شعر المرء.. ولأول مرة منذ زمن طويل بقدر من الارتياح والامل حين قبلت كل الاطراف السياسية بمذكرة المبادرة المشتركة، فقد كان الخوف كثيرا من المماحكة والمناورات واضاعة الوقت، ولم تكن هذه الاطراف جادة حتى تفاقمت الازمة تماما ولم يعد امام الحكومة والتجمع اي فضاء للتلاعب والهروب، فالنظام محاط بالمشكلات الداخلية المتزايدة في الاقتصاد والحرب وادارة الاقاليم وتلبية حاجات الجماهير المتعددة بالاضافة للضغوط الخارجية من دول الجوار واوروبا الغربية والولايات المتحدة، اما التجمع فهو يعاني من الضعف الداخلي والانقسامات وفي نفس الوقت تزايدت الضغوط واظهرت بعض الدول المضيفة ضيقها من وجود التجمع ومن عجزه عن العمل الفعال، هذا يعني ان الجميع قد وصلوا إلى نهاية النفق، لذلك جاء احياء المبادرة المشتركة كخلاص وبداية مرحلة جديدة تحتاج إلى تفكير مختلف ووسائل عمل مختلفة ايضا. علينا الا ننجر خلف التفاؤل الساذج فالسياسة السودانية شديدة التعقيد بل هي غابة متشابكة يصعب السير في دروبها بطريقة مستقيمة، فمن البداية ظهرت جيوب تجريبية بالذات من ضمن النظام ارادت افشال الاتفاق من خلال اطلاق الشائعات واستفزاز كل طرف لكي يرفض المذكرة، هناك مستفيدون من استمرار الصراع هم اقرب إلى اثرياء الحرب، يوجد كثيرون منهم في اجهزة الاعلام والصحف بالاضافة لاصحاب المناصب التنفيذية الذين يخشون على مواقعهم من الوفاق خاصة اذا وصل الامر إلى المشاركة في السلطة واعادة تقسيم المناصب الحكومية قومية واقليمية، وهذا ما يسميه المتنافسون اقتسام الكيكة! رغم انهم سيتنافسون على عظمة. كانت عناوين بعض الصحف خلال الاسبوع مليئة بالفتنة وسوء النية وتعكير الاجواء في محاولة لخلق اجواء الاختلاف والانشقاقات، وطبعا هذه مدرسة الترابي التي اصطلح على تسميتها بالمكابدة السياسية أو «حرقتني» المديدة على مستوى ارقى، ودهشت حين وجدت بعض الاقلام التي تعتبر معتدلة بل وديمقراطية داخل الاسلامويين هي التي تشعل هذه الحملة، فهناك افلام في الصحف السودانية خلقت اصلا لنشر الاسفاف وتمجيد قيم الهبوط والانحطاط، ولكن من الغريب ان تشارك بعض الاقلام التي نتعشم في صدقها ووطنيتها وان تكون جزءا من هذا الطابور الخامس، لذلك يأتي الخوف على الاتفاق من ان تنجح مثل هذه الاقلام في تعميق أو افتعال الخلاف في المرحلة المقبلة، فعلى كل الحريصين على مستقبل السودان ان ينحازوا إلى مصالح الناس الذين عانوا كثيرا تحت اقدام هذه المعارك غير المجدية، واتمنى ان يكون شعار القوى الصادقة في توجهها نحو الحل السلمي «اذا اتاكم فاسق بنبأ» فالسودانيون عرفوا بقبولهم السريع للشائعات باعتبارها توابل الونسة والجلسات الطويلة فهم يتذوبون الشائعات حتى تؤدي دورها في نسف التقارب والتفاهم، لابد من الحذر واليقظة: ليس كل ما تكتبه الصحف حقائق ثابتة، وليس كل الصحفيين ينكرون ذواتهم ومصالحهم الضيقة ويقدمون مصالح الوطن والشعب. اما الخطر الاكبر فهو مراكز القوى ذات المصالح الراسخة في احتكار السلطة والغاء الاخرين على كل المستويات وهؤلاء هم القائمون بالتشويش وتعطيل الانفتاح النسبي المحدود والمهزوز بسبب جهود هذه المجموعات، فهناك كثير من النشاطات من ندوات ولقاءات ألغيت بسبب الاصابع الخفية غير المرئية، وقد تتعدد مصادر القرار مما يقود إلى الارتباك والتوتر ايضا، اذ قد يحصل القائمون بنشاط ما على اذن بقيام هذا النشاط من سلطة هي جزء من النظام، ولكن تأتي سلطة ما وتوقف النشاط بعد أن يبدأ في بعض الاحيان وقد شهدت هذه التجربة اكثر من مرة، اخرها ندوة اقيمت في المتحف القومي، قفد جاءت مجموعة بعد مضي ساعة من انعقاد الندوة وقامت بانتزاع الميكروفون من احدى المتحدثات وطالبت الحضور بان يغادروا خلال ربع ساعة، نحن نعلم ان البلاد تعيش ظروفا استثنائية ومن واجبها ان تحافظ على الامن ولكن ما يتوقعه المواطن هو القرار الموحد وعدم حدوث اي مفاجآت، اذ من الممكن ان ترفض السلطات منح اذن ولكن بعد منح الاذن يصبح الوضع مختلفا، اوردت هذا المثال لا على سبيل الحصر، اذ يمكن ان تعدد الامثلة على اصعدة مختلفة وتندرج كلها في مجال توحيد مصادر القرار وتنفيذها، وقد شكى النظام من قبل من ازدواجية القرار. يقود ما سبق الى توقع عقبات وعوائق قد تعصف بمضمون وروح المبادرة أي مبدأ توسيع المشاركة السياسية. وتظهر تصريحات متناقضة بعضها يرسل اشارات مضادة للتقارب وللاتفاق بالذات حين يتحدث عن ان الانقاذ لن تتراجع وان ثوابت الانقاذ لن تمس او حين تتشكك في امكانية قيام حكومة قومية انتقالية وهذا جوهر مذكرة المبادرة. فمن البداية، لابد ان يفهم الجميع بالذات كوادر النظام ان أي وفاق او حل سلمي يعنى الوصول الى حل وسط بين ثوابت كل طرف، لان للاخرين ايضا ثوابتهم ولابد لهم ان يفرقوا بين الاحتواء والمشاركة على أسس تمثل الحد الادنى. وفي هذه الحالة الوضوح ضروري لاننا سوف نتفق على عقد اجتماعي ـ سياسي جديد، تتنازل فيه الانقاذ عن بعض سلطتها المطلقة مقابل كسب قدر من الاجماع والشرعية او الرضاء والقبول وعدم المقاومة في حد الأقصى مع بقاء الاختلاف بالطبع. نعلم ان مثل الاختيار يحتاج الى قدر هائل من الوطنية وتغليب صالح الوطن، خاصة وان هناك الكثيرين ممن استمتعوا بالسلطة وذاقوا حلاوتها وامتيازاتها ولا يمكن ان يتنازلوا عن كل ذلك بلا مجاهدة. وهذا بالمناسبة الجهاد الاكبر، جهاد النفس التي ذاقت الجاه والمال وزينة الحياة الدنيا من كل اطرافها. وهنا التراجع لن يكون عن الثوابت ولكن عن المنافع. ونتوقع صعوبات والغام لا تحصى. هناك مشكلة في نظام حكم الانقاذ لابد من تحليلها وفهمها، فالسلطة تنقسم الى دولة ومنفذين لسياسات وفي كثير من الاحيان يختلف المستويان، وبالذات هذه الايام: الدولة تقرر وتصدر الاوامر والبيانات ـ على مستوى الوزراء والقيادات العليا. ولكن يوجد في مكان ما في جهاز الدولة ما يشبه الادارة الاهلية فهناك عموديات ومشيخات تفسر القرارات وأحيانا تعطل او تلغي او تحرّف. وكثيرا ما تتناقض التصريحات مع ما يحدث ولاحظنا ذلك في القرارات الاقتصادية حتى وصل الامر ان تطلب من المواطن الاتصال بهواتف معينة للشكوى من عدم تنفيذ الاجراءات الاقتصادية. تعني هذه الوضعية ان ما قررته الدولة يمكن الا يحدث، يضاف الى ذلك استشعار هذه الادارة الاهلية بخطر ان تفقد مواقعها التنفيذية، ومن هنا تنطلق صيحات تحذر من التفكيك بقصد تخويف من يدعو الى الحل السلمي الشامل. فالمسألة ببساطة هي اعادة الامور الى وضعها الطبيعي ويقصد بذلك اتاحة الفرص المتساوية لجميع المواطنين في المشاركة في ادارة بلادهم حسب الكفاءة والخبرة وليس مجرد الولاء. هذا ليس تفكيكاً وانما تطبيقا لحق المواطنة من خلال حق العمل للجميع. بالتأكيد سوف يستميت النافذون والمتنفذون من اجل منع اي تغيير وقد حدث ذلك حتى ضمن الانقاذيين انفسهم حين حاولت الحكومة تقليص عدد المجالس المحلية. لذلك بالاضافة لتوحيد القرارات لابد من توحيد جهاز الدولة في تطابق مع سلطة الدولة. هناك مخاطر اخرى قد تأتي من رفض بعض المستفيدين من المعارضة الخارجية لاي تقارب وسوف يعملون بدورهم على إفشال المبادرة المشتركة باساليب لا تختلف كثيرا عن أدوات خصومهم. وبالفعل ظهرت أصوات تتحفظ وتطرح القضايا المثيرة للخلاف مثل تقرير المصير وفصل الدين عن الدولة. وهذه موضوعات اثارت باستمرار الخلاف وهذا ليس وقتها. فلتبدأ الاطراف بالجلوس معا على أساس المذكرة ثم تناقش كل الأمور. تقف كل القوى السياسية السودانية الان أمام اختبار الفرصة الاخيرة والتي لا تحتمل المناورات المعهودة وكل تاريخ الحركة السياسية السودانية وكل الاخطاء والخطايا التي ارتكبت في حق هذا الشعب النبيل لابد ان يتم اصلاحها الان. وكل هذا يتطلب ان تمتلك الجماهير مصيرها اي ان تتابع وتحاسب وتقوم بدورها الديمقراطي كاملاً رغم ان الفترة الاخيرة شهدت لا مبالاة سياسية فقد شعر الشعب بالتعب واللاجدوى وهذا وضع غير طبيعي. ولن تنجح المبادرة دون تعبئة جماهيرية تضغط على كل الاطراف ولابد ايضا للقيادات الواعية في الاحزاب من ان ترتبط اكثر بجماهيرها. ولتكن البداية الدعوة لوقف الحرب الاهلية فوراً. هذه مهام الاحزاب والمواطنين ومنظمات المجتمع المدني. فالفترة المقبلة حرجة وحاسمة ولابد من الارتفاع الى مستوى المسئولية على جميع الاصعدة. ويظل الخوف قائماً ان ندخل مجدداً في الحلقة الشيطانية. بقلم: د.حيدر ابراهيم علي