شهدت مدينة فاس المغربية مؤخراً ندوة حول الديمقراطية والتجدد الحضاري شاركت فيها نخبة من المفكرين العرب بينهم د. برهان غليون استاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة السوربون، والكاتب والمحلل السياسي فهمي هويدي والدكتور محمد جابر الانصاري والدكتور محمد عابد الجابري والمستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة سابقاً في مصر. وتناولت هذه النخبة من المفكرين العرب قضيتي الديمقراطية والتجدد الحضاري من خلال البحث في كيفية تجسيد المشروع الحضاري النهضوي على ارض الواقع وترتيب الاولويات لهذا المشروع. ومن أهم الدراسات عن الديمقراطية في العالم العربي دراسة الدكتور برهان غليون التي تقدم تحليلا عميقا لأزمة النظم الاستبدادية في العالم العربي، يقول غليون (وليس من المبالغة أن نقول إن الكلام المكرر في الديمقراطية غير الموجودة فعلا في مجتمعاتنا قد هدف بالتأكيد من دون وعي إلى التغطية على الممارسة السياسية الحقيقية الموجودة عندنا بالفعل، وحجبها عن أنظارنا وهي الممارسة الاستبدادية أو الديكتاتورية أو التسلطية، فلم تحظ ممارسات النظم العربية ونوعية هذه النظم وآليات تكوينها وإعادة إنتاجها وطرق عملها ووسائله بأي دراسة حقيقية وصفية أو نظرية. ولا أعتقد أن هذا الميل الذي ظهر عند الباحثين والناشطين العرب لاجتناب الحديث في الاستبداد نابع من الخوف من الاضطهاد، بقدر ما هو نتيجة للمنهج السائد في تعاملنا مع الواقع، والصعود مباشرة فوقه أو تجاهله نحو الأمل والحلم، وكذلك للمنهج الذي يسود تعاملنا مع أنفسنا وهو الهروب من المسئولية التي تفرضها أي إعادة نظر لمواقفنا السابقة، فالكشف عن جذور التسلطية وأسسها الفكرية ومصادر نموها ومرتكزاتها الاجتماعية والسياسية لابد أن يكشف قصورنا عن إدراك آليات مقاومة صعودها. إن لم يكشف مساهمتنا الفردية السلبية أو الإيجابية من خلال الأفكار والشعارات التي حملناها وأحيانا الممارسات والخيارات التي اتخذناها في التمهيد لهذه التسلطية أو التمكين لها. ولذلك فإن هناك دافع قوي لدينا لافتداء أخطائنا والتكفير السهل عنها. ويبدو التمسك السريع بالشعار الديمقراطي الجديد كما لو كان نوعا من إعلان التوبة وفرصة للتطهر من الآثام السابقة، أي أيضا بديلا عن المراجعة وإعادة بناء أفكارنا ومواقفنا وتصوراتنا السياسية على أسس عقلانية جديدة أكثر ثباتا واتساقا.. هكذا أعلنت جميع الأحزاب العربية الاشتراكية منها وشبه الليبرالية التي تعاونت من دون حدود مع الاستبداد ولايزال ولاؤها للفكرة الديمقراطية من دون أن يصدر عن احدها أي نقد ذاتي أو تبرير أو تفسير لرفضها السابق للديمقراطية وأخذها بها اليوم، كما لو أن مثل هذه المهمة لا تعنيها أو أن ما قام به الروس والاوروبيون الشرقيون يكفي لتجنيبها المهمة ذاتها وهذا لا يعبر عن التفكير الجدي وروح المسئولية الفكرية والسياسية لدى القوى السياسية القائمة فحسب ولكن أكثر من ذلك عن الطابع السطحي والاستهلاكي للتبني الراهن لشعار الديمقراطية وبالتالي إمكانية التراجع السريع عنه في أي لحظة تظهر فيها الحاجة للتضحية من أجله. مهام رئيسية ويقترح برهان غليون عدة مهام رئيسية لخلق فرص أفضل للتحول الديمقراطي في العالم العربي منها تطوير ثقافة ديمقراطية جديدة، ولا يعني الوعي بالديمقراطية هنا مجرد الإيمان بها أو بشعارها أو معرفة معناها البسيط ومضمونها ولكن امتلاك نظرية خاصة بها في ظروف المجتمعات العربية، وكل مجتمع منها، وشروط حياته الخاصة. المهمة الثانية التي يقترحها برهان غليون هي ضرورة تأمين موارد مادية ومعنوية جديدة لا حياة لأي حركة سياسية من دونها يقول (فلعل أكثر العوامل التي ساهمت في تقزيم القوى الديمقراطية الحية في المجتمعات العربية هو حرمانها من الموارد المادية والمعنوية وقطع صلتها بالمحيط الدولي الواسع الذي يؤمن لها مصادر دائمة لتجديد المفاهيم وتوسيع التحالفات وتعزيز الموارد، وتدخل في إطار استراتيجية الحصار والتضييق على الحركة العربية تشكيك النخب الحاكمة بجميع أشكال التضامن والمعونة الخارجية التي يمكن أن تتلقاها المنظمات السياسية والمدنية) هذا ما يقترحه غليون من أجل تعزيز فرص الديمقراطية حيث لا يرى غضاضة في تمويل المنظمات والقوى الديمقراطية العربية من خلال موارد خارجية لكن هذا الرأي يصطدم بآراء أخرى ترى أن الغالبية الساحقة لجمعيات حقوق الإنسان في العالم العربي والتي تمول من الخارج تعمل وفقا لشروط الممول الذي يتدخل في نشاطها وأحيانا يحدده تحديدا ويختاره وفقا لأولوياته وأعتقد أن هذه هي نقطة الضعف في بحث غليون الذي لا يرى في النهاية نموذجا آخر للديمقراطية سوى النموذج الغربي. الشورى والديمقراطية ننتقل إلى بحث آخر في الديمقراطية للكاتب فهمي هويدي الذي يجتهد لإثبات جذور عميقة للديمقراطية الغربية في الفكر العربي الإسلامي حيث الشورى هي الأصل الديمقراطي بل هي أعلى مراحل الديمقراطية، والشورى ملزمة للحاكم كما يرى فهمي هويدي وليست معلمة كما يرى غيره أما الفرق بين الشورى والديمقراطية فيحدده كما يلي (من الناحية الإجرائية فلا أجد فرقا بين الصيغتين، فأهل الشورى ينتخبهم الناس تماما كما في الأداء الديمقراطي، ولكن أجد فرقا في المدى الذي تذهب إليه الديمقراطية، وذلك الذي تغطيه الشورى. وأزعم أن الشورى أوسع نطاقا من الديمقراطية، حتى ذكرت ذات مرة أنها تمثل أعلى مراحل الديمقراطية.. كيف؟ ردي على ذلك أن الشورى تعني أن يكون لك قول ورأي أما الديمقراطية فهي أن يكون لك صوت. والفرق بين الاثنين أنك في ظل الشورى ينبغي أن تكون لك كلمة في كل ما يجرى في البلد ومصالحه، أما في الديمقراطية فأنت تدلي بصوتك لصالح مرشح معين كل أربع أو خمس سنوات، ثم ينوب ذلك المرشح عنك وعن بقية أبناء الدائرة الإنتخابية خلال دورة المجلس النيابي وطيلة سنوات الدورة لا تكون لك علاقة بتقرير شئ في الشأن العام حيث يتولى النائب تلك المهمة، ولك في نهاية المدة أن تحكم له أو عليه، فتصوت له أو تنصرف عنه الأمر مختلف في الشورى، حيث ينبغي أن يكون لك قول دائما في الشأن العام، ولا يتعين عليك أن تنتظر سنين عددا لتقول كلمتك. وأحسب أن النظام المطبق في سويسرا الآن أقرب إلى الشورى التي ندعو إليها، حيث يستفتى الناس عدة مرات على مدار العام في مختلف الشئون التي تهمهم. وفي ظل الإنتشار والثورة الهائلة في وسائل الإتصال الحديثة فإن إشراك الناس في كل شأن يهمهم أصبح ميسورا بدرجة أكبر، الأمر الذي يذهب إلى أبعد مدى في الممارسة الديمقراطية، بحيث يقربها من الشورى المنشودة. ومن هذه الزاوية فإن الاختلاف بين الاثنين يظل منحصرا في الدرجة وليس في النوع الأمر الذي يعزز ما ندعيه من أن الشورى أعلى مراحل التطبيق الديمقراطي، ولكن بلوغها لايمكن أن يتحقق إلا إذا مر المجتمع بالممارسة الديمقراطية في صورتها الراهنة أي من خلال التصويت في الإنتخابات النيابية التي تتم كل عدة سنوات وإن شئت فقل أن الديمقراطية مرحلة ينبغي أن ننجزها، وننجح فيها، لكي نحقق مرادنا في تطبيق الشورى أو أنها باب وحيد يوصل إلى تلك الغاية المرجوة. ويخلص فهمي هويدي في نهاية بحثه إلى أن (ما ينبغي أن ينشغل به الجميع بجانب اهتمامهم بإقامة الهياكل والمؤسسات الديمقراطية هو كيف يمكن أن تقوى خلايا المجتمع المدني بحيث يصبح بمقدورها أن تحول دون العبث بقيم الديمقراطية أو بحيث يصبح العدول عن النهج الديمقراطي أمرا باهظ التكلفة). نجاح المناهج وفي بحث قدمه للندوة المفكر د. محمد عابد الجابري (المغرب) يقول (إن إمكانية نجاح مناهج الاستشراف للتنبؤ بما سيكون عليه المستقبل العربي موضوع المشروع النهضوي العربي إمكانية محدودة جدا، إن المشروع النهضوي أو الحضاري بما أنه مشروع فهو لا يتقيد بمعطيات الواقعية التي ينطلق منها الاستشراف. لأنه أصلا يهدف إلى تغيير هذه المعطيات، إلى تغيير الواقع. وإذن فالتفكير في المشروع النهضوي يجب أن ينطلق من زاوية الإرادة في التغيير والإرادة في تشييد المستقبل العربي لا انطلاقا من المعطيات التي يتشكل منها الواقع العربي الراهن الذي كله متغيرات مؤقته بل انطلاقا من الأخذ في الحسبان رغبات الشعوب العربية وطموحاتها وقدرتها على التضحية والحركة والفعل التي لا تقل عن قدرتها على الصبر والتحمل. ولتجديد الثقافة العربية يرى الجابري أن الفكر العربي عليه أن يتخلص من الأسئلة المزيفة ويقول (وأقصد بالأسئلة المزيفة الأسئلة التي تطرح على التاريخ أسئلة لا تاريخية من نوع: هل يقبل الإسلام الديمقراطية؟ هل يقبل مضامين الاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ هل يقبل العلمانية؟ تماما مثلما تساءل كثيرون بالأمس تساؤلات صارت اليوم غائبة وغير واردة مثل: هل يقبل الإسلام الإشتراكية؟ وأسئلة أخرى يحلو اليوم لبعضهم طرحها مثل: لماذا لم يكن لعقلانية ابن رشد امتدادات في الوطن العربي مثل تلك التي كانت لها في أوروبا من خلال الرشدية اللاتينية؟ أو لماذا لم تتطور الأوضاع في الوطن العربي خلال القرون الوسطى إلى ما يشبه الحداثة الأوروبية؟ مثل هذه الاسئلة أسئلة مزيفة لأنها تسأل عما لم يحدث في التاريخ وتريد معرفة سبب عدم حدوثه، هذا في حين أن السؤال التاريخي العلمي هو الذي يستفسر عما حدث بالفعل، عن كيفية الحدوث أولا ثم عن سبب الحدوث إن كان هناك طريق لالتماس السبب أو الأسباب لحوادث الماضي، فالذي يسأل مثلا عن أسباب عدم تطور الأوضاع في الوطن العربي في القرون الوسطى إلى ما يشبه ما آلت إليه الأحوال في أوروبا في العصر الحديث من رأسمالية، وديمقراطية وعلمانية.. الخ، هو كمن يسأل: لماذا لم يتطور فلان في جسمه وقواه وحواسه وحدة ذكائه وفي صحته ومرضه. الخ مثل فلان؟ إن السؤال المشروع والعلمي هو الذي يسأل عما حدث لفلان وأسباب ذلك،وليس عما لم يحدث لفلان وأسباب عدم الحدوث.. ومن الأسئلة المزيفة كذلك تلك التي تطرح قضايا من نوع: لماذا لم يكن لعقلانية ابن رشد مستقبل في الحضارة العربية بينما كان لها دور كبير ورئيسي في تأسيس العقلانية الأوروبية والفكر العلمي الحديث؟ هذا السؤال يتجاهل أن عدم تأثير ابن رشد وغيره من العلماء في مسار التطور الذي عرفته الحضارة العربية هو كون هذه الحضارة قد دخلت في مرحلة الإنحطاط، مرحلة التراجع والجمود على التقليد، وهي ظاهرة عامة شملت النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية. إن ما أصاب العقلانية الرشدية في الحضارة العربية هو نفس ما أصاب عقلانية أرسطو في الحضارة اليونانية، أرسطو الذي وجدت فلسفته وعلومه مستقبلها في الحضارة العربية وليس في الحضارة اليونانية التي دخلت بعد ارسطو مباشرة في مرحلة التفكك والإنحطاط. استيراد النموذج بدأ المستشار طارق البشري بحثه بنقد عملية التجديد من خلال استيراد النموذج الغربي وزرعه في نموذج عربي مختلف عن سياقه الذي نشأ وتطور فيه.. يقول البشري (والمشكلة لدى النخبة الثقافية التي يغلب عليها الطابع العلماني أن منهم من يغفل عن حقيقة أن نسقا فكريا إذا انتزع من سياقه الاجتماعي الثقافي التاريخي وزرع في سياق اجتماعي ثقافي تاريخي مغاير، إذا جرى ذلك فإن هذا النسق المنقول قد يقوم بأداء وظيفي عكس ما كان يقوم به في السياق المأخوذ منه. إن أثر الترابط بين الظواهر هو جزء من منهج الفكر الغربي التجريبي الذي تعلمته هذه النخبة ولكنهم لا يحسنون تطبيقه ولا يجيدون إدراك خصائصه المتغيرة بتغير السياق، وذلك فيما يأخذون عن الغرب من أصول ومبادئ فيعتبرونها صالحة لكل زمان ومكان ولكل سياق اجتماعي ثقافي تاريخي، رغم أنهم ينتقدون الفكر الموروث من حيث تمسك أصحابه بالصلاحية المطلقة لكل زمان ومكان ولكل سياق، فالعلمانية في الغرب كانت مما ولد الديمقراطية، ولكنها عندنا كانت مما يولد الاستبداد لأنها تطلق الدولة في نشاطها من كل قيد فكري يرد عليها من خارجها وتؤمن به وتحتكم إليه الجماعة المحكومة. ويستمر المفكر طارق البشري محددا شروط التجدد الحضاري اللازم لتجديد النهضة العربية ويقول (التجدد هو تعديل أوضاع وتغيير علاقات فضلا عن إدخال مستجدات، ولكن كل ذلك يتعين أن ينضم في التكوين الحضاري العام. فالتجدد مشروط ومحكوم بألا يفسد التكوين الحضاري العام، وألا يشوهه. ويمكن القول أننا عانينا من الازدواج الثقافي والحضاري بين الموروث المتحدر فينا من حضارة الإسلام وبين الوافد الآتي من حضارة الغرب وعانينا من ضعف الذات وقوة الآخر. إن حكايتنا مع القرن العشرين هي حكايتنا مع هذه الازدواجية، والحقيقة في ظني أننا على التحديد نحتاج إلى التجديد والمحافظة معا، وذلك إذا ميزنا بين الثوابت الحضارية والمتغيرات فتلزم منا حركة مدافعة عن الثوابت ودافعة للتجدد في ذات الآن ونحن اليوم بعد تجارب مريرة عبر قرن كامل بدت لدينا القدرة على الاستيعاب المتبادل، قدرة الموروث على استيعاب الجديد من حيث النظم والمناهج النافعة، وقدرة الجديد الآخذ من الوافد على تقبل الإندراج في الإطار المرجعي للشرعية الإسلامية بقدر ما تسعه وبقدر تقبله للإنتماء في شرعيتها وهذان الأمران كل من جانبه هما الشرط الذي به يتحقق المزج الحضاري ويترابط الإطار المرجعي في شرعية واحدة تحفظ قوة التماسك للجماعة وتهديها إلى معايير الاحتكام في التعامل. البنية الذهنية وفي بحث للمفكر البحريني د. محمد جابر الأنصاري ينتقد البنية الاجتماعية للمجتمع العربي ويرى أن تخلفها من الأسباب الرئيسية لتخلف البنية الذهنية ويقول (بموازاة تلك البنية المجتمعية التحتية في القاع الاجتماعي ترسبت وتكلست بنية ذهنية جامدة في العقل الجمعي للمجتمعات العربية ولدى الكثير من نخبتها المثقفة، ويجب أن يكون واضحا منذ البداية أن هذه البنية الذهنية ليست نتيجة تخلف عقلي عضوي أو وراثي أو دائم في العقل العربي كما قد يسارع البعض إلى الاستنتاج، وإنما هي نتاج تاريخي إنحطاطي مرت عليه قرون طويلة من التجمد الثقافي والفكري سادت خلالها حرفية النص على حركية العقل المجتهد واعطيت القداسة للنقل، أيا كان، على حساب العقل الذي تم تغييبه واسهم الاستبداد السياسي والاجتماعي والفقهي والتربوي في إنتاج وإعادة إنتاج كائن إلى حد النسخ والاستنساخ يستخدم ذاكرته الناقلة ولا يستخدم عقله الناقد وإن استخدم هذا العقل تعرض لأبشع أنواع العقاب، كائن لابد أن يلتزم حرفيا بما يجب أن يقال في مواقف الحياة كافة دون زيادة أو نقصان. القاهرة ـ فتحي عامر: