سعت حكومة شارون منذ أن تسلمت مقاليد السلطة في اسرائيل، اثر انهيار تحالف حكومة ايهود باراك، بسبب تصاعد انتفاضة الأقصى، إلى توسيع دائرة عملياتها العسكرية، ظناً منها أن توسيع دائرة النار، سيرفع الكثير عن كاهل حكومة شارون وسيخفف جزءاً من الإتاوات المفروضة على المستوى الداخلي الإسرائيلي والإقليمي والدولي، خاصة الأوروبي الذي بات يشكل أحد الكوابح القوية لسياسة شارون الرعناء في المنطقة بشكل عام. واعتبار أن هذا التوسع بدائرة النار شرقاً أي باتجاه لبنان، سيرسي قواعد لعبة شارون، الذي حاول فرضها في 16 ابريل الماضي بضربه للرادار السوري في منطقة ظهر البيدر، والتي جاءت في اطار ان أية عملية لحزب الله سيقابلها رد إسرائيلي على المصالح السورية في لبنان، بذريعة أن سوريا صاحبة القرار السياسي والعسكري في لبنان. لكن قبل الولوج في التفسيرات، لا بد من تبيان جملة الأسباب والخلفيات والأهداف، التي دفعت وستدفع شارون للعمل على خلق الذرائع لديمومة اعتداءاته على لبنان، بعيداً عن عمليات حزب الله في شبعا، وهي ذات شقين أحدهما داخلي والآخر خارجي، و تتلخص بالتالي: أولاً:فعلى الصعيد الداخلي الحكومي، بات شارون يدرك أن وزير خارجيته شمعون بيريز، ممثل حزب العمل في الحكومة، يشكل عقبة لا يستهان بها. أمام توجهاته العسكرية في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة على حد سواء، وقد بدأت تتضح هذه المشكلة من خلال السجالات والنقاشات الحادة في إطار المجلس الوزاري المصغر، التي يقودها بيريز كطرف معارض لسياسة شارون، خاصة بعد أن وافق المجلس الوزاري المصغر على ضرورة الرد على عملية حزب الله الأخيرة في مزارع شبعا، وتقويض سلطة الحكم الذاتي، واللذين وافق عليهما المجلس، ما عدا بيريز وسنيه اللذين عارضا هذا السلوك جملة وتفصيلاً، وفضلا العودة إلى اتباع الأساليب الدبلوماسية ؛ حتى العدوان الذي نفذ في منتصف ابريل على موقع الرادار السوري في ظهر البيدر. ولعل العدوان المستعجل والذي يعتبر الثاني من نوعه الذي نفذته الطائرات الإسرائيلية ضد الرادار السوري في سهل البقاع، وعلى مقربة من بلدة رياق،على بعد 60 كلم شمال شرق بيروت، جاء بكل تأكيد، كأحد استهدافاته على المستوى الداخلي الإسرائيلي، ليحد من توجهات بيريز السياسية ويحشره في الزاوية الحادة، حتى لا يستفيد من ما ينبئ عنه الكثير من التكهنات، بأن حزب العمل مقدم على انتخابات داخلية لا محالة هذا من جهة. أما من الجهة الأخرى فهي محاولة جادة، لتفويت الفرصة على بيريز في الانتخابات البرلمانية القادمة التي سيتقدم موعدها حسب بعض التنبؤات الإسرائيلية، والتي ستعقد بشهر سبتمبر المقبل على أبعد تقدير، وسيكون بيريز أحد الوجوه الرئيسية المنافسة على انتخابات رئيس الحكومة كمرشح عن حزب العمل. دون أن نغفل محاولة اقتناص شارون للخطيئة التي وقع فيها بيريز، عندما صرح قبل ساعات قليلة من وقوع العدوان، للإذاعة الإسرائيلية قائلا: «مما لا شك فيه أنه ما دامت سوريا تحتفظ بقوات كبيرة في لبنان فهي تتحمل مسؤولية ما يحدث في لبنان، خصوصاً أن لسوريا تأثيراً كبيراً على حزب الله». ودون أن نسقط من أجندتنا بأن تكتل الليكود هو الآخر قد يكون مقبلا على انتخابات داخلية، وهذا السلوك العدواني الذي تتبعه حكومة شارون ضد لبنان، قد يؤمن له مكانة مرموقة بعد أن أصبح ثالث حزب بالتراتبية قياساً بالخارطة الحزبية الإسرائيلية وما يمثله داخل الكنيست (البرلمان). ثانياً: محاولة إعادة الهيبة المهدورة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من خلال التذكير بتأثيرها وقدرتها على المستوى الإقليمي،بما يخدم شارون في حشدها حول خططه الجهنمية، والذي بكل تأكيد حسب اعتقاده، سيكون خطوة أولية إذا ما نجح في ذلك للخروج من المأزق الذي فرضته انتفاضة الأقصى، والقذف بكرة النار الملتهبة إذا ما أمكنه ذلك، في الداخل الفلسطيني، باتجاه لبنان وسوريا على حد سواء، وبما يخلق حالة من الشقاق اللبناني - اللبناني من جهة، واللبناني - السوري من جهة ثانية، خاصة بعد الخطوة التي اتخذتها سورية في إعادة الانتشار لقواتها العاملة في لبنان. حيث انطلق شارون من قناعة خاطئة بكل تأكيد، بأن الانسحاب جاء نتيجة الاحتجاجات التي أبدتها بعض الاتجاهات اللبنانية وبالأخص المسيحية منها، ناهيك عن أنه انطلق من المواقف اللبنانية الأخرى المعارضة لعمليات حزب الله بعد أزمة ابريل والمتمثلة بموقف رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وفريق من اللبنانيين الذين يقاسمونه وجهة نظره، بالإضافة إلى الفريق اللبناني الأول الذي سبق ذكره. (ثالثاً:هدف شارون من هذا العدوان،خلق وقائع سياسية جديدة على الأرض للالتفاف على المواقف الأوروبية التي بدأت تدرك الأبعاد الحقيقية لسياسة شارون، والتي قد توصل المنطقة برمتها إلى حافة الهاوية، بل إذا شئت إلى حرب إقليمية قد لا تبقي ولا تذر، وحمل هذه الوقائع لفرضها على الجانب الأوروبي ليعيد حساباته جيداً بمواقفه الأخيرة التي اتخذها ضد شارون وسياسته الجهنمية، والتي تمثلت بقبول بلجيكا الدعوة الموجهة ضده على مجازره ضد أهالي مخيمي صبرا وشاتيلا، ولعل لكسمبورغ لها حسبة خاصة فهي مركز الاتحاد الأوروبي الآن، ومقر حلف الناتو، وهذه الرسالة الأوروبية تعتبر من أكبر الرسائل المقلقة، التي توجه لشارون بخاصة ولإسرائيل بعامة منذ إنشائها وحتى هذه اللحظة التي نعيشها. بالإضافة إلى قطع الطريق على البلدوزر السياسي الأوروبي الذي بدأ يدرك خطورة ما يخطط له في المنطقة، بهدف كنسه منها كما حصل في إفريقيا في نهاية عام ألفين كهدية في نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة، وتذكيره بأن الطريق إلى منطقة الشرق الأوسط يمر عبر بوابة تل أبيب دون غيرها. وتذكير فرنسا وألمانيا بالتحديد أن اسرائيل هي الأقدر على إيجاد حالة من التكامل مع التحالف الأمريكي - البريطاني ضد العراق، باستخدام ذات النموذج في اختيار الأهداف المنتقاة ؛دون إمكانية قيام أمريكا والأوروبيين بالتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وسوريا. وعلى ما يبدو أيضاً أن اسرائيل من خلال عدوانها المتكرر تريد تحقيق واحدة من غايتين:إما دفع السوريين إلى ضبط حزب الله، وإما إظهار سوريا بمظهر من يتلقى الصفعات وينتظر قيام حزب الله بالرد بدلاً منه. وهذا هو العنصر الأساس على ما أعتقد في مبدأ شارون الذي يريد تحديد قواعد لعبة جديدة من جانبه، مؤداها تحميل سوريا مسؤولية أي عمل عسكري لبناني قد ينفذه حزب الله أو غيره من القوى الوطنية اللبنانية التي لا تزال تنادي بضرورة الكفاح العسكري لتحرير باقي الأراضي اللبنانية بما في ذلك مزارع شبعا. دون أن نغفل أن شارون يحاول من خلال ممارسة سياسته العدوانية، تخفيض المطلب السياسي على الجانبين السوري واللبناني، كخطوة استباقية لاحتمالات فتح طاولة التفاوض، التي تحاول بعض الأطراف الدولية التبشير بها قريباً، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. رابعا:دون أن يعي - شارون - بأن الرد على عملية حزب الله الأخيرة في مزارع شبعا، بضرب الرادار السوري سيكون بكل تأكيد حلقة من حلقات الصراع الجاري على الأرض، والذي يهدف إلى فرض قواعد لعبة جديدة في المثلث الجغرافي اللبناني - السوري - الإسرائيلي.ولعل هذه اللعبة وأهدافها لم تنطل على الطرف اللبناني والسوري ولا على الأطراف العربية الأخرى، بل على العكس من ذلك خلق هذا العدوان حالة من التجانس السياسي في المواقف العربية، بحيث تطابقت مجمل المواقف الصادرة عن العواصم العربية، وظهرت وحدة الموقف السياسي في موقف الأمين العام لجامعة الدول العربية. والاهم من ذلك أن هذا العدوان قد قرب المواقف المتباعدة التي كانت تحكم العلاقة القائمة بين الرؤساء اللبنانيين الثلاثة، رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة، قبل وقوع الاعتداء الثاني، على العكس من العملية الأولى التي أدت إلى قصف الرادار الأول في منطقة ظهر البيدر، وما اعتراها من مواقف متباينة بين الدوائر الثلاث، وما تبعها من تخمينات متباعدة بالمواقف. وختاماً لا بد لنا من القول، بأن الهجوم الإسرائيلي وما قابله من رد لحزب الله قد أكد من جديد أن شارون أقل قدرة على حسم قواعد اللعبة في الجنوب لمصلحته، خاصة إذا ما علمنا أن اسرائيل تعيش حالة من الحذر الشديد إزاء التورط مع حزب الله، وهذا قد وضح جلياً في جملة من النتائج المباشرة والتي اختزلت في أن الطرفين سيمضيان في اللعبة بحسب قواعدهما. .فحزب الله ومعه سوريا اللذان لن يمنحا اسرائيل الإحساس بالأمان والاستقرار في شبعا، وإسرائيل من جهتها، لا ترى في لبنان غير سوريا لتحملها المسئولية الكاملة عن عمليات حزب الله، لكن الرد الأخير للحزب والذي أكد واحدة بواحدة والبادي أظلم كما يقال، سيجعل من شمال فلسطين عرضة للفزع والهلع على الدوام. والاهم من هذا وذاك، أن شارون سرعان ما خسر الرهان، وأنه لن يستطيع ترحيل أزماته وقذفها إلى المحيط الجغرافي كما خطط وستبقى قواته عرضة لعمليات حزب الله طالما بقيت في مزارع شبعا، خاصة إذا ما تأكدنا أن حزب الله ليس مستأجراً وهو يمارس عملياته العسكرية انطلاقاً من قناعته الأيديولوجية والسياسية والوطنية.وأن اسرائيل إذا ما بقيت تمارس عدوانها غير المبرر ضد القوات السورية المتواجدة على الأراضي اللبنانية، ستفاجأ بفاجعة قد تحل بسلاحها الجوي الذي تمارس عبره عدوانها المستمر على لبنان، وستخضع في نهاية الأمر إلى اتفاق أشبه ما يكون باتفاق تفاهم ابريل في وقت لاحق، ليفرض عليها الانسحاب من مزارع شبعا أسوة بالانسحابات التي تمت في العام الماضي دون قيد أو شرط. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق