الاعتراف بالخطأ شجاعة وقيمة نبيلة، واليوم اعلن انني اخطأت عندما شاركت ضمن اخرين في التهليل لفوز جورج دبليو بوش الجمهوري، ولم اخف شماتتي وقتها لهزيمة آل جور والمعسكر الديمقراطي. مبررات التهليل لم تكن حينها فرحاً لبوش بقدر ما كانت «زهقاً» من العصابة الصهيونية التي عشعشت في كل ركن بالبيت الابيض خلال ادارة كلينتون التي نذرت نفسها لخدمة المصالح الاسرائيلية حتى لو تضاربت مع المصالح العليا للولايات المتحدة نفسها. ورغم فوز بوش في يناير الماضي بصورة مثيرة للجدل انتخابياً الا ان اوساطاً عربية كثيرة راهنت على انه وادارته سيكونان اقل ميلاً لاسرائيل لاسباب متعددة ابرزها ان عدد الصهاينة في طاقمه اقل، وارتباطه بصناعة النفط، وموقف والده الحازم ضد اسحاق شامير خلال ازمة قروض المستوطنات وعقد مؤتمر مدريد في اوائل التسعينيات. مرت الايام والشهور لنفيق نحن العرب على المثل الشهير القائل «شهاب الدين اسوأ من اخيه»، وانه لا فارق عملياً بين كلينتون وبوش او اي ديمقراطي او جمهوري الا في درجة المغالاة لنصرة اسرائيل، وان الجميع لا همّ لهم في دوائر صنع السياسة الامريكية سوى ارضاء هذا الكيان الاستيطاني البشع. غير ان الفارق الحقيقي الذي يميز ادارة بوش الحالية مقارنة بالادارات السابقة هو جهلها شبه المطلق بالعديد من قواعد السياسة الدولية واعتمادها في أحيان كثيرة لسياسة بلطجة القوة التي تقترب احياناً من فلسفة «الكاوبوي» في الغرب الأمريكي في أحط تجلياتها. هذا الغباء السياسي منقطع النظير هو التفسير الرئيسي لحالات الاخفاق الدبلوماسي الأمريكي المتوالي منذ وصول بوش للحكم من تعهده بسحب القوات من البلقان ثم تراجعه، وتهديداته للصين ثم الاعتذار بعد حادث طائرة التجسس، واصراره الغريب على مشروع الدرع الصاروخية رغم معارضة غالبية القوى الكبرى، لكن هذا الاخفاق والفشل الدبلوماسي بلغ أوجه خلال تعامل هذه الادارة مع الصراع العربي الاسرائيلي، فالمتتبع بدقة لتعامل هذه الادارة يكتشف بخلاف انحيازها لاسرائيل هو عدم المامها الكافي بجذور المشكلة وتعقيداتها، مثلما وضح في تصريحات وزير الخارجية كولن باول بشأن تأييده لارسال مراقبين لفلسطين المحتلة وبعدها بدقائق سارع البيت الأبيض لتكذيب باول. وإذا كان «الغباء السياسي» هو أهم ما يميز فريق بوش فإن الصفة الأخرى هي «التعالي» في التعامل مع الآخرين وفي مقدمتهم نحن العرب. ولو أحسن العرب صنعاً لأعلنوا مقاطعتهم لهذا «البيت الأسود» حتى تتغير سياسته لتصبح بيضاء أو محايدة في أحسن الأحوال لكن السؤال الخالد يظل قائماً: هل نحن كعرب قادرون فعلاً على قول «لا» لهذه الحفنة الغبية؟ الاجابة متروكة لكم! عماد الدين حسين