وضعت الاستفزازات والممارسات الاجرامية التي تقوم بها حكومة شارون المنطقة على حافة الهاوية وبحيث صارت التأكيدات تصدر من هنا وهناك حول امكانية نشوب حرب شاملة بسبب هذه الممارسات.. فمن الواضح أن شارون حتى الآن لا يلقي بالا لردود الأفعال المختلفة ويستمر في تنفيذ مخططه الاجرامي لاغتيال القيادات الفلسطينية والاعتداء المستمر على المدنيين وباستخدام أحدث الأسلحة وبذخائر محرمة دوليا. هذه السياسات الشارونية اثارت العديد من التساؤلات خلال الفترة الماضية حول امكانية ان يؤدي ذلك الى وقوع مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة وخاصة في ظل الاعتداءات على المواقع السورية في لبنان والتي يرى بعض المراقبين انها محاولة لجر سوريا لمواجهة مباشرة، وحول اغتيال نشطاء الانتفاضة والمنظمات الاسلامية وهل يدفع ذلك الأمور باتجاه التصعيد، والضغوط الأمريكية والأوروبية على السلطة الوطنية والهدف من ورائها، ومواقف الدول العربية ازاء التطورات والمستجدات الحالية في الاراضي العربية المحتلة. «الملف» حمل هذه التساؤلات وغيرها إلى بعض الخبراء والمتخصصين، فماذا قالوا؟ أهداف وغايات بداية يقول د.محسن عوض الخبير في الشئون الاسرائيلية: ليست هناك مفاجأة فيما يفعله شارون الآن بل هناك من الخبراء من يرى أن الأسوأ لم يأت بعد، وانني اعتقد ان شارون حتى هذه اللحظة لديه اعتقاد راسخ بأنه لن يعظم نفسه بين زعماء اسرائيل الا بمذابح جديدة حيث يرى أن ما ارتكبه طوال تاريخه الحافل بالمذابح والجرائم لم يشبع رغبته كقائد صهيوني مؤمن بأن العنف هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأهداف والغايات الصهيونية، ولذلك لا مجال هنا لتوقع أي تحسن في الأوضاع حيث سيستمر التدهور سواء في الأراضي الفلسطينية حيث ستزداد العمليات العسكرية ضد المدنيين، كما ستستمر التحرشات الاسرائيلية بكل من سوريا ولبنان. ولكن هذا لا يعني أن شارون سيستطيع تحقيق أهدافه لانه بما يقوم به حاليا يؤكد أنه لم يع الدرس الذي حدث في جنوب لبنان جيدا. وحول استفزاز اسرائيل لبعض دول المنطقة وخاصة سوريا لمحاولة جرها لمواجهات مباشرة يرى د. محسن عوض أن شارون يعلم جيدا أن رد الفعل السوري على استفزازاته سيكون بضبط النفس، ومن هنا فهو من خلال العمليات العسكرية بين الحين والآخر ضدها يريد أن يسبب لها احراجا أكثر واظهارها بمظهر الضعف أمام اللبنانيين وخاصة أن هناك أصواتا لبنانية تطالب بخروجها من لبنان، أي أن مايفعله شارون أسبابه سياسية أكثر منها عسكرية بالنسبة لضرب القواعد العسكرية السورية في لبنان، ولكن اسرائيل لا تستهدف من وراء ذلك جر المنطقة الى مواجهة عسكرية شاملة. وانتقد د.محسن عوض رد الفعل العربي تجاه الاستفزازات الشارونية وقال: لقد اتسم رد الفعل العربي خلال الفترة الأخيرة بحالة من اللامبالاة لدرجة انه حتى على مستوى اصدار البيانات جاء دون المستوى، رغم الجرائم التي ترتكب يوميا ضد الشعب الفلسطيني. لقد ثارت ثائرة الأمة العربية في بداية الانتفاضة وتجاوب الرأي العام مع الاعلام وعقدت قمتان عربيتان وتوقعنا أن يكون هناك تحرك عربي فعال في ظل وجود شارون في الحكم، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن تلاشت التحركات وصار الاعلام بعيدا الى حد ما عن الأحداث وترك الفلسطينيون يواجهون مصيرهم بمفردهم كما ترك السوريون واللبنانيون هم الآخرون في وجه المدفع دون أن يكون هناك أي مساندة عربية قوية سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي. انه في ظل هذه المواقف العربية التي ليست على المستوى المطلوب لا نتوقع من الآخرين أن يساندوا قضايانا، أن هناك الكثير من الأصوات التي تطالب بمواقف أمريكية وغربية أكثر عدلا بالنسبة للقضية الفلسطينية فكيف سيحدث هذا اذا كنا نحن العرب لم نقدم الدعم المادي أو المعنوي الكافي لهذه القضية؟ المفروض ان نراجع مواقفنا قبل أن نطالب الآخرين بمساندة قضيتنا وقبل أن نتحدث عن ضغوط أمريكية أو غربية على عرفات والسلطة الفلسطينية. وعن سياسة اغتيال القيادات الفلسطينية يقول د.محسن عوض: هذه السياسة ليست جديدة على الاسرائيليين، فمنذ حكومة باراك وحتى من قبله وهناك عمليات تتم لاغتيال القيادات الفلسطينية، وهذه جرائم حرب صريحة، ويجب أن يدرك الاسرائيليون جيدا انهم عانوا من رد الفعل الفلسطيني على مثل هذه العمليات في السابق حيث تم تنفيذ عمليات فدائية واستشهادية ضد الاسرائيليين في الداخل والخارج، وذلك بأن يتوقفوا عن هذا العمل الارهابي ضد المدنيين الفلسطينيين، إن شارون يريد أن يقوض كل المكاسب الهزيلة التي تحققت من خلال اتفاقات أوسلو ولكنه نسى أن أوسلو لم تتم الا نتيجة العناء الشديد الذي لاقوه من الانتفاضة الأولى. تعنت وصلف اسرائيلي ومن جانبه يقول ضياء رشوان الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية انه في ظل وجود شارون رئيسا للحكومة الاسرائيلية لم تكن هناك توقعات بأن يتحسن الوضع في المنطقة وكان أقصى مايتوقعه الخبراء هو الوصول لهدنة بالمعنى العسكري حيث انه لم يكن مطروحا خلال الفترة الماضية امكانية الحل بالتفاوض السياسي، والغريب أن هذه الهدنة التي سعى الجميع لاقرارها لم تحدث ولم تتحقق بسبب التعنت والصلف الاسرائيلي والرؤية الاسرائيلية للأمن والتي تقوم على أن دور السلطة الوطنية الفلسطينية هو تحقيق هذا الأمن بغض النظر عن نتائج ذلك وردود أفعاله سواء على المجتمع الفلسطيني داخليا أو علاقته بالسلطة والمطالب الفلسطينية وهي بالأساس سياسية. وانني أعود وأكرر انه لن يكون هناك تفاؤل بالمعنى السياسي طالما شارون موجود سواء بالنسبة للعرب أو الغرب. وفيما يتعلق بمحاولات شارون الاطاحة بعرفات يوضح ضياء رشوان أن شارون الموجود حاليا على رأس السلطة في اسرائيل هو نفس الشخص الذي حاول وفشل من قبل في تصفية عرفات في لبنان، فمالنا وعرفات لا يبعد الآن عنه سوى خطوات ولا يستطيع أن يفعل له شيئا فهذا أمر بالتأكيد يحزن شارون كثيرا، ولذلك وجد أن أفضل وسيلة للخروج من حالة الرفض الدولي والاقليمي له هو أن يكثف من حملته الاعلامية ضد عرفات بتحميله المسئولية عن تدهور الأوضاع في المنطقة بأنه لم يلتزم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ويركز في حملته ضد عرفات على فشل مباحثاته السابقة مع باراك في كامب ديفيد، ويقول أن هذا الرجل لا يصلح كشريك في عملية التسوية. ويشير ضياء رشوان الى أن جميع الأطراف في المنطقة لا يريدون تصعيدا للأمور لتصل الى حد المواجهة العسكرية وبما فيهم اسرائيل نفسها، فرغم كل الممارسات التي تقوم بها وخاصة تحرشها بالسوريين واللبنانيين واستمرارها في قمع وقتل المدنيين الفلسطينيين، فإنها لا تريد من وراء ذلك جر المنطقة الى مواجهة شاملة لأنها تعرف مايمكن أن تؤدي اليه مثل هذه المواجهة ولكن هذا لا ينفي امكانية وقوع المواجهة العسكرية لانه قد تحدث تداعيات خطيرة لا يمكن السيطرة عليها وبالتالي تجر المنطقة الى هذه المواجهة. ويرى ضياء رشوان أن جزءاً أساسيا من أسباب الضغوط التي تقوم بها الولايات المتحدة وأوروبا على السلطة الفلسطينية هو محاولة الحد من رد الفعل الشاروني، غير المسئول، أوروبا والولايات تدركان جيدا أن التصعيد الذي يقوم به شارون من الممكن أن يؤدي بمرور الوقت الى تصاعد ردود فعل عربية والتي قد تدفع بالمنطقة الى حافة الهاوية وهذا مالا يريدانه نظرا لحجم المصالح الكبيرة للطرفين في المنطقة، ومن هنا يأتي حرصهما على ممارسة الضغوط على عرفات وكأنهم بذلك يريدون تهدئة شارون والشعب الاسرائيلي وبحيث يجعلونه لا يقدم على اتخاذ خطوات أكثر اندفاعية تؤدي الى تدهور الأوضاع أكثر وأكثر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هذه الضغوط تأتي في اطار المساندة المستمرة من جانب الغرب لاسرائيل. القاهرة ـ مكتب «البيان»: