقة تجاه آرائها (التي غالبا ما تكون متطرفة ويصعب مجاراتها). إن الاختلافات المذهبية في الدين الواحد (سنة ـ شيعة) وما قد يترتب عليه من خلافات وممارسات قد لا تساعد على توفير ظروف طيبة لخلق تعايش مثالي بين الاطراف المعنية وقد تؤدي الى قلاقل وخلل في النواحي الامنية وجهد اضافي لتنقية الاجواء. تضاف الى ذلك اسباب كثيرة منها: ـ الشك والريبة التي خلفتها تجارب الماضي بسبب الممارسات الخاطئة من بعض دول المنطقة (العراق وإيران) وما نتج عنها من عدوان صريح واحتلال لأراضي الغير يعقّد من اجراءات التطبيع ويجعل من الصعب على دولة مثل الكويت نسيان احداث ترتب عليها ضياع أوطان، وكذلك (وبدرجة أقل) بالنسبة لدولة الامارات فيما يختص بموضوع احتلال الجزر من قبل ايران. ان تراكمات الماضي ستعقد بالتأكيد فرص الوفاق مستقبلا وسيبقى عامل الشك قابعا في اذهان البعض لفترة قد تطول الى حد ما. ـ اختلاف العادات والتقاليد والظروف بين مجتمعات الرفاهية التي تعيش في كنفها دول المجلس الست ومجتمعات الشدة التي تعيشها الدول الاخرى وتركيبة وتطلعات المواطنين بكل مجتمع يحدث تباينا واضحا لعل الإسلام يسهم في الحد من سلبياته بروح التكافل والبنيان الذي يشد بعضه بعضاً. ـ بالتقارب بين دول الخليج والجزيرة العربية ستنتفي الحاجة الى التحالفات مع الآخرين الى حد كبير وسيقل الوجود الاجنبي بالمنطقة نوعاً ما، وهذا اجراء قد لا يجد قبولا وترحيبا من الآخرين لأنه يتعارض مع مصلحتهم، مما يجعلهم يجتهدون لخلق مبررات لوجودهم بتقديم افتراضات لتهديد محتمل قد يقتنع به البعض ويرفضه البعض الآخر، ومن هنا يبدأ الاختلاف ـ مجرد احتمال!؟ آليات تعزيز الثقة أمنياً هناك آليات ينبغي توفرها لتعزيز الثقة على المستويين العسكري والامني منها: ـ معالجة الأمور العالقة: في البداية لابد من معالجة الامور العالقة بين دول المنطقة بهدف تطييب الخواطر وإزالة الغبن وخلق مناخ موات للتقارب بعيداً عن البغض والحساسيات ـ ويمكن ان تشمل الاجراءات المتخذة مسائل حيوية مثل مشكلة الاسرى الكويتيين التي ما زالت عالقة بين الكويت والعراق وستبقى دائماً هاجساً وحاجزاً منيعاً امام أي مسعى للتقارب، باعتبار أن هذه المشكلة اصبحت من اساسيات المطالب الكويتية التي تتطلب حلاً عاجلاً قبل المضي قدماً في المسائل الاخرى، وقد يستدعي واقع الحال وحتمية اعادة الامور الى وضعها الطبيعي ان يبادر العراق بتنفيذ قرارات مجلس الأمن وأن يبدي أكبر قدر ممكن من المرونة والمشاعر الطيبة لإعادة الثقة والاطمئنان لجيرانه قبل تبوؤ مكانه كعضو فاعل في في رابطة الجزيرة العربية والخليج ـ ومن المشاكل الرئيسية الاخرى ازمة احتلال الجزر الاماراتية من قبل ايران وضرورة الانسحاب منها وإعادة الحقوق المنتزعة لدولة الامارات العربية المتحدة، وهذه المشكلة يمكن ان تحل بين الدولتين في اطار اتفاقيات ثنائية بإشراف اقليمي، وفي حالة تعثر فرص الوصول الى حل يجب ان يتراضى الطرفان برفع الامر الى محكمة العدل الدولية وان يكون قرارها ملزماً للجميع ـ ومن المتوقع ان تكون مشكلة الجزر الاماراتية من المشاكل والمعوقات الرئيسية التي قد تؤخر المساعي الأولية لرأب الصدع بين الدولتين المتنازعتين وتنقية الاجواء للانطلاق نحو المزيد من التقارب ـ المهم في الموضوع هو حصر المشاكل ومحاولة حلها. ـ عقد اتفاقية عدم اعتداء: لو تم التوصل الى اتفاقية عدم اعتداء بين دول الجزيرة العربية والخليج والتزمت بها جميع الاطراف (تحت اشراف وضمانات اقليمية ودولية) فسيكون من الممكن المضي قدما في ثقة واطمئنان نحو حل جميع مشاكل المنطقة، وعلينا أن نتذكر دائماً ان مثل هذه الاتفاقيات تتطلب وعيا اقليميا وقدرا وافرا من الفهم المتحضر لما يمكن ان يتحقق بالأمن والاستقرار خاصة في منطقة مثل الخليج والجزيرة العربية التي تحظى جميع ارجائها (بتوفيق من المولى تعالى) بثروة غير عادية تكفي الجميع ليعيشوا في رغد من العيش الكريم وينبذوا الفرقة والخلافات والويلات التي هم في غنى عنها اذا توكلوا واقتنعوا بما رزقهم الله عز وجل. ـ اتفاقية الحد من التسلح: سباق التسلح ظاهرة غير حضارية تؤدي الى انفاق غير مقنن على المجهود الحربي، وطالما اننا تمكنا من معالجة الامور العالقة وتوقيع اتفاقية عدم اعتداء فسيكون من المناسب الحد من التسلح وتوجيه الانفاق نحو التنمية ورفاهية الشعوب وتحسين اوضاعها الاجتماعية والصحية والعلمية بدلا من ضياع الأموال في امر لا منتهى له ودوامة ستظل تدور بنا دون ان نتمكن من ادراك غاية أو تحقيق مطلب، لأن سباق التسلح عبارة عن اندفاع محموم للحصول على تفوق (غير مؤكد) على الآخرين لا يتأتى الا بإنفاق مليارات الدولارات التي تضيع هباء منثوراً ويصبح السلاح غير متطور بعد سنوات قليلة ونعود مرة اخرى للمزيد من الانفاق غير المجدي. ـ اتفاقية أمنية: ربما تأتي فكرة الاتفاقية الأمنية ضمن اهتمامات المختصين من وزارة الداخلية، لكن المجال يستدعي ان ندلي بدلونا، ونطرح الفكرة لأنها تصب في بوتقة الشأن الذي تدور ندوتنا حوله في اطار تعزيز آليات الثقة للكيان الاقليمي المقترح، وان تشمل هذه الاتفاقية بنودا تزيد من الثقة المتبادلة خاصة في الجانب الامني مثل: أ ـ مكافحة الجريمة وتبادل المجرمين. ب ـ مكافحة التهريب. ج ـ مكافحة المخدرات. د ـ مكافحة الإرهاب وخطف الطائرات. مبادرات تعاون والجدير بالذكر ان دول مجلس التعاون الخليجي بادرت بتعزيز التعاون الأمني فيما بينها وعبرت عن تصميمها على التنسيق والتشاور في المسائل الأمنية، وكان ذلك في الاجتماع الذي عقد بالرياض مؤخراً وضم وزراء داخلية دول المجلس وتناول على وجه الخصوص التعاون والتنسيق في مجال التصدي للجريمة المنظمة ومكافحة المخدرات وغسل الاموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع وتفعيل وسائل حماية مجتمعات دول المجلس من خطورة هذه الجرائم ـ ومثل هذا التعاون الامني يمكن ان يمتد ويشمل دول الخليج والجزيرة العربية (بعد ان صرح وزير الداخلية السعودي ان بلاده ستوقع اتفاقية امنية مع ايران وان مسودة الاتفاقية موجودة الآن بطهران) ـ ولا ننسى ان مثل هذه الاتفاقيات الامنية تحيط بها بعض التعقيدات الجانبية (حتى في اطار دول المجلس) بسبب الظروف والثوابت الخاصة بكل دولة، فالكويت كمثال لم توقع على الاتفاقية الخليجية الخاصة بتسليم المجرمين لأنها تتعارض مع مادة من مواد الدستور الكويتي. ـ اتفاقية منع انتشار اسلحة التدمير الشامل. هناك اشتباه مؤسس على حقائق مؤكدة حول نشاط نووي وكيماوي تقوم به بعض دول المنطقة، وعليه فلابد من توقيع مثل هذه الاتفاقية للحد من انتاج وتطوير وتخزين هذه الاسلحة المحرمة دوليا حتى نضمن سلامة المنطقة وخلوها من الاسلحة الفتاكة، كما علينا ان نلتزم ايضا بالاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص، والواقع ان استخدام مثل هذا النوع من الاسلحة اجراء غير اخلاقي ولا يليق بمن يسعى لإظهار حسن النوايا تجاه الآخرين خاصة وان مجرد وجود هذه الاسلحة في المنطقة يسبب قلقا نفسيا للجميع وتساؤلا مشروعا (من اجل من ولمن ستوجه هذه الاسلحة). أما آن الأوان لعودة بعض دول المنطقة الى الاسرة الدولية والالتزام بمواثيقها والابتعاد عن المخالفات ذات الصلة بإنتاج وتخزين هذه الأسلحة ـ ان الدولة التي تتعامل مع هذه الأسلحة تعاني من الإدانة والمطاردة والتفتيش والاتهامات ونحن نعاني بدورنا من هاجس وجود هذه الأسلحة بمنطقتنا. ـ التدريبات المشتركة: من الضروري تنسيق تدريبات مشتركة بين دول المنطقة في مجالات حفظ السلام والانقاذ ومكافحة الكوارث وخطف الطائرات، وحتى في بعض التمارين العسكرية حيث لا توجد سرية بالدرجة التي تحظر حضور الآخرين، ونذكر على سبيل المثال ان دول حلف الناتو وحلف وارسو كانت توجه الدعوات لمراقبين من الجانب المقابل مناورات بحجم فيالق وجيوش دونما احساس بأي خلل في مفاهيم وإجراءات الأمن والسرية. ـ آلية فض النزاعات والتحكيم: تنظر هذه اللجنة في جميع الخلافات والنزاعات العالقة بين دول الخليج والجزيرة العربية وتسعى لحلها بأسلوب فعّال يستند الى الاعراف والقوانين الدولية والمصلحة المشتركة، ويمكن هنا طرح فكرة تكوين (محكمة عدل دولية اقليمية) على غرار محكمة العدل الدولية للنظر في أي خلافات وحسمها بالسرعة الممكنة قبل ان تستفحل وتشكل عقبة أو تترتب عليها آثار سلبية تعترض مسيرة الوفاق. ـ شبكات الاتصالات والانذار المبكر: هذه الشبكات مهمة وضرورية جداً ومعمول بها حتى على مستوى الدول الكبرى (أمريكا وروسيا بالتحديد) وهي حيوية جداً بالنسبة لمنطقتنا لتفادي الاندفاع نحو عمل عسكري متعجل بسبب معلومات مغلوطة، وأيضاً للحصول على رد مناسب لدولة معينة عن مغزى تحركات قوات دولة اخرى بأسلوب عدائي تجاهها، ولتحقيق الغاية المرجوة من هذه الشبكات يجب ان تلتزم كل دولة بإخطار الدول الأخرى بتحركات قواتها (البرية ـ البحرية ـ الجوية) بوقت مبكر ـ المهم ان هذه الشبكات ستكون عاملة بصفة مستمرة لبث المعلومات وتلقي الاستفسارات ومتابعة التحركات وان تكون متاحة للجميع وتحت ادارة وسيطرة مشتركة، وحسب علمنا فإن مثل هذا المشروع قيد التنفيذ الآن على نطاق دول مجلس التعاون ويمكن ان يطور مستقبلاً ليشمل بقية الدول التي ستنضم الى الكيان الاقليمي المقترح، والجدير بالذكر ان هناك دراسة وإعداد واتفاق وتخطيط مكثف لإنشاء حزام للتعاون والاتصالات المؤمنة في اطار دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا الاجراء يعتبر خطوة متقدمة يمكن استثمارها لدعم منظومة شبكات الاتصالات والانذار المبكر (المقترحة) لرابطة دول الجزيرة العربية والخليج. ـ الوسائل التطبيعية الأخرى: أي جهد لو كان بسيطا او محدودا يمكن ان يسهم في تذويب الجليد وتطبيع العلاقات وإعادة المياه الى مجاريها، (ولا ننسى ان مجرد زيارة فريق تنس طاولة أمريكي للصين انتهت بتطبيع وعلاقات دبلوماسية متكاملة بين الطرفين) والمجال مفتوح لدينا لانتهاج سلوك ومبادرات يمكن ان تقود الى تقارب مؤكد بين دول المنطقة ـ نذكر منها على سبيل المثال: أ ـ الزيارات المتبادلة (وفود ثقافية ـ علمية قطع بحرية... الخ). ب ـ المشاركة في المعارض والندوات والدورات. ج ـ تكوين روابط وجمعيات وصداقات. د ـ السماح للعراق وإيران واليمن بالانضمام الى بعض فعاليات امانات ودول مجلس التعاون الخليجي ذات الصفة الاعلامية والاجتماعية والثقافية والصناعية بالاضافة الى الانشطة الرياضية. خاتمة ربما تبدو الفكرة المطروحة ـ للوهلة الأولى ـ وكأنها بعيدة المنال وصعبة التنفيذ، لكن اذا تمعنا فيها بشيء من التجرد والموضوعية ونظرنا اليها بتأن من زواياها المختلفة ـ بدون التأثر بالظروف والأحوال السائدة الآن ـ فإننا لن نستصعب الأمر، خاصة وان عوامل ومقومات التجاذب بين دول المنطقة أكثر حظاً من عوامل التنافر، وعلينا ان نتطلع الى رحاب المستقبل بنظرة استراتيجية ثاقبة تستوعب متطلبات المراحل والأجيال المقبلة وعدم التعامل مع الاوضاع بحالتها الراهنة. ان قيام كيان جامع تنتمي اليه دول المنطقة سيبعد بالطبع تهديد بعضها البعض ويوفر النفقات التي تهدر من أجل تأمين نفسها ضد العدائيات، وبذلك يمكن توجيه الثروات والامكانات المتاحة الى التنمية والانجازات التي تدعم استقرار الاوطان ورفاهية المواطنين. الكويت ـ زكريا عبدالجواد: